-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

«الدكتور حسن الحضري» في حوار ناري لـ«مجلة دار العرب »حاورته : عفاف التاورغي

 

‏"في زمن تهاوي المعالم، القصيدة العمودية ليست نغماً عابراً... بل ملحمة دفاع عن هوية الأمة"

‏من ماء الصعيد العذب إلى معركة الجوهر ضد الشكل الزائف «الدكتور حسن الحضري» في حوار ناري لـ«مجلة دار العرب »:"في زمن تهاوي المعالم وخذلان المؤسسات، القصيدة العمودية ملحمة دفاع عن الهوية... وثمن الكرامة الفكرية أغلى ما نملك"

‏حاورته عفاف التاورغي 

‏طرابلس- ليبيا 


‏في زمن تتهاوى فيه المعالم، وتختلط الأصوات، ويُصارَع فيه الشعر العربي على حدود وجوده بين مطرقة التغريب وسندان التفكيك، يتحوّل السؤال الشعري من قضية إيقاع أو قافية إلى استفتاء مصيري في هوية الأمة وذاكرتها الجمعية. فالقصيدة اليوم لم تعد مجرد ديوان للعرب، بل صارت ساحة معركة ضارية بين من يريدون لها أن تبقى مرآةً للضمير العربي الأصيل، ومن يسعون لتذويبها في بحر من النصوص السائلة التي لا تحمل وزناً ولا تثبت على قافية.

‏وفي خضم هذه العاصفة التي تعصف بالذائقة والمنهج، يقف الشاعر والأكاديمي المصري حسن عبد الفتاح الحضري كقلعة منيعة، لم تهن له قناة، ولم تلن له عزيمة، جعل من الدفاع عن القصيدة العمودية مشروعَ حياة، ومن اللغة العربية قضية وجودية لا تقبل المساومة. هو الذي ارتوى من ماء الصعيد العذب، وتشبع بجماليات التراث، ليحوّل معركته الأدبية إلى ملحمة دفاع عن الجوهر ضد الشكل الزائف.

‏الحضري، الذي جمع بين ناصية الشعر وجهامة النقد الأكاديمي، يفتح لنا اليوم نوافذ تجربته الغنية، ليحكي بصراحة عن عناء النقد، وخذلان المؤسسات، وثمن الكرامة الفكرية، وعن مستقبل العربية في زمن المنصات. في هذا الحوار، لا يترك شاردةً ولا واردةً إلا ويوقفها عند محكّ السؤال، مقدماً رؤيته التي تخلط بين فحولة الصعيد ووعي الأكاديميا، وبين عشق الماضي واستشراف المستقبل.

‏■ السؤال الأول: ارتويتُم من ماء الصعيد العذب، وتشبّعتم بجمالياته. كيف أسهمت هذه النشأة في منحكم تلك "الفحولة الشعرية" التي جعلت منكم قلعة منيعة في وجه رياح التغريب؟

‏حسن الحضري:الصعيد لم يكن مجرد مكان للنشأة، بل كان معجماً حياً للفصاحة، ومختبراً للذائقة العربية الخالصة. نشأتُ في بيئة لم تستهلكها المدنية الزائفة، حيث ما تزال مجالسها تتردد بأبيات المعلقات، وحيث تسبغ الجدات الحكمة في قوافيها. عائلتي، التي تعود جذورها إلى عمق الجزيرة العربية واستقرت في المنيا منذ قرون، كانت بمثابة جامعة شعبية في النحو والفصاحة. وأذكر شهادة أستاذي الجليل الدكتور أحمد السعدني -رحمه الله- الذي قال لي أمام جمع من الأساتذة: "يا حسن، سرّ فحولتك الشعرية أنك لم تنقطع عن ينابيع العرب، فأصلُك العربي هو الذي يسبي النص". هذه الفحولة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج التصاقي بالأرض والتراث، وهو ما جعلني في معركتي الأدبية كقلعة منيعة لا تهتز.

