عندما يصبح السؤال وطناً... قصي الفضلي في مرآة الثقافة العربية» حوار خاص مع الكاتب والإعلامي قصي الفضلي
حاورته: عفاف التاورغي
صحافية ليبية
ليست الأسئلة مجرد أدوات للاستقصاء، بل هي مفاتيح لبوابات لم تُفتح بعد. حين يلتقي سؤال شجاع بكاتب مثقف، لا يولد حوار، بل تنفتح رؤية جديدة للعالم. في زمن اختزلت فيه الخوارزميات عمق الأسئلة، وضجت المنصات بالأجوبة الجاهزة، تبقى الحاجة ملحة لصوت يرفض الاستسهال، لعقل لا يكتفي بالسائد، لقلم يكتب الآخر ليكتب ذاته.
من العراق، مهد الحضارات وموئل الدجلة والفرات، حيث ولدت الكتابة الأولى وانبثق النور الأول للمعرفة، إلى طرابلس الغرب، عروس البحر المتوسط، حيث تلتقي أصالة الشرق برقة الغرب، وتحتضن أرض ليبيا تاريخاً يمتد في عمق الإنسانية. هناك، على ضفاف النهرين المتدفقين بالحكمة والجمال، يقف حوارنا اليوم على أعتاب محاوره الليبية، حاملاً معه هموم الثقافة العربية وأسئلتها المصيرية.
هذا ما يجعل لقاءنا اليوم مع الأستاذ قصي الفضلي مختلفاً. إنه ليس مجرد حوار صحفي عابر، بل رحلة فكرية في دهاليز الصحافة والأدب، ومحاولة لفهم تحولات الوعي العربي في زمن يتسارع فيه كل شيء إلا التأمل. معه، نغوص في أسئلة مصيرية: هل الثقافة العربية اليوم تغرد خارج سرب الواقع؟ هل المثقف ما زال مؤثراً أم أصبح مجرد صدى؟ وكيف يمكن للكلمة أن تواجه زحف الآلة؟
هذا الحوار هو دعوة للتوقف، للتساؤل، لإعادة تعريف علاقتنا بالكلمة والثقافة والحياة. إنه جسر يصل بين ضفتين، ونهر يجري في عروق الحضارة العربية، يحمل في طياته أمل النهضة وتحديات الراهن.
الجذور وتشكل الوعي
* : اعتدتم أن تكونوا صانعًا للأسئلة لا متلقيًا لها، وأن تكتبوا الآخر قبل أن تكتبوا أنفسكم. إذا بدأنا من الجذور، كيف تشكل وعي قصي الفضلي؟ وما الفكرة التي قادتكم إلى الإيمان بأن الصحافة الثقافية رسالة معرفية قبل أن تكون مهنة؟
- اعتدت أن أكون "صانع الأسئلة" لا مستهلكاً للإجابات، وهذه وحدها مدرسة، لأن من يكتب الآخر أولاً، إنما يتعلم أن يكتب نفسه لاحقاً بضمير أكثر اتساعاً ومسؤولية. تشكل الوعي من القراءة قبل الكتابة، ومن الاستماع قبل الحكم، ومن الإيمان بأن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة. تشكل في حضرة النص، في زحام المكتبات، وفي صمت الأسئلة التي لا يجرؤ أحد على طرحها. وعيٌ تراكم حجراً فوق حجر. لأن المهنة تطعم الخبز... أما الرسالة فتطعم العقل والروح. الصحافة الثقافية عندنا ليست أخباراً عابرة، هي توثيق لذاكرة أمة، وحفر في الوعي، وبناء جسر بين المبدع والقارئ. هي الإيمان بأن الكلمة إذا لم تغيّر، فهي لم تُكتب.
فلسفة السؤال والإبداع
* : تبدو حواراتكم أقرب إلى نصوص فكرية مفتوحة منها إلى مقابلات صحفية عابرة. متى يتحول السؤال، في تصوركم، إلى عمل إبداعي يوازي النص الأدبي؟ وما فلسفتكم في صناعة السؤال الذي يكشف ولا يكتفي بالاستفهام؟
- : هذا وصف يشرّفنا، ويضعنا أمام مسؤولية الكلمة. نؤمن أن الحوار ليس استجواباً... هو نص موازٍ للنص الأدبي نفسه. متى يتحول السؤال إلى عمل إبداعي؟ حين يتجاوز "ماذا كتبت؟" إلى "لماذا كتبت هكذا؟" حين يصبح السؤال مرآة، لا مكبر صوت. حين يفتح للمبدع باباً لم يفكر في طرقه من قبل، فيكتشف معنا معنى جديداً لما كتب. عندها لا يكون الجواب رداً... يكون نصاً ثانياً يستحق النشر. فلسفتنا في صناعة السؤال؟ أن السؤال يكشف لا يستفهم، لأننا لا نريد إجابات جاهزة، نريد أن ننبش في الطبقة الثانية من النص، حيث يسكن القصد الحقيقي. نوجه سؤالاً يحترم العقل: نعامل الكاتب كشريك في التفكير، لا كمادة خبرية. لذلك أسئلتنا طويلة النَفَس، مفتوحة، بلا فخاخ. سؤال يبني جسراً بين النص والقارئ، بين التجربة والمعنى. الصحافة العابرة تسأل لتنهي، ونحن نسأل لنبدأ.
المبدع بين الهشاشة والصلابة
* : بعد سنوات طويلة من محاورة الأدباء والشعراء والنقاد والمفكرين، ما الحقيقة الأكثر إدهاشًا التي اكتشفتموها عن الإنسان المبدع؟ وهل وجدتم في الحوارات ما لم تمنحكم إياه الكتب والنصوص؟
- : بعد سنوات من محاورة الأدباء والشعراء والنقاد والمفكرين، الحقيقة الأكثر إدهاشاً التي تتكرر هي: المبدع الحقيقي هو الأكثر هشاشة والأكثر صلابة في آن واحد. هشّ أمام سؤال بسيط يلمس جرحه الأول، وصلب أمام عواصف النقد والنسيان والرفض. واكتشفت أن الإبداع لا يولد من الامتلاء، بل من النقص. من فجوة يحاول الإنسان أن يردمها بالكلمة طول عمره. أما عن شطر سؤالك الثاني: نعم، الحوارات منحتنا ما لا تمنحه الكتب. الكتب تعطيك النص المكتمل، المصقول، النهائي. أما الحوار فيمنحك "الورشة" نفسها: التردد قبل اليقين، لحظة الشك التي سبقت النص، الارتجال، فكرة تولد الآن لأن سؤالاً ما فتح باباً مغلقاً. الإنسان خلف الحرف، الخوف، الضحكة، التناقض، الطيبة التي لا تظهر في السطور. الكتاب يقول لك: "هذا ما وصلت إليه"، أما المبدع في الحوار فيقول لك: "هذا كيف وصلت، وهذا ما لم أستطع قوله بعد".
الحوار كاشفاً لما وراء النص
* : كثيرًا ما يقال إن الكاتب يختبئ خلف نصوصه، بينما يفضحه الحوار. إلى أي مدى تؤمنون بأن الحوار الثقافي قادر على كشف ما تعجز الرواية والقصيدة والسيرة الذاتية عن البوح به؟
* : سؤال عميق ويستحق التوقف عنده. النص ممكن نُلمّعه، نُعيد كتابته، نُخفي فيه ما لا نريد. الكاتب في الرواية والقصيدة والسيرة يختار كل فاصلة، يحذف ويضيف، يلبس القناع الذي يليق بالفكرة. أما الحوار الثقافي فهو لحظة مواجهة حيّة... بلا مونتاج. إلى أي مدى يكشف الحوار ما تعجز عنه النصوص؟ يكشف العفوية: في النص نكتب بعد تفكير. في الحوار نجيب فوراً. وهنا تظهر القناعات الحقيقية، التناقضات، والشغف الذي لا يُصنّع. يكشف الإنسان قبل الأديب: أسئلة الحوار تُظهر فكر الكاتب، لكن الحوار ذاته يُظهر طبعه: كيف يغضب؟ كيف يتراجع؟ كيف يحترم رأي الآخر؟ هذه تفاصيل لا تصلنا من السطور. ومن ثمة يكشف العلاقة مع الآخر: الكتابة حوار مع الذات، أما الحوار الثقافي فهو اختبار حقيقي للفكرة: هل تصمد أمام السؤال؟ هل تتسع للاختلاف؟ هنا يسقط التجميل. الحوار يكشف ما وراء النص. مرات كثيرة نسمع من الكاتب في جلسة حوار: "ما كتبته هنا كان هروباً من..." أو "قصدت بذلك..." جمل لا يمكن أن تُكتب في المقدمة، لكنها تُقال في لحظة صدق. النصوص تبني لنا تمثال الكاتب والحوار يُريك النحّات وهو ينحت، بيدين مرتجفتين أحياناً، وبإصرار أحياناً أخرى.
الصحافة العربية في عصر التحول الرقمي
* : تعيش الصحافة العربية اليوم منعطفًا حاسمًا في ظل الثورة الرقمية، وتراجع الصحافة الورقية، وهيمنة المنصات والخوارزميات. كيف تقرأون واقع الصحافة العربية؟ وهل ما زالت قادرة على صناعة الرأي العام والوعي، أم أنها أصبحت تبحث عن وسائل للبقاء؟
- : الصحافة العربية اليوم واقفة في نقطة فاصلة فعلاً. الواقع، الثورة الرقمية كسرت احتكار الورق. القارئ لم يعد ينتظر جريدة الصباح، أصبح الخبر يصله في ثانية على هاتفه. المنصات والخوارزميات صارت هي "رئيس التحرير الجديد" التي تقرر أي خبر يصل وأي خبر يغرق. وتراجع الورق جعل مؤسسات كثيرة تبحث عن تمويل، فدخلت لعبة الإعلان الممول والمحتوى السريع على حساب العمق. صناعة الرأي والوعي... هل ما زالت قادرة؟ نعم، لكن بشروط. الصحافة الجادة التي تحترم عقل القارئ موجودة وتؤثر. لا يزال في تحقيق استقصائي، أو تحليل رصين، أو صوت ثقافي. المشكلة ليست في الأداة، المشكلة في المحتوى. الخوارزمية تعطيك ما "يتفاعل" معه الناس، لكن الصحافة الحقيقية تعطيك ما "يحتاجه" الناس حتى لو ما تفاعلوا معه فوراً. في رحلة البحث عن البقاء، الكثير من المنابر الصحفية الآن أصبحت بين خيارين: إما تتحول لماكينة "ترندات" من أجل البقاء، أو تتمسك بدورها وتدفع ثمن البطء والعمق. لكن البقاء الحقيقي يأتي من الثقة. القارئ العربي عطشان لصوت مهني، غير منحاز، يشرح له لا يضلله. والصوت الذي يستطيع أن يبني هذه الثقة في زمن التيك توك والريلز هو الذي يكمل.
أزمة الصحافة الثقافية العربية
* : في المقابل، كيف تنظرون إلى واقع الصحافة الثقافية العربية؟ هل تعيش أزمة جمهور، أم أزمة مؤسسات، أم أزمة خطاب وأسئلة؟ وما الذي تحتاجه لتستعيد مكانتها وتأثيرها؟
- : الصحافة الثقافية العربية اليوم لا تعاني من أزمة واحدة، بل من تلاقي أزمات مع بعض:
أولاً: أزمة جمهور: الجمهور موجود، لكنه تغيّر. القارئ العربي اليوم يبحث عن "الفائدة السريعة" و"المتعة البصرية". المشكلة ليست في قلة القراء، المشكلة في غياب الجسر بين النص الثقافي العميق وبين لغة العصر. الكثير من الشباب يقرأ، لكن على منصات مختلفة، وبأشكال جديدة: بودكاست، فيديو تحليلي، كاريكاتير فكري.
ثانياً: أزمة مؤسسات: أغلب المجلات الثقافية تعيش على دعم فردي أو تمويل هش. ولا توجد نماذج استثمارية واضحة، ولا توزيع محترف، ولا أرشفة رقمية قوية. المؤسسات الثقافية العربية ما زالت تدار بعقل "المشروع" لا بعقل "الصناعة". وهذا يجعلها أول ما يتأثر بأي أزمة مالية أو سياسية.
ثالثاً: أزمة خطاب: وهنا بيت القصيد. جزء كبير من الخطاب الثقافي ما زال يكرر نفسه. نحتاج أسئلة جديدة تمس هموم الإنسان العربي اليوم: الهوية في زمن الذكاء الاصطناعي، الثقافة والاقتصاد، الفن والشارع، الدين والحياة اليومية.
أما ما الذي تحتاجه لتستعيد مكانتها؟ التحول الرقمي الذكي، ليس مجرد "صفحة فيسبوك". نحتاج منصات تفاعلية، أرشيف مفتوح، محتوى متعدد الوسائط في الكلمة والصوت والصورة. من جانب آخر، علينا إيجاد خطاب جديد جريء، ثقافة بلا أسئلة مزعجة. لازم نطرح الأسئلة الصعبة بلغة بسيطة. ونحتاج استقلالية مادية: شراكات، اشتراكات، رعايات ثقافية محترمة. بدون اقتصاد مستقر لا يوجد صوت حر. وعلينا أيضاً صناعة الكاتب واكتشاف الأقلام الشابة ومنحها مساحة. فالمؤسسات الصحفية التي لا تربي جيلاً جديداً، تموت مع جيلها. ونقول: الأزمة ليست في الصحافة نفسها، العرب ما زالوا يقرأون ويكتبون ويحبون الكلمة. الأزمة في الطريقة التي نُقدم بها الثقافة.
المشهد الأدبي العربي بين الوفرة والعمق
* : إذا انتقلنا إلى المشهد الأدبي العربي، كيف تقيّمون الحركة الأدبية اليوم؟ هل نعيش نهضة إبداعية حقيقية، أم أننا أمام وفرة في النشر والإصدارات يقابلها تراجع في العمق النقدي والجمالي؟
- : الصورة مركبة ولا تنحصر في كفة واحدة. هنالك وفرة في النشر موجودة، والنهضة نسبية. اليوم أي صوت يقدر أن يصل. دور النشر كثرت، المنصات الرقمية فتحت الأبواب، والمهرجانات والجوائز صارت بالعشرات. هذا خلق حراكاً حقيقياً: أسماء جديدة تظهر، أجناس هجينة تنكسر، والقارئ صار عنده خيارات أكثر من أي وقت. لكن الوفرة لحالها لا تعني "نهضة". النهضة تحتاج مشروعاً فكرياً وجمالياً، ليس فقط كتباً تطبع. أين النقص؟ في العمق النقدي والجمالي. المشكلة ليست في الكتّاب، لدينا طاقات قوية جداً. المشكلة في المنظومة التي حولهم. أما بالنسبة للنقد، فقد تراجع النقد الجاد لصالح "التسويق". قليل من يكتب نقداً يبني ويهدم ويصنع أذواقاً. القارئ العربي يقرأ، لكن القراءة العميقة تآكلت أمام سرعة السوشيال ميديا والمحتوى الخفيف.
الجوائز والتكنولوجيا وإعادة تعريف المثقف
* : الجوائز الأدبية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي... إلى أي حد أعادت هذه التحولات تشكيل مفهوم الكاتب، وصورة المثقف، ومعايير النجاح في الثقافة العربية؟
- : الجوائز، السوشيال ميديا، والذكاء الاصطناعي لقد تمكنت من هز "كرسي الكاتب" الذي كان ثابتاً.
الجوائز الأدبية: من الاعتراف بمسيرة المبدع إلى السوق. لأن الجائزة كانت تتويجاً لمسيرة، اليوم أصبحت بداية المسيرة. وربما الفائدة منها أنها فتحت أبواباً لناس ما كان يصلهم الناشر. صنعت نجوماً، وحركت المبيعات. على أننا نؤكد الخطر منها: فقد أصبحت معياراً للنجاح والكاتب أصبح يكتب "للجائزة" وليس "للنص". في ظل ترشيحات، أحياناً أفقدت الجائزة جزءاً من هيبتها بغياب الحكم المحايد في بعض الأحيان.
المثقف العربي بين التأثير والتراجع
* : برأيكم، هل ما زال المثقف العربي يمتلك القدرة على التأثير في تشكيل الوعي الجمعي، أم أن صوته أصبح يتراجع أمام ضجيج المنصات الرقمية وثقافة الاستهلاك السريع؟
- : السؤال هنا صعب قليلاً... لأنه يمس دورنا كلنا. هل ما زال للمثقف تأثير؟ نعم، لكن التأثير تغيّر شكله. في تاريخنا المعاصر، كان المثقف "صوت المنبر" الوحيد في الجريدة، الندوة، التلفزيون. كلمته كانت تصل للجميع لأنه لا يوجد له بديل. اليوم صوته واحد من بين ألف صوت. المنافسة ليست مع مثقف آخر، المنافسة مع "الترند" و"الفيديو 30 ثانية". أما لماذا صوته تراجع؟ بسبب المنصات الرقمية التي تعطي الأعلى ضجيجاً وليس الأعمق فكراً. الخوارزمية تفضل ما يستهلك بسرعة. نعم، إنها ثقافة الاستهلاك وأزمة الخطاب. فبعض المثقفين ما زال يخاطب "النخبة" بلغة معقدة، بينما الجمهور أصبح في مكان ثانٍ تماماً. عموماً، المثقف الحقيقي لم يمت، هو فقط اضطر لتغيير أدواته. والمثقف لم يفقد القدرة... هو فقد الاحتكار.
الحوار الذي غيّر القناعات
* : في مسيرتكم الطويلة، هل كان هناك حوار غيّر قناعاتكم، أو دفعكم إلى إعادة النظر في كاتب أو فكرة أو تجربة؟ وما الذي جعل ذلك الحوار استثنائيًا في ذاكرتكم؟
- : بالنسبة لي، نعم. كان هناك حوار واحد لا يزال حاضراً في الذاكرة. كان مع كاتب كبير تجاوز السبعين، قضى عمره يكتب عن "اليقين" و"الثوابت". سألته سؤالاً مباشراً: "بعد كل هذا، هل ما زلت واثقاً من كل ما كتبت؟" توقعت إجابة دفاعية. لكنّه ابتسم وقال: "يا بني، أنا لم أكتب لأثبت أني على حق، كتبت لأعرف أين أخطأت. والكاتب الحقيقي هو من يجرؤ أن يراجع نفسه على الملأ". هذه الجملة قلبت عندي معادلة كاملة. كنت أظن أن القوة في التمسك بالفكرة. فاكتشفت أن القوة الحقيقية في الشجاعة على مراجعتها. أما الذي جعله استثنائياً؟ ثلاث أشياء: التواضع الفكري: لم يدافع عن ذاته، دافع عن البحث عن الحقيقة. الصدق: اعترف أن التجربة أهم من النتيجة. التوقيت: فقد جاء في مرحلة كنت أبني فيها قناعاتي، فأصبح كأنه "ضوء تحذير" يقول: لا تتجمد. من يومها وأنا أعيد النظر في كل نص أقرأه بسؤال واحد: هل هذا الكاتب يبحث، أم يبرر؟ وأعتقد هذا هو الفرق بين الكتابة التي تستهلك، والكتابة التي تبني.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة الثقافية
* : مع تسارع حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، كيف تتصورون مستقبل الصحافة الثقافية؟ وهل ستظل الكلمة الإنسانية قادرة على الحفاظ على خصوصيتها، أم أننا مقبلون على مرحلة تعيد تعريف الكتابة والإبداع؟
- : مع دخول الذكاء الاصطناعي لقلب صناعة المحتوى... الصحافة الثقافية واقفة على مفترق طرق. الذكاء الاصطناعي أداة، وليس بديلاً للكاتب. الذكاء الاصطناعي اليوم يقدر أن يلخص كتاباً، يصيغ خبراً، يصحح لغة، ويقترح عناوين في ثوانٍ. لكن الذكاء الاصطناعي ما عنده "تجربة"، ما بكى على نص، ولا انبهر بقصيدة، ولا عاش خيبة وطن. هو يركب كلمات، ونحن ننفخ فيها الروح. هل الكلمة الإنسانية ستفقد خصوصيتها؟ لا. بل بالعكس، سوف تصبح "الإنسانية" نفسها هي العملة النادرة. القارئ بعد سنين من المحتوى المصنوع آلياً سوف تجده يفتش عن شيء واحد: الصوت والحرف الحقيقي. صوت كاتب عاش، اختلف، جرح، وآمن.
شهادة للتاريخ عن واقع الثقافة العربية
* : لو طلب منكم أن تكتبوا شهادة للتاريخ عن واقع الثقافة العربية اليوم، فما أول عبارة ستكتبونها؟ وما القضية التي ترون أنها الأكثر إلحاحًا، لكنها ما زالت مؤجلة في النقاش الثقافي العربي؟
- : أول عبارة سأكتبها هي: "نحن جيلٌ يمتلك كل أدوات الوصول، لكنه يفتقد بوصلته". فنحن لدينا منصات، مطابع، جوائز، مهرجانات، وأقلام تكتب. لكننا ما زلنا نكتب وننشر وكأننا نخاطب أنفسنا فقط. الثقافة العربية اليوم صاخبة من الخارج، وصامتة من الداخل. في حين القضية الأكثر إلحاحاً والمؤجلة هي قطيعة النقد وبناء الذائقة. فنحن نُنتج بكثافة، لكننا لا نناقش. نُصفق، ونُبارك، ونُكرم... ثم ننسى. المؤجل عندنا سؤال: لماذا هذا النص مهم؟ ولماذا هذا فاشل؟ وما معيار الجمال اليوم؟ المؤجل لدينا هو النقد الجاد المستقل. نقد لا يخاف من الأسماء الكبيرة، ولا يجامل دور النشر، ولا يتحول إلى دعاية.
دروس الحوارات عن الإنسان والذات
* : بعد هذه الرحلة الطويلة مع الكلمة والإصغاء، ماذا علّمتكم الحوارات عن الإنسان؟ وماذا علّمتكم عن أنفسكم؟ وهل غيّركم الإصغاء للآخرين بقدر ما غيّرتكم الكتابة؟
- : بعد رحلة طويلة مع الكلمة والإصغاء... يبقى السؤال هو الجواب. ماذا علّمتنا الحوارات عن الإنسان؟ علّمتنا أن الإنسان أوسع من عنوانه. الإنسان ليس رأياً نختلف معه، ولا قصة نقرأها. الإنسان هو "لماذا" قال هذا الآن، وفي أي لحظة من عمره. الحوار يكشف لنا هشاشة الكل وصلابة الكل في ذات الوقت. يكشف أننا نتفق على الجوع للاحترام، والخوف من النسيان، والحاجة ليد تفهم قبل أن تحكم. وماذا علّمنا الحوار عن أنفسنا؟ علّمنا أن الكتابة مرآة قاسية. تكتب لتفهم غيرك، فتكتشف أنك كنت تكتب عنك. تكتب لتشرح، فتكتشف أن داخلك فوضى تحتاج إلى ترتيب. وأن "أنا" ليست ثابتة. تتغير مع كل نص، مع كل سؤال، مع كل مرة نعترف فيها "لم أكن أعرف". الحوار نعم، وبطريقة مختلفة، غيّرنا من الداخل: نظّم الفوضى، سمّى الجرح، صنع لنا بيتاً من اللغة. وفي النهاية، لا كاتب عظيم بلا أذن عظيمة. ولا حوار حي بلا قلم صادق.
السؤال الذي يختصر الأزمة
* : لو أتيح لكم أن تطرحوا سؤالًا واحدًا على كل مثقف عربي، دون استثناء، سؤالًا لا يستطيع الهروب منه، فما هو؟ ولماذا تعتقدون أنه السؤال الذي يختصر أزمة الثقافة العربية اليوم؟
- : لو أتيح لي أن أطرح سؤالاً واحداً على كل مثقف عربي، دون استثناء... سؤالي سيكون: "لمن تكتب؟ ولأي مستقبل تريد لثقافتك أن تُقرأ؟" أعتقد هذا السؤال يختصر الأزمة كلها. لأن أزمة الثقافة العربية اليوم ليست أزمة كتابة، لأننا نكتب كثيراً. وليست أزمة نشر، ننشر أكثر من أي وقت. الأزمة الحقيقية في البوصلة. لمن نكتب؟ هل نكتب للقارئ العادي الذي يبحث عن معنى لحياته؟ أم نكتب لبعضنا في النخب المغلقة، كي ندور في حلقة من الإعجاب المتبادل؟ ولأي مستقبل؟ هل نكتب لنبني وعي الأجيال؟ أم نكتب لنوثق لحظة الغضب والانكسار ثم ننساها؟ هل مشروعنا الثقافي هو "ترميم الذاكرة" فقط، أم صناعة المستقبل؟ حين يجيب المثقف على هذا السؤال بصدق، ستنكشف له بقية الأسئلة. عن اللغة، عن النقد، عن علاقة الثقافة بالسلطة، عن الهوية، عن القطيعة مع الجمهور. الثقافة بدون جمهور هي حوار مع المرآة، والمرآة لا تصنع نهضة.
