من مذكرات غراب
د. أنسام عباس بدران
رأيته واقفا تحت راية المعركة،
صامتا، يجمع النور ويمزجه في الطين،
فتفرح الأرض وتفشي بأسرارها.
قال لي:
في البدء كنتُ الفكرة،
لكن أودين أرادني طيرا،
كي أجوب العالم وأحمل له أسراره،
وأعود إلى الشمال محملا بالصدق واليقين.
صرتُ الذاكرة القابعة بين يدي الحكمة،
مشيتُ إلى الحرب مع الآلهة،
وكنتُ النبوءة.
أنا الشاهد على الظلم،
علّمتُ قابيل سرَّ التراب،
علّمته أن ما يُدفن في الأرض لن يضيع،
سيبقى الجسد وتعود الروح باسمٍ آخر.
لكنه لعنني، وأصبحتُ نذير الشؤم.
جعلوني رمزًا للخراب،
لم يعرفوا أنني لا أجامل الحياة،
وأن كل بداية تحبل في جوفها بنهاية،
وأن شؤمي ليس إلا بصيرة.
كرهوا صوتي، وصفوه بالنعيق،
لم يعرفوا أن نواحي ليس إلا،
صدى أرواحهم النائمة،
وحارسًا على عتبة العبور.
خافوا من ريشي الأسود،
قالوا أنني أسكن المقابر وساحات المعارك،
لكنني لستُ إلا حارس الأسرار والحداد.
يهربون من النور لأنهم لا يعرفونني،
وإن عرفوني،
سيدركون أنني الظلّ المرابط،
أرافقهم عندما يعبرون.
سرقتُ النور لأجعله لسانَ العالم
وبداية الكلام.
أنا الغراب،
أعبر بين الأسطورة والحقيقة،
كما يعبر الظلام إلى النور،
والحروف إلى المعنى.
أنا ذاكرة العالم وبصيرته،
أنا المرآة التي لا يراها،
إلا من وصل إلى اليقين:
الموت ليس قصاصا،
بل أحد أبواب العبور.