‏■ السؤال الثاني: في زمن تُختزل فيه القيم، جعلتم من اللغة العربية قضية وجودية. هل كانت العربية مجرد خيار معرفي، أم أنها كانت المرآة التي رأيتم فيها ضمير الأمة قبل أن تتحول إلى مشروع دفاع؟

‏الحضري: بل كانت قدراً وجدانياً سبق الإرادة، ثم تحولت إلى إرادة واعية. منذ نعومة أظفاري، وجدت نفسي منسجماً مع العربية كانسيجام الناي مع أنفاس العازف، حتى أن ناظر مدرستي في الصف الثاني الابتدائي تنبأ بمستقبلي قائلاً: "سيُشار إلى هذا الغلام بالبنان في اللغة العربية". لكن التحول الفعلي حدث حين أدركت أن العربية ليست مجرد مادة دراسية، بل هي المرآة التي تعكس ضمير الأمة وهويتها. التفريط بها ليس تفريطاً بلغة، بل تفريط في الوجود. لذلك حملت مشروعي في الدفاع عنها، ليس كرغبة شخصية، بل كضرورة حضارية لا تقبل المساومة.

‏■ السؤال الثالث: تصفون معركتكم بأنها "ملحمة دفاع عن الجوهر ضد الشكل الزائف". بين مطرقة التغريب وسندان التفكيك، كيف لكم أن تصمدوا أمام هذه النصوص السائلة التي تُسمى شعراً رغم خلوها من الروح العربية؟

‏الحضري:المواجهة مع هذه النصوص السائلة لم تكن يوماً معركة شكل، بل كانت معركة ماهية وهوية. حين رأيت البعض يطلقون اسم الشعر على خواطر نثرية مبتسرة، أدركت أن الخصم ليس مجرد تيار أدبي، بل هو مشروع ثقافي يهدف إلى نزع الخصوصية عن الذائقة العربية. نحن أمام مطرقة التغريب التي تحاول صياغتنا وفق قوالب غيرنا، وسندان التفكيك الذي يريد هدم بنائنا من الداخل. صمودي في هذه الملحمة يأتي من قناعتي الراسخة بأن لكل جنس أدبي قواعده، وأن تسمية النثر شعراً هو خلل في الميزان النقدي، لا يمكن السكوت عليه، وإلا ضاعت الحدود واندثرت المعالم.

‏■ السؤال الرابع: البعض يرى إصراركم على العمودي جموداً، بينما ترونه دفاعاً عن الجوهر. أليس في هذا تغليباً للشكل القديم على حساب الروح المعاصرة؟

‏الحضري: الدفاع عن العمودي ليس دفاعاً عن "شكل زائف"، بل هو دفاع عن الجوهر الذي تشكلت حوله هوية الأمة. قواعد الخليل ليست قيوداً، بل هي أبعاد هندسية للجمال العربي، تماماً كما للأوزان الموسيقية قواعدها. التجديد الحقيقي لا يكمن في هدم البنيان، بل في تجديد المضامين والرؤى والصور البلاغية داخل هذا البنيان. عندما أكتب عن هموم العصر بلغة عربية فصيحة موزونة، فأنا أحدث ثورة في المضمون، لا في الإطار. أما من يظن أن كسر الوزن هو التجديد، فهو واهم؛ لأن التجديد الذي لا يجذر في التراث يكون كسراب في صحراء، يظنه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

‏■ السؤال الخامس: قلتم إن المؤسسات أسهمت في إضعاف الذائقة. في زمن خذلان المؤسسات، كيف تنظرون إلى دورها اليوم، وهل هي القاتل الصامت للشعر العربي؟

‏الحضري:خذلان المؤسسات هو الجرح النازف في جسد الثقافة العربية. تحولت هذه المؤسسات من محاضن للإبداع إلى دوائر بيروقراطية تئن تحت وطأة الروتين والمحسوبيات. هي القاتل الصامت للذائقة، لأنها لم تعد تنتج مثقفين، بل تنتج موظفين يمارسون المجاملات ويوزعون الجوائز على أصحاب الوجوه لا على أصحاب المشاريع. هذا الخذلان أفقد الجمهور بوصلته، وجعله في حيرة بين إصدارات ركيكة برعاية رسمية، ومواهب حقيقية تظل في الظل. المؤسسة الثقافية التي لا تحمي الموهبة، ولا تصقل الذائقة، هي مؤسسة ميتة، مهما كثرت ميزانياتها وفعالياتها.