رسالة إلى البدايات
* : أخيرًا... لو عاد بكم الزمن إلى البدايات، بكل ما راكمتموه من خبرة وتجربة، فما الرسالة التي سيبعث بها قصي الفضلي إلى ذلك الشاب الذي اختار أن يجعل من السؤال وطنًا، ومن الثقافة رسالة، ومن الكلمة مسؤولية؟
- : ستكون رسالتي إلى البدايات، إذا ما عاد بي الزمن إلى ذلك الشاب الذي حمل السؤال كوطن... سأقول له:
يا قصي... امضِ ولا تخف. الطريق التي اخترتها شاقة، لأنها طريق الكلمة، والكلمة مسؤولية، ليست منصباً ولا لقباً. اجعل من الثقافة جسراً لا سوراً. لا تكتب لكي "تُصفق لك النخبة" فقط. اكتب ليقرأك العامل والطالب والأم. الثقافة الحقيقية هي التي تنزل إلى الناس وتصل لهم. لا تخلط بين الكم والعمق. سيأتي يوم وتغرق في وفرة النشر والضجيج. تذكّر دائماً: كتاب واحد يترك أثراً خير من عشرة يُنسَون، وكلمة واحدة صادقة أثقل من مجلدات مديح. كن قاسياً على نفسك أولاً. راجع، احذف، أعد الكتابة. ولا تجعل المجاملة تقتل ذائقتك. القارئ يستحق الاحترام. وأخيراً، لأنك اخترت أن تجعل من السؤال وطناً، والأوطان تحتاج من يحرسها بالصبر. ستخسر أحياناً، وستُفهم خطأً أحياناً، لكن الكلمة التي تخرج من وجع حقيقي... ستبقى
.
ختام الحوار
عندما يغادر قصي الفضلي عتبة هذا الحوار، لا يغادر وحيداً؛ يترك خلفه أسئلة تظل معلقة في الهواء، كغبار المكتبات القديمة، وكأنها تهمس في آذاننا: "الثقافة ليست إجابة، بل رحلة سؤال دائمة".
في زمنٍ تتهاوى فيه القيم وتتلاشى الحدود بين الحقيقي والافتراضي، يظل المثقف شاهداً على عصره، حارساً للكلمة، وحفّاراً في جدران النسيان. وما كان لقاءنا مع قصي الفضلي مجرد حوار صحفي، بل كان وقفة تأمل في مرآة الثقافة العربية، لعلنا نرى فيها وجهنا الحقيقي بعيداً عن تشوهات الشاشات وضجيج المنصات.
لقد منحنا الفضلي مفتاحاً لفهم أعمق: أن الكتابة فعل وجود، وأن الحوار ليس استجواباً بل بناءً مشتركاً، وأن الهشاشة التي يخفيها المبدع خلف صلابته هي عين الإبداع ونبضه الخفي. إنه يدعونا، في كل سؤال من أسئلته، إلى أن نكون أكثر جرأة في مواجهة أنفسنا، وأكثر وعياً بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق المثقف في عالم يراهن على السرعة ويتنكر للتأمل.
فإذا كان السؤال قد أصبح وطناً، كما في عنوان هذا اللقاء، فإن قصي الفضلي هو أحد سكان ذلك الوطن، يرسم حدوده بكلماته، ويشيد جسوره بين ضفتين: ضفة النص وضفة الحياة. وها نحن، بعد أن ودعناه، نخرج من هذا الحوار محملين بشيء ثمين: إيمان متجدد بأن الثقافة العربية، رغم كل الجراح، لا تزال تلد أسئلتها الكبرى، وأن المثقف، حيثما كان، يظل النبض الحي الذي يذكرنا بأننا لم نُخلق لنعيش على هامش الأسئلة، بل في قلبها.
ختاماً... شكراً للأستاذ قصي الفضلي على كرم الفكر ورهافة الروح، وشكراً على هذا اللقاء الذي جمع بين نهري دجلة والفرات، ومدينة طرابلس الغرب، في لوحة ثقافية واحدة تروي عطش العقول وتبعث في النفوس أملاً بأن الكلمة، حين تكون صادقة، تظل قادرة على تغيير العالم... أو على الأقل، على تغييرنا نحن.

