-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

هل تغيّر منشورات فيسبوك قناعاتنا... أم تكشفها فقط؟.. بقلم : ماجد القيسي

 هل تغيّر منشورات فيسبوك قناعاتنا... أم تكشفها فقط؟

بقلم : ماجد القيسي 




لا أظن أن أحدًا منا دخل إلى فيسبوك وهو يتوقع أن يخرج منه بشخصية جديدة أو بعقيدة مختلفة. ندخل عادة ونحن نحمل أفكارنا معنا، ثم نبحث ــ بوعي أو من دونه ــ عما يطمئننا إلى أننا ما زلنا على صواب. وربما لهذا السبب تبدو المعارك اليومية على صفحات التواصل صاخبة، لكنها نادرًا ما تنتهي بتغيير حقيقي في المواقف.

أتذكر أنني نشرت قبل مدة مقالًا تناول قضية فكرية أثارت انقسامًا واضحًا بين المتابعين. بعضهم ناقش بهدوء، وبعضهم اكتفى بالرفض منذ السطر الأول، وكأن الفكرة لم تُقرأ أصلًا، بل حُكم عليها من عنوانها فقط. يومها أدركت أن المشكلة ليست دائمًا في قوة الحجة، بل في استعداد القارئ لأن يمنحها فرصة.

الدين والسياسة من أكثر المجالات ارتباطًا بهوية الإنسان. حين يقرأ شخص منشورًا يخالف معتقده الديني أو توجهه السياسي، فهو لا يشعر دائمًا بأنه يناقش فكرة مجردة، بل قد يتعامل معها كما لو أنها تمس جزءًا من ذاته. ولهذا يتحول النقاش أحيانًا إلى دفاع عن الانتماء أكثر من كونه بحثًا عن الحقيقة.

لكن هل يعني ذلك أن الكتابة لا تؤثر؟ لا أعتقد.

التأثير موجود، إلا أنه يعمل بصمت. قليلون يغيّرون قناعاتهم بسبب منشور واحد، أما كثيرون فقد يتوقفون للحظة، يعيدون قراءة جملة، أو يبحثون عن معلومة، أو يؤجلون إصدار حكمهم. أليست هذه بداية تستحق الانتباه؟

الناس لا يعترفون بسهولة بأنهم غيّروا آراءهم، خاصة أمام جمهور يتابعهم. الاعتراف بالتراجع يبدو للبعض هزيمة، مع أنه في الحقيقة قد يكون علامة نضج. كم مرة اكتشفنا بعد سنوات أن فكرة كنا ندافع عنها بحماس لم تعد تقنعنا؟ يحدث هذا أكثر مما نعترف به.

ثم إن طريقة عرض الفكرة تصنع فرقًا كبيرًا. الكاتب الذي يهاجم ويسخر ويصدر الأحكام قد يجذب الإعجابات من أنصاره، لكنه يغلق الباب أمام المختلفين معه. أما من يكتب بهدوء، ويطرح أسئلة قبل أن يقدم الإجابات، ويترك للقارئ مساحة للتفكير، فإنه يمنح النص فرصة أطول للحياة.

وتأتي خوارزميات فيسبوك لتضيف طبقة أخرى من التعقيد. فهي تميل إلى عرض المحتوى الذي ينسجم مع اهتمامات المستخدم، فيجد نفسه محاطًا بآراء تشبه رأيه. وهكذا تتكون ما يسميه الباحثون "غرف الصدى"، حيث يسمع الإنسان صوته يتردد في أصوات الآخرين، فيزداد يقينًا بأن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها. وعندما يظهر رأي مختلف، يبدو كأنه اقتحام لعالم مألوف، لا مجرد وجهة نظر أخرى.

لهذا نرى أحيانًا أثرًا معاكسًا؛ فبدل أن يراجع الإنسان موقفه، يزداد تمسكًا به. علم النفس يفسر ذلك بما يعرف بالانحياز التأكيدي، إذ يميل العقل إلى استقبال ما يؤيد قناعاته، بينما يتعامل مع ما يخالفها بكثير من الحذر أو الرفض.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نستسلم لفكرة أن الحوار بلا جدوى. لو كان الأمر كذلك، لما تغيرت أفكار البشر عبر التاريخ، ولما خرجت مجتمعات كاملة من قناعات كانت تبدو راسخة لا تتزعزع. التغيير لا يحدث بضربة واحدة، بل يتشكل ببطء؛ كتاب يقرأ، ومقال يثير التساؤل، وحوار صادق، وتجربة شخصية تعيد ترتيب الأشياء في الداخل.

أحيانًا أشعر أن مهمة الكاتب ليست أن ينتصر في نقاش إلكتروني، بل أن يترك سؤالًا صغيرًا في ذهن قارئ لا يعرفه. ربما ينسى القارئ اسم الكاتب، لكنه يتذكر السؤال بعد أشهر أو سنوات. عندها فقط يبدأ التغيير الحقيقي.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نبقيه مفتوحًا هو: هل نقرأ لنؤكد ما نؤمن به، أم نقرأ لأننا مستعدون لاحتمال أن نكون مخطئين؟

ربما لا تغيّر منشورات فيسبوك قناعات الناس بسرعة، لكنها تكشف مقدار استعدادهم للمراجعة. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم. فالعقول المنغلقة لا تنقصها المعلومات، بل تنقصها الرغبة في الإصغاء، أما العقول المنفتحة فقد تبدأ رحلتها كلها من جملة عابرة قرأتها في منشور لم تكن تتوقع أن يترك فيها أي أثر  .


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية