ما يعلّمه الزمن حين يهدأ الضجيج
بقلم : أ . ماجد القيسي
لم أعد أعتقد أن العمر يُقاس بعدد السنوات أو بحجم الإنجازات. في بداياتي كنت أرى النجاح معيارًا للقيمة، وأتعامل مع كل خسارة وكأنها نهاية الطريق. تشبثت بأشخاص وأحلام ومشاريع، وظننت أن رحيلها ينتزع جزءًا مني.
لكن الزمن كان أكثر صبرًا من أحكامي المتسرعة.
بعد سنوات اكتشفت أن بعض الأبواب التي أغلقت في وجهي أنقذتني من طرق لم تكن تناسبني، وأن بعض الأشخاص الذين ابتعدوا تركوا في حياتي مساحة اتسعت لنفسي أكثر مما اتسعت لهم. عندها فهمت أن الحياة لا تشرح أسبابها في اللحظة نفسها، بل تكشفها عندما يهدأ ضجيج المشاعر.
ومع مرور الأيام تغيّرت نظرتي إلى أشياء كثيرة. لم أعد أرى الانتصار في كل نقاش مكسبًا، ولا الصمت هزيمة. وتعلمت أن الحكمة لا تولد من الأحداث الكبيرة وحدها، بل من التفاصيل الصغيرة أيضًا؛ من مقعد غاب عنه صاحبه، أو لقاء عابر يذكّرنا بقيمة من نحب، أو مساء هادئ نشعر فيه بأن قلوبنا أخف مما كانت عليه.
ما يتركه الزمن فينا ليس التجاعيد ولا الشيب، بل قدرة أكبر على التسامح، وعلى الاعتراف بالخطأ، وعلى رؤية الحياة كما هي لا كما تمنيناها. وربما لهذا لا يكون النضج وصولًا إلى الكمال، بل مصالحة صادقة مع الذات، وإدراكًا بأن أثقل ما نحمله ليس ما فقدناه، بل ما نرفض أن نتركه خلفنا.
حين يهدأ ضجيج الحياة، نكتشف أن أثمن ما كسبناه لم يكن ما جمعناه، بل ما تحررنا منه. وهناك فقط ندرك أن العمر لا يصبح أجمل بطوله، وإنما بخفة القلب وصفاء الروح .

