-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

حين يزهر اليقين .. فاضل العذاري/ العراق

 قصة قصيرة

حين يزهر اليقين

فاضل العذاري/ العراق



- إنّ مالك العقار طالبنا اليوم بتسديد الإيجار المتأخر، وإخلاء الدار خلال ثلاثة أيام فقط، وإلا فإنّه سيطردنا بلا هوادة أو شفقة، وسيلقي أثاثنا في الشارع بلا أدنى اهتمام. 

بهذه الكلمات المفاجئة التي انهمرت عليّ كشرارات ملتهبة تُنذر بتهديد وشيك لا يحتمل التأجيل، استقبلتني زوجتي بوجه شاحب تغمره المخاوف من المجهول الذي تحمله الأيام القادمة. هوى عليّ الخبر كالصاعقة حين ولجتُ الدارَ عائداً بجسدٍ أنهكه العناء، وروحٍ أثقلها الشّقاء؛ إذ كنتُ قادماً لتوّي من ميدان البناء حيث أقضي نهاري تحت هجير الشمس القاسية. فتارة أحملُ قوالبَ الطوبِ على ظهري المُثقل، وتارة أخرى أمزجُ مسحوق الأسمنت والرمل المغسول بقليل من الماء والحصى داخل وعاء معدني، لأرفعه بيديَّ المرتجفتين إلى أيدي مُعلِّمي، مُتحمِّلاً غبارَ الموقعِ وعرقَ الجبين، الذي بالكادِ يكفي أجرُه الزهيد لسدِّ رمقِ عائلتي. زلزل وقع الصدمة كياني، فضاعف همومي، وأقضّ مضجعي ذلك المجهول الذي يتربص بصبري، محاولاً اقتلاعه من صدري للنيل من قوة إيماني. انسحبتُ إلى زاوية غرفتي أبحث عن واحةٍ من السكينة، فتزاحمت في رأسي هواجس مقلقة، إذ يمنعني إباء نفسي وعزة كرامتي من الشكوى أو السؤال لغير الله، ثم تساءلتُ بذعر: أي مصيرٍ مظلم ينتظر عائلتي إن بقيتُ مكتوف الأيدي؟ أتممتُ فريضتي المغرب والعِشاء، وتسبيحاتي، وتلاوةَ ما تيسر من آيات القرآن، ثم لملمتُ سجادتي ولساني يلهج بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ولعائلتي، ولنفسي. غير أن تراكم الهموم في فضاء روحي كان كعاصفةٍ رعدية تنذر بالهلاك؛ فبرق الألم يخطف البصر، ويغلق نوافذ مخيلتي بالشّمع الأحمر ليصادر أحلامي، ورعد القلق يخترق السمع، ليُخصب في مشاعري مزيجاً من الحزن والخوف من المجهول، وهو ما يرافقني في معظم أوقات فراغي.   

في ذروة هذا التيه، دخلت زوجتي ووجهها يشع بنور الطمأنينة واليقين، لتبدد عتمة يأسي بكلماتٍ دافئة:

 - لا تقلق، فلكل ضيق مخرج، ولكل مشكلة حل.

 رمقتها بنظرة حائرة، ودارت في خلدي هواجس ثقيلة: 

- عن أي فرج تتحدثين و وضعنا المادي ينهار؟

لكنها سرعان ما أشرقت بابتسامة تفيض بالأمل، وراحت تلامس أوتار قلبي قائلة: 

- أنسيتَ عشقك المتأصل لعلوم الكيمياء الصناعية؟ ذلك العشق الذي طالما أضرم نيران الشغف في صدرك؟ انظر إلى شهاداتنا المعلقة على الجدار، كيف تذبل في صمتٍ قاتل، تترقب عبثاً أن تمتد لها أيادي المسؤولين لتنتشلها من غياهب الإهمال المتعمد، بينما قطار العمر يمضي سريعاً، وبياض الشيب ينذر بمشارف التقاعد، وما برحنا نقرع أبواب التعيين منذ تخرجنا دون جدوى تُذكر. أما آن الأوان لتستحدث ابتكارات كيميائية رائدة كما عهدتك سابقاً كي تخطف أبصار أصحاب المصانع والشركات في القطاع الخاص؟

تلاشت ظلمات حيرتي أمام كلماتها، غير أن شرارة سؤالٍ جديد أشعلت في روحي لظىً متجدداً: 

- ولكن، من أين لنا بالبداية ونحن لا نملك رأس المال؟

استجمعت قواها، وأجابتني بنبرة تمتزج فيها الحكمة بالثقة: 

- إنّ رأس مالك الحقيقي مكنون في طيات عقلك. انتفض الآن ودوِّن دراسة جدوى لأفكارك؛ فدنيا الأعمال اليوم ظمآنة لكل فكرة يقظة، فكرة قادرة على اختصار النفقات ومضاعفة الإنتاج.

أينعت براعم الأمل في أعماقي، فقلتُ في لهفة يعتريها بعض التردد: 

 - هل ترين حقاً أن بحوثنا ستبصر النور وتجتاح الأسواق؟

أجابتني وبريق التفاؤل يتلألأ في عينيها: 

- أنا لا أظن فحسب، بل أجزم أن غراسنا هذا سيثمر عما قريب. تصوّر لو أنتجنا تركيبات كيميائية صديقة للبيئة، تدخل في صناعة المنظفات والمطهرات، بحيث تنافس في الجودة وتراعي مقتضيات الاقتصاد. مدّ لي يدك لنخوض غمار هذه الملحمة معاً. 

 كان لنا ما أردنا، فقد عقدتُ العزم على تدوين سيرتنا العلمية، وكتابة دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع الإنتاجية التي كنتُ أعمل عليها مختبرياً ونظرياً على الورق منذ زمن، وأبرمتُ اتفاقاً تمهيدياً هاتفياً مع كبرى الشركات الرائدة لأجل تحويل الخيال إلى حقيقة واقعة. وغداً، مع أول خيوط الفجر، سنخطو بثقة نحو ذلك الصرح الصناعي لنوقع أول عقود الشراكة بإذن الله.

مع بزوغ خيوط ذلك الصباح الذي تنفّس بنسمات الأمل، عبرتُ أنا وزوجتي أعتاب ذلك الصرح الصناعيّ المهيب. بخطىً ثابتة، أردتُ أن أثبت لذاتي أننا أهلٌ لهذا التحدّي. في خضم شرودنا وتأملنا، ونحن نتطلع الأجواء بتركيزٍ عالٍ داخل قاعة الاجتماعات الفخمة، كانت مشاعر الترقب والانتظار تتأجج في صدرينا؛ إلى أن انكسر صمت المكان فجأة مع دوي خطواتٍ قادمة وواثقة. انفتح الباب ليدخل صاحب الصرح بابتسامة وقورة، تخفي خلفها مسيرة حافلة ورصيداً علمياً شامخاً في عالم الكيمياء. بسطنا أوراق دراسة الجدوى على مكتبه الخاص، فبدأ يتفحصها بتمعنٍ شديد، يقلّب صفحاتها حتى استقرت عيناه عليّ بنظرةٍ تفيض بالتقدير، لتنطلق حينها شرارة الحوار في جلسةٍ أشبه بمقابلةٍ مصيرية.

بادرنا بالسؤال عن تحصيلنا العلميّ وتخصّصنا الدقيق، ثم انهمرت أسئلته في علم الكيمياء كالغيث، ليختبر عمق معارفنا. ومع كل سؤالٍ، كنّا ننسج إجاباتنا بخيوطٍ دقيقة من الفطنة والذكاء، ونتوسع في التفاصيل، حتى رأيتُ قسمات وجهه تتبدل تدريجياً من الترقب إلى الإعجاب والدهشة.

تطلّع إليّ حينها بنبرةٍ دافئةٍ تخترق شغاف القلب، قائلاً: 

- لقد قررتُ اليوم تبني مشروعكما الكيميائي، وأيقنتُ أنكما من أصحاب العقول المبتكرة التي تستحقُّ الصدارة. وبما أنكما اجتزتما الاختبارات بامتياز، فيسعدني أن أُوكل إليكما إدارة قسم الأبحاث والتطوير في الشركة.

ثم أردف حديثه الذي وقع على مسامعي كبلسمٍ شافٍ لكل عناء:

 - وكخطوة أولى، يسرّني أن أوفّر سكناً مجّانياً لائقاً بك وبأسرتك داخل هذا الصرح، فأنظمتنا تقتضي بأن نُؤوي خبرائنا ومهندسينا في واحة داخل المجمع.

فور انتهائه من حديثه، أشار لمساعده بإعداد عقد العمل، ثم سلّمنا مغلّفاً يحتوي على دفعة نقدية مقدَّمة، وقال بثقة:

 - لا تستغربا هذه الخطوة، فنحن نهدف إلى ضمان انضمامكما إلينا وقطع الطريق على أي جهة أخرى تحاول استقطابكما.

غمرتنا موجةٌ عارمةٌ من الفرح الممزوج بالذهول، وتسلّلت إلى أعماقنا طمأنينةٌ عميقة، وكأنّ سفينتنا قد ألقت مراسيها أخيراً في المرفأ الذي طالما حلمنا به. 

في تلك الثواني الخالدة، تبادلنا الابتسامات والأنظار المعبرة، وأدركنا أن العواصف التي واجهتنا كانت رحمةً مبطنة نقلتنا إلى تربةٍ أخصب يغمرها اليسر والرخاء، في حين تتجذر فيها بذور اليقين بأصول راسخة في الأعماق.

            

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية