تحت تخدير الحنين
لينا ناصر
ثم... في ذلك المقهى.
بعد عقدٍ كامل من الغياب، عادت تتفحص تفاصيل المكان بعينٍ ثاقبة، وقلبٍ تواق.
كانت تبحث في الزوايا عن أثرٍ ربما نسي الزمن محوه، أو عن ظلٍّ بقي عالقًا بين الطاولات ينتظر عودتها.
هرولت نحو المقعد الأخير... المقعد نفسه الذي شهد آخر لقاء، غير آبهة بمن يجلس هناك، كأن المكان لا يعترف إلا بهما زائرين.
وما إن اقتربت حتى انتبهت، فتوقفت فجأة، وكأنها اصطدمت بنفسها.
همست موبخةً ذاتها:
ما الذي تفعلينه يا غبية؟
استدارت وجلست على مقعدٍ مجاور، وراحت تراقب حركاتهما وهمساتهما من بعيد. كانت الوجوه تتداخل، والأصوات تتلاشى، حتى انفرج باب الذاكرة، فرأته جالسًا أمامها كما كان... يبتسم، ويقلب فنجان القهوة بين يديه، ويترك لعينيه مهمة الحديث.
لبضع لحظات، بدا المشهد حقيقيًا إلى حدٍّ مؤلم... كأن الزمن رقَّ قلبه، فعاد إليها بعضًا منه من جيوب ذاكرته.
وفجأة...
قطع صوت النادل ذلك الحلم.
— سيدتي...
انتفضت من شرودها.
— أريد فنجانا من القهوة.
ابتسم بأسف وقال:
عذرًا يا سيدتي... لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل، وقد أغلقنا المقهى.
التفتت حولها في دهشة...
كان المقهى خاليًا تمامًا.
لا أحد هناك...
إلا هي...
والنادل...
وجرس الحنين يقرع في ذاكرة المكان... وفي ذاكرتها.
لكن أكثر ما أثار ذهولها، أنها كانت تظن أن الحنين اختطف منها بضع لحظات فقط...
بينما الحقيقة أنه دفنها ساعاتٍ كاملة تحت تخديره.
وكأنه كان يلقنها درسًا جديدًا عن عالمه الموازي...
ذلك العالم الذي، ما إن ندخله، حتى تهرول الساعات خارج أعمارنا، وتترك الزمن يشيخ في ذاكرة القلب،،بينما نحن نظن أننا لم نغب داخل أفكارنا سوى لحظة..!

