-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءةٌ نقديّةٌ لقصيدةِ "هامشُ النبضِ" للأديبِ والإعلامي القديرِ "قصي الفضلي" .. بقلم أ . ليلى صليبي

 قراءةٌ نقديّةٌ لقصيدةِ "هامشُ النبضِ"

 للأديبِ والإعلامي القديرِ "قصي الفضلي"

بقلم أ .  ليلى صليبي 




القراءةُ النقديةُ:


تتجلّى في قصيدةِ “هامش النبض” للشاعرِ قصي الفضلي تجربةٌ وجدانيةٌ شفيفةٌ، تجعلُ من الحبِّ حالةً وجوديةً يتجاوزُ فيها العاشقُ حدودَ الزمانِ والمكانِ، فلا يعودُ المحبوبُ شخصًا يُحبُّ فحسبُ، بل يصبحُ معادلًا للحياةِ ذاتِها. فالعنوانُ يحملُ مفارقةً دلاليةً لافتةً؛ إذ إنّ “الهامش” يوحي بالتواري والابتعادِ، بينما “النبض” هو مركزُ الحياةِ ومصدرِها، ليأتيَ النصُّ نافيًا هذا الهامشَ منذُ بدايتِه: “لن تكوني على هامش النبض”، فيتحوّلُ المحبوبُ من الهامشِ إلى المتنِ، ومن العابرِ إلى الجوهريّ الذي تنتظمُ حولَه الذاتُ الشاعرةُ.


يفتتحُ الشاعرُ نصَّه بجملةٍ شرطيةٍ مؤجّلةٍ: “حين يضعُ الحبُّ أوراقَه”، وهي صورةٌ مجازيّةٌ تُشخّصُ الحبَّ وتجعلُ له أوراقًا يضعُها كما تُوضعُ أوراقُ الشجرِ أو أوراقُ الاعترافِ الأخيرةِ. إنّّها لحظةُ اكتمالِ الشعورِ واستوائِه، ومنها تنبثقُ الكتابةُ كونُها فعلَ سلامٍ: “سأكتبك سلامًا يا أنتِ”. ولا يقولُ الشاعرُ “سأكتبُ لكِ”، بل “سأكتبكِ”، وفي هذا العدولِ الدلالي تتحوّلُ المحبوبةُ إلى نصٍّ يُكتبُ، وإلى قصيدةٍ تتشكّلُ من حروفِ الروحِ قبلَ حروفِ اللغةِ.


وتكتسبُ لفظةُ “السلام” هنا أبعادًا رمزيةً عميقةً، فهي ليستْ تحيةً عابرةً، بل حالةً من الطمأنينةِ والسكينةِ التي تسبقُ حضورَ المحبوبةِ وترافقُه. لذلك تأتي صورةُ “ارتجاف الجسد” عندَ تباشيرِ هذا السلام لتؤكّد أنّ الحبّ في هذا النصّ ليس تجربةً ذهنيةً، بل انفعالٌ يطالُ الكيانَ كلَّه، حيثُ يُصبحُ الجسدُ مرآةً لما يعتملُ في الروحِ.


ويبلغُ النصُّ ذروتَه الشعوريةَ في نفي الهامشيةِ عن المحبوبةِ، فهي ليستْ ذكرى منسيةً ولا حضورًا عابرًا، وإنّما تُقيمُ “في سفحِ الصدى”، وهذه الصورةُ من أجملِ صورِ النصِّ وأكثرِها انفتاحًا على التأويلِ؛ فالسفحُ مكانُ الانحدارِ والاحتضانِ، والصدى هو الامتدادُ الصوتي للذاتِ، وكأنَّ المحبوبةَ تُقيمُ في ذلك الحيّزِ الذي تتردّدُ فيه أصداءُ الروحِ فلا يبلغُها أحدٌ سواها. لقد اختارَ الشاعرُ مكانًا غيرَ مألوفٍ للإقامةِ العاطفيةِ، فليستْ في القلبِ أو العينِ كما درجتِ القصائدُ الغزليةُ، وإنّما في “سفح الصدى”، حيثُ تتداخلُ الأصواتُ والذكرياتُ والحنينُ.


كما تتبدّى النزعةُ الصوفيةُ في قولِه: “سأجعلكِ طريقًا دون بدايةٍ أو نهاية”، فالطريقُ هنا رمزٌ للسيرِ الأبديّ نحو المطلقِ ، وهو ما يُضفي على الحبِّ بُعدًا وجوديًّا يتجاوزُ حدودَ اللقاءِ والفراقِ. إنّه طريقٌ لا تحدُّه نقطةُ بدءٍ ولا يبلغُ خاتمةً، وكأنَّ المحبوبةَ غدتْ أفقًا دائمًا للمعنى، لا غايةً يمكنُ بلوغُها.


