تجار الزيف... حين يصبح الخبر نصف حقيقة
أ : ماجد القيسي
في كل مرة أقرأ خبرًا يثير غضبي بسرعة، أحاول أن أؤجل حكمي قليلًا. تعلمت أن الأخبار التي تركض نحونا وهي تصرخ، كثيرًا ما تخفي شيئًا بين السطور. ليس لأن كل خبر كاذب، بل لأن الحقيقة نفسها قد تُقصّ أطرافها حتى تبدو شيئًا آخر.
أتذكر كيف انتشر قبل مدة مقطع مصور أشعل موجة من التعليقات الغاضبة. ساعات فقط، ثم ظهر التسجيل الكامل. لم يكن الرجل يقول ما نُسب إليه أصلًا، وإنما اقتُطعت جملة من حديث طويل، فبدا المعنى مقلوبًا. عندها أدركت أن الكذب لا يحتاج دائمًا إلى اختراع وقائع جديدة، أحيانًا يكفي أن تُحذف دقيقة واحدة من تسجيل مدته عشر دقائق.
الأمر لا يقف عند هذا الحد. هناك من يأخذ رأيًا متطرفًا لشخص واحد، ثم يقدمه على أنه موقف شعب كامل أو دين بأكمله. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. كم مرة سمعنا عبارة: "هم جميعًا يفكرون بهذه الطريقة"؟ من هم "الجميع"؟ وهل يمكن اختزال ملايين البشر في منشور كتبه شخص غاضب أو في مقابلة أجراها إعلامي يبحث عن الإثارة؟
وربما كان أخطر ما في الأمر أن التضليل لا يعتمد على العقل وحده، بل يخاطب مشاعرنا أولًا. عنوان صادم، صورة مؤلمة، كلمات مشحونة بالغضب... وبعدها يبدأ الناس بالمشاركة قبل القراءة، وبالحكم قبل التحقق. وكأن سرعة الضغط على زر "إعادة النشر" أصبحت أهم من مسؤولية الكلمة.
ومع ذلك، ليس كل من ينقل خبرًا غير دقيق متعمدًا للخداع. أعرف أشخاصًا نشروا معلومات تبين لاحقًا أنها خاطئة، لا لأنهم أرادوا تضليل أحد، بل لأنهم وثقوا بالمصدر أو استعجلوا. الفرق كبير بين الخطأ والإصرار عليه. الأول قد يحدث لأي إنسان، أما الثاني فهو الذي يحول الخطأ إلى تضليل.
لهذا أرى أن المعركة الحقيقية ليست مع الخبر الكاذب وحده، بل مع عادتنا في استقبال الأخبار. أن نتوقف قليلًا، أن نقرأ أكثر من رواية، أن نبحث عن السياق، وأن نسأل السؤال البسيط الذي يغيب في زحمة الانفعال: هل هذه هي الصورة كاملة، أم أن أحدهم يريدني أن أرى جزءًا منها فقط؟
لن تختفي الشائعات، ولن يتوقف من يتاجرون بها. لكن تأثيرهم يضعف كلما أصبح القارئ أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر احترامًا للحقيقة. فالحقيقة قد تتأخر، نعم، لكنها لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت نفسها. أما الزيف، فإنه يعيش على الضجيج، وما إن يسود شيء من التأمل حتى يبدأ بالتراجع.
وربما لهذا السبب أصبحت أؤمن أن أمانة نقل الخبر ليست مسؤولية الصحفي وحده، بل مسؤولية كل واحد منا. فالكلمة التي نرسلها في لحظة انفعال قد تبني ثقة، وقد تهدم سمعة إنسان. وبين الاحتمالين، يستحق الأمر دقيقة إضافية من التحقق.

