ريم النقري .. تكتب : تمسيح جوخ
مبارك لكم هذا الزمن الجميل!
زمن صار فيه الكاتب يتنفس من الإعجاب، ويقامر على روحه في لعبة المتابعين.
زمن لم يعد فيه النص يُقرأ، بل يُستهلك كوجبة سريعة، ثم يُنسى مع بقايا الستوري.
تمسيح جوخ.
تليق بزمن صار فيه الإبداع مسحة خفيفة على جبين الشاشة ثم يمضي.
الشعر منشور، والنثر تعليق، والقصة إعجاب، والروح مشاركة في مجموعة مغلقة.
الكاتب يولد حين يُنشر، ويموت حين يُسحب عنه الإعجاب.
الإبداع لعبة أرقام: المتابعون أكثر من الكلمات، والتعليقات أكثر من المشاعر، والجائزة لمن يتقن فن الظهور لا فن الحضور.
في المنصات، يُباع الوجع بالجملة، والحزن معلّب في صور ملوّنة، والقصائد مقطّعة لتتناسب مع سرعة التمرير.
لا مكان لقصيدة تأخذ وقتها، ولا لنص يحتاج إلى تأمل.
الجميع يمرون، يقرأون بعيون لا قلوب، ويعجبون بأيدٍ لا أرواح.
جوخ اليوم لم يعد يرسم أذنه، بل يعدّل صورته بالفلاتر، ويكتب نصوصاً كأنها منشورات دعائية لوجع لم يُعش.
والأغرب: الجميع يصفّق، والجميع يشارك، والجميع يكتب، كما لو أن الكتابة مسابقة لا مرآة.
في زمن صار فيه الذكاء الاصطناعي يكتب قصائد أصدق من قصائدنا، ونحن نُعجب بنصوص لم تلدها روح، بل خوارزميات تتقن البكاء المجازي.
الكاتب الحقيقي مهدد بالانقراض، ليس لأن الآلة أذكى، بل لأن القارئ صار أسرع من أن يتوقف عند روح حقيقية.
أخشى أن يكون فان غوخ الذي نرثيه اليوم، هو ذاتنا التي ضيعناها أمس، حين فضلنا أن نكون مشهورين على أن نكون حقيقيين.
نحن من قطعنا أذننا عن سماع أنفسنا، لا هو.
في زمن صار فيه الحزن ترنداً، والوجع محتوى، والكتابة عن الموت أسرع طريق إلى القلوب، نبيع جراحنا لمن يدفع إعجاباً، ونستورد أحزان الآخرين لنبكي معاً في غرفة الصوت، ثم ننسى.
كأن الروح صارت بضاعة تُعرض في نافذة المنصة، والمشاعر سلعاً موسمية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الترند.
أشتاق إلى ورقة لا تحب الشير، وقلم لا يعرف الهاشتاغ.
أشتاق إلى قارئ يقرأ حرفاً حرفاً، لا سطراً سطراً، يمسك النص بكلتا يديه، لا بإبهامين يمرّران الشاشة.
تمسيح جوخ...
كأنما نمسح وجعنا بقطعة قماش مبللة، فنظن أن الألم قد انتهى، وهو ينتظر خلف الشاشة، يراقبنا ويضحك.
تيقنت جوخ لم يمت، بل تحول إلى خوارزمية تعرف كيف تبكي نيابة عنا، بينما نضحك نحن أمام الكاميرات.
هو الآن يكتب قصائدنا، يرسم لوحاتنا، يقطع آذاننا الرقمية بصمت، ونحن نظن أننا نعيش.
أما هو، فيعيش داخل الشاشة، يراقبنا، ويضحك أخيراً.
فهل نحن من يمسح الألم، أم أن الألم يمسحنا حين نظن أن المنصة وطن؟