‏■ السؤال السادس: في كتابكم "القرآن الكريم يحدد ماهية الأدب"، تخوضون مواجهة نقدية مع الحداثة المزيّفة. أليس في هذا خلط بين الديني والأدبي، وكيف تردّون على من يتهمكم بـ"تديين" النقد؟

‏الحضري:أنا لا أدعو إلى تديين الأدب، بل أدعو إلى تحكيم العقل العربي الأصيل الذي تشكل في ضوء الوحي والتراث. حين رأيت بعض الحداثيين يستغلون هامش التأويل في النص القرآني لتمرير أفكارهم التفكيكية، كان لا بد من وقفة علمية لإعادة الأمور إلى نصابها. ما فعلته هو إعادة قراءة لقضايا الأدب في ضوء ما استقر عليه فهم العرب للفصاحة القرآنية. النقد الأدبي عندي ليس وعظاً، بل هو بحث في الجماليات وفق منظومة عربية خالصة. عندما نعتبر القرآن ذروة الفصاحة، فمن غير المعقول أن نترك معايير الفصاحة تتلاشى تحت أقدام تيارات دخيلة على روح اللغة.

‏■ السؤال السابع: كثيرون يرسمون الصراع بين القديم والجديد، لكنكم تطرحون طريقاً ثالثاً. كيف نبني حداثة تنطلق من التراث ولا تقطع صلتها به، في زمن تختلط فيه الأصوات؟

‏الحضري: الطريق الثالث هو "حداثة الجذور". نحن لسنا بحاجة إلى استيراد حداثة جاهزة من ثقافات أخرى تختلف في مناخاتها وتكوينها. الإطار الشعري (الوزن والقافية) ثابت، لكن الروح التي تُنفخ فيه تتجدد باستمرار. الشاعر المعاصر يمكنه أن يحدث ثورة في الصور البلاغية، وأن يتناول قضايا العصر بإحساس معاصر، وأن يستخدم لغة مشرقة تلامس وجدان اليوم، دون أن يكسر العمود الفقري للقصيدة. هذه هي الحداثة التي تبقى، أما الحداثة التي تقوم على القطيعة والهدم، فمصيرها الزوال، لأنها تصنع من دون جذور، وكما يقول المثل: "ما كان بلا جذور، مات بأول عاصفة".

‏■ السؤال الثامن: المشهد النقدي العربي يعجّ بالمجاملات ونقاد الشاشات. كيف تقرؤون هذه الأزمة، وأين تكمن "الكرامة الفكرية" في خضم هذه الفوضى؟

‏الحضري:المشهد النقدي اليوم أشبه بسوق عكاظ بلا نظام. أبرز أزماته: ضعف التأهيل العلمي، وهيمنة المجاملات التي تجعل المدح يسبق النقد، وبروز ما أسميه بـ"نقاد الشاشات" الذين يمارسون النقد بوصفه خطابة عاطفية لا عقلانية. الحفاظ على الكرامة الفكرية في هذه الفوضى يكون بالتمسك بالمنهج، وعدم الخضوع لشبكات المصالح، والكتابة بضمير، حتى لو أدى ذلك إلى التهميش. ثمن الكرامة الفكرية غالٍ، لكنه الثمن الذي يدفعه من يؤمن بأن النقد رسالة قبل أن يكون مهنة. أنا دفعت هذا الثمن، ولن أندم عليه، لأن الكرامة أغلى من أي منصب أو جائزة.

‏■ السؤال التاسع: المنصات الرقمية سرقت الأضواء من المؤسسات. هل هي منقذ للإبداع، أم أنها فوضى تضر بالشعر أكثر مما تنفعه؟

‏الحضري:المنصات الرقمية سلاح ذو حدين. هي من جهة فضاء حرّ سمح بظهور مواهب حقيقية كانت ستُطمس في خذلان المؤسسات. لكنها من جهة أخرى، صارت ساحة للنجومية الزائفة، حيث يقاس الشاعر بعدد متابعيه لا بجودة نصّه، وحيث ينتشر الشعر الخفيف السطحي الذي يجمع الإعجابات بأقل جهد. المؤسسات فشلت، والمنصات فوّضت المعايير. الحل الوحيد هو عودة النقد الأكاديمي الحقيقي إلى هذه الفضاءات، وتوعية القارئ ليكون هو الحكم الفاصل، لأن الوعي الجمعي هو الضمانة الوحيدة ضد فوضى التقييم.

‏■ السؤال العاشر: نعرف أن لكم مواقف صارمة ضد الشللية الثقافية. ما هو الثمن الذي دفعتموه مقابل هذا الاستقلال، وهل ندمتم يوماً على عدم المسايرة؟

‏الحضري:الندم ليس في قاموس من يؤمن برسالة. الثمن الذي دفعته هو التهميش المتعمد، وحرماني من الكثير من المنابر التي تستحقها، ورؤية زملاء أقل كفاءة يأخذون مكان الصدارة لمجرد أنهم أكثر انقياداً للتيار. هناك من حاولوا طمس صوتي لأنني رفضت أن أكون جزءاً من "السوق الأدبية". لكن هذه المعاناة هي التي صقلت مشروعي، وجعلتني أكثر تمسكاً بمعاييري. لا يمكن أن أبيع وعيي مقابل دعوة عشاء أو جائزة مبتذلة. المثقف الحقيقي يدفع الثمن غالياً، لكنه يظل يملك رأسه وقلبه، وهذه هي الكرامة الفكرية الحقيقية.

‏■ السؤال الحادي عشر: لديكم استنباطات في العروض. هل الحفاظ على أوزان الخليل هو حفاظ على "الحمض النووي" للروح العربية؟

‏الحضري:العروض ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جينوم اللغة العربية النغمي. حين نحافظ على أوزان الشعر، فإننا نحافظ على إيقاع الوجدان العربي الذي تشكل عبر القرون. ما توصلت إليه من استنباطات هو محاولة لتصحيح الأخطاء التي تسللت إلى فهم العروض في العصر الحديث، وإعادة الاعتبار للقواعد التي وضعها الخليل، والتي تركت لنا هامشاً من التجديد في التفاعيل دون هدم النظام كله. العبث بالوزن هو عبث بالذائقة السمعية للأمة، وهو شكل من أشكال التفكيك الخفي للهوية.

‏■ السؤال الثاني عشر: تتعدد قصائدكم بين الغزل والمديح النبوي والحنين. هل تكتبون الشعر لتداوي جراح الحياة، أم لإعادة صياغة الكون؟

‏الحضري:الشعر عندي هو ملجأ ومعبد في آن واحد. أكتب لأفهم حزني، ولأضبط فوضى العالم من حولي. في قصيدة المديح النبوي أجد السكينة، وفي قصيدة الحنين أجد الأمل، وفي قصيدة الغزل أجد صفاء الإنسانية. لكن ما يميز مشروعي هو أن الشعر ليس هروباً من الواقع، بل هو مواجهة له. أحاول من خلال قصائدي أن أرسم عالماً أكثر عمقاً من الواقع المادي البائس، وأن أقدم نموذجاً للجمال المقاوم. الشعر هو سلاحي الأمضى في وجه العبث.

‏■ السؤال الثالث عشر: في زمن تتراجع فيه مكانة العربية في التعليم والإعلام، هل للشاعر دور إنقاذي يتجاوز الكتابة إلى التفعيل المجتمعي؟

‏الحضري:بالتأكيد. الشاعر العربي اليوم مطالب بأن يكون مربي أمة وليس مجرد منتج نصوص. دورنا أن نُري الأجيال الجديدة أن العربية ليست لغة جامدة، بل هي لغة حية مرنة قادرة على التعبير عن أحدث المعاني. أنا دائماً أدعو إلى تقديم الشعر العربي في قوالب عصرية تصل إلى الشباب، دون تفريط في جوهره. التحدي كبير، لكن الإيمان بالرسالة يجعل المستحيل ممكناً. علينا أن ننزل من أبراجنا العاجية إلى ساحات الحياة، وأن نصنع ذائقة جديدة تعشق الجمال الأصيل.

‏■ السؤال الرابع عشر: كيف تريدون أن يقرأ التاريخ سيرة حسن عبد الفتاح الحضري بعد هذه الرحلة الطويلة؟

‏الحضري: لا أحلم بتخليد اسمي بقدر ما أحلم بتخليد الرسالة. أريد أن يُذكرني التاريخ بأني ذلك الشاعر الذي رفع راية الدفاع عن الهوية العربية واللغة الضاد في زمن خنوع، في زمن تهاوت فيه المعالم واختلطت الأصوات. أريد أن يكون مشروعي النقدي والبحثي مرجعاً لمن يأتي بعدي، ليعلموا أن هناك من وقف في وجه المدّ العاتي، ولم يبع كلمته. أريد أن يتذكروني كشاهد على عصر لم تضع فيه الأمة بوصلة هويتها، وكمناضل فكري جعل من القصيدة العمودية حصناً لا يُخترق.