ويتجلّى الاقتصادُ اللغويُّ الجميلُ في قوله: “عندما يكونُ صوتي محفوفًا بصمتِه”، حيثُ تقومُ الصورةُ الشعريةُ على الجمعِ بين ضدّين: الصوتِ والصمتِ. فالصمتُ هنا ليس غيابًا للكلامِ، بل هو الإطارُ الذي يمنحُ الصوتَ قيمتَه وعمقَه، وكأنَّ اسمَ المحبوبةِ سرٌّ لا يكتملُ إلاّ حينَ يُقالُ همسًا بينَ مساحتين من الصمتِ. وهذه الثنائيةُ تمنحُ النصَّ طاقةً إيحائيةً عاليةً تجعلُ القولَ أبلغَ من التصريحِ.


أمّا المقطعُ:


“وقد أجعلكِ تاريخًا لمولد روحي

فإن غبتِ اختنقتُ بموتي

وإن حضرتِ تنفّستُ حياةً جديدة”


فيمثّلُ التحوّلَ الأكبرَ في بنيّةِ النصِّ، إذ تنتقلُ المحبوبةُ من كونِها موضوعًا للحبِّ إلى كونِها سببًا للوجودِ ذاتِه. إنّها لحظةُ تماهٍ كاملٍ بين الأنا والآخر، يصبحُ فيها الغيابُ موتًا رمزيًّا والحضورُ بعثًا جديدًا للروحِ. ولعلَّ أجملَ ما في هذه الصورةِ  أنّ الشاعرَ لم يُقلْ “أموت”، بل “أختنق بموتي”، فالاختناقُ فعلٌ تدريجيٌّ مؤلمٌ ، يوحي بأنَّ الغيابَ لا يُحدِثُ الفناءَ دفعةً واحدةً، بل يُطفئُ الروحَ ببطءٍ.


ويختتمُ   الشاعرُ النصَّّ بقولهِ:


“لديّ من الحبِّ ما يكفي

كي يقطرَ بالندى قلبٌ يسكنهُ.. أنتِ”


ليعودَ إلى معجمِ الطبيعةِ الذي افتتحَ به النصَّ، فالندى رمزُ النّقاءِ والعذوبةِ والبداياتِ المتجددةِ. وليس القلبُ هو الذي يقطرُ بالندى، بل الحبُّ هو الذي يمنحُه هذه القدرةَ على الإزهارِ والامتلاءِ. وهكذا تصبحُ المحبوبةُ ساكنةَ القلبِ وساكنةَ اللغةِ معًا.


فنيًّا، يمتازُ النصُّ بانسيابِه الموسيقي الهادئِ، وباعتمادِه على الجملِ القصيرةِ ذاتِ الإيقاعِ الداخلي الرقيقِ، فضلًا عن توظيفِه للمفارقاتِ الدلاليةِ (الهامش/النبض، الصوت/الصمت، الموت/الحياة)، وهي مفارقاتٌ أسهمتْ في تعميقِ التجربةِ الشعوريةِ ومنحتْها بُعدًا تأمّليًّا جميلًا.


إنّ “هامش النبض” ليستْ قصيدةَ حبٍّ بالمعنى التقليدي، بل هي قصيدةُ احتفاءٍ بالكائنِ الذي يتحوّلُ إلى وطنٍ للروحِ وتاريخٍ لولادتِها الجديدةِ. ففيها لا يُقيمُ الحبُّ على هامشِ الحياةِ، بل يغدو الحياةَ نفسَها، ولا تكونُ المحبوبةُ ظلًّا للنبضِ، بل النبضُ الذي به يكتملُ معنى الوجودِ.


كلُّ الشكرِ للأديبِ المبدعِ قصي الفضلي، على هذا النصِّ الوارفِ بالجمالِ والصدقِ الإنساني. دمتَ للحرفِ ألقًا، وللمحبّةِ لغةً تُزهرُ كلّما نطقتْ بها القصائدُ.


القصيدة:


هامشُِ النبضِ

قصي الفضلي . العراق 


حين يضع الحبُّ أوراقه 

سأكتبك سلاما ً يا أنتِ

ذاك السّلام الجميلُ الذي

إن لاحت تباشيرُه

ارتجفَ الجسدُ كلُّه...

لن تكوني على هامشِ النبضِ

ولا في زاويةٍ منسيّةٍ من الذاكرةِ

بل في سفحِ الصّدى

حيثُ لا يصلُ أحدٌ إلا أنتِ.

سأجعلكِ طريقا ٍ

دون بدايةٍ أو نهايةٍ 

عندما يكون صوتي محفوفا ً بصمتهِ

كلّما نطق سرّا ً باسمك.. 

وقد أجعلكِ تاريخا ً لمولدِ روحي

فإنْ غبتِ اختنقتُ بموتي

وإنْ حضرتِ تنفّستُ حياةً جديدة.

لديّ من الحبِّ ما يكفي 

كي يقطرَ بالندى قلبٌ يسكنهُ.. أنتِ...

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية