فِتْنَةُ الانْتِظَار
للشاعر: أحمد مصطفى إبراهيم الهلالي - مصر
في زِحامِ الموانئِ..
حيثُ تتقاطعُ خطوطُ الانتظارِ
مع خيوطِ الفجرِ الهاربِ،
نكتبُ رسائلَنا..
التي لا تصلُ إلا إلى قلوبٍ تُشبهُنا.
كَمْ بَحَثْنا عنِ المَدَى في عيونِ الغِيابِ؟
وما جَنَينا سِوى.. حكاياتٍ تُردِّدُها المَواجِعْ!
نحملُ الذِّكرياتِ.. كأنَّها قرابينُ حُبٍّ
على مَذبحِ الصَّمتِ.. والوَقتِ الضَّائعْ.
تَستَفِزُّنا اللُّجَّةُ..
وتدعونا للبُعدِ..
لكنَّ قلوبَنا قد أدمنت كِبرياءَ الموانئِ!
تُعاتِبُني الرِّيحُ.. لِمَ لَمْ نُبْحِرْ بَعد؟
والميناءُ يقفُ كشاهدِ قبرٍ
على كُلِّ حُلمٍ.. ضَيَّعناهُ عندَ المَدِّ.
تُفتِّشُ في مِعطفي عن بقايا رسالةٍ،
فأجدُها بين كَفَّيَّ.. رماداً لا يرتَدّ.
نُكابِرُ..
نزعُمُ أنَّ الرَّصيفَ مكانٌ للبقاءِ،
وأنَّ الخُطى -إن تَعِبَت- نامت على حِجرِ الشَّطآن.
لكنَّنا.. في عيونِ المرايا،
نَرى غُرباءَ،
نُعِدُّ الحقائبَ.. لا للسَّفرِ،
بل لكي نُخبِّئَ فيها.. ما تبقى منَ الأوان.
أيُّها الميناءُ..
أما كان حريّاً بكَ أن تكونَ سفينةً؟
لا أن تكونَ مزاراً لِمَن باتَ يهوى الوقوف!
فإذا ما جَنَّ ليلُ الرَّحيلِ،
وأعلنتِ الرِّيحُ عِصيانَها على القُيود،
خَلعتُ عن روحي "رداءَ السُّكون"،
وسَريتُ..
لا أبتغي وِجهةً،
بل أبتغي أن يَذوبَ المدى في دَمي،
فأصيرَ أنا.. كُلَّ ماءِ البحارِ،
وأصيرَ أنا.. حُرّاً،
من الضِّفافِ.. ومن فِتنةِ الانتظار.