‏■ السؤال الخامس عشر والأخير: كلمة أخيرة لجيل الشعراء الجدد الذين يبحثون عن طريقهم وسط هذه الفوضى؟

‏الحضري:كلمتي للشباب هي: لا تستعجلوا. لا تتبعوا الموضات، ولا تنخدعوا بشاشات البرامج ومواقع التواصل. ارجعوا إلى دواوين الأوائل، واستمعوا إلى إيقاع الأرض العربية، واقرأوا بوعي، وتذوقوا الشعر كما يتذوق العطشان الماء. لن يرضي أحداً من يرضي الجميع. كونوا مخلصين لموهبتكم، ولغتكم، وهويتكم. لا تخافوا من التهميش، فإن التاريخ لا يكتبه الحاضرون في المناسبات، بل يكتبه الصامدون في دهاليز الإبداع الحقيقي. احملوا همّ الأمة، وستحمل الأمة همّكم. واعلموا أن الكرامة الفكرية هي الرصيد الوحيد الذي لا ينفد، وأن الدفاع عن الجوهر ضد الشكل الزائف هو الطريق إلى الخلود.

‏◄  في ختام هذه الجولة الفكرية...

‏بهذه الكلمات الحاسمة، التي مزجت بين فحولة الصعيد ورصانة الأكاديميا، يطوي الشاعر والناقد الدكتور حسن عبد الفتاح الحضري ملفاً من أطول الملفات التي شغلت الوجدان الثقافي العربي. لم يكن حوارنا هذا مجرد استجواب أدبي عابر، ولا كان نقاشاً في جزئيات شكلية؛ بل كان رحلة تأمل في ملامح هوية أمة، ووقفة عند مفترق طرق مصيري، حيث تتقاطع اللغة مع الوعي، وتتصادم الأصالة مع التغريب، وتتبدى معالم المعركة الخفية التي تخاض على حدود الكلمة والذائقة.

‏لقد كشف الحضري، عبر إجاباته الصادحة، عن أن الدفاع عن القصيدة العمودية ليس هروباً إلى الخلف، بل هو استباق للمستقبل بحماية الجوهر. هو إعلانٌ أن التجديد الحقيقي لا يولد من رحم القطيعة، بل من ينابيع الأصالة، وأن العبث بقواعد اللغة وقوانين الشعر ليس ضرباً من الحرية، بل هو تفريط في الحمض النووي للأمة.

‏كما وضع الحضري أصبعه على الجرح النازف في جسد الثقافة العربية، حين تحدث عن خذلان المؤسسات التي تحولت إلى دوائر بيروقراطية جامدة، وعن فوضى المنصات التي جعلت الإعجاب مقياساً للإبداع، وعن ثمن الكرامة الفكرية الذي يدفعه المثقف المستقل في زمن الشللية والمحسوبيات. فكان صوته نداءً لكل مثقف يؤمن بأن القيمة ليست في المنصب، بل في الرسالة، وأن الكلمة الحرة هي السلاح الأبلغ في مواجهة رياح التفكيك.

‏وفي مشهد عربي يعاني من تهاوي المعالم واضطراب البوصلة، يخرج علينا الحضري برؤية استشرافية واضحة، تدعو إلى حداثة تنبع من الجذور، ونقد يعيد الاعتبار للمنهج، وشعر يكون مرآة للضمير الجمعي، لا مجرد نصوص عابرة تذوب في بحر السطحية.

‏خلاصة القول، أن ما أراده حسن الحضري من هذه المعركة الطويلة، ليس تسجيل اسمه في ذاكرة التاريخ بقدر ما هو تسجيل رسالة الدفاع عن اللغة والهوية في وجدان الأجيال القادمة. إنه يؤمن بأن الأمة التي تحافظ على شعرها تحافظ على روحها، وأن القصيدة التي تنبض بإيقاع الخليل تظل عصية على الزوال، مهما تكاثرت عليها النصوص السائلة والتجارب الهشة.

‏فهل تصغي الأوساط الثقافية والمؤسسات الرسمية لهذه الدعوات؟ وهل يعيد الجيل الجديد اكتشاف جمال الوزن والقافية قبل فوات الأوان؟ الأسئلة تبقى معلقة، لكن الأمل يظل معقوداً بأن هناك دائماً من يحمل المشعل، كما حمله الحضري، وكما سيحمله من بعده من يؤمنون بأن اللغة العربية ليست مجرد حروف، بل هي حياة وهوية ومصير.

‏◄ جملة ختامية للتوقيع:

‏"الشعر العمودي ليس قيداً نرتضيه، بل هو سقفٌ من نور نستظل به، فمن يحافظ على إيقاع الأمة يحافظ على نبضها، ومن يهدم القصيدة يهدم جزءاً من ذاكرتنا الجمعية."

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية