المثقف والجذور... هل نحملها أم تحملنا؟
أ : ماجد القيسي
كلما ازداد العالم ضجيجًا، ازداد شعوري بأن الكلمة الهادئة أصبحت تحتاج إلى شجاعة أكبر كي تُقال. لم تعد معركة المثقف مع الرقابة وحدها، ولا مع نقص المنابر كما كان يقال قديمًا، بل مع إيقاع سريع لا يمنح الفكرة وقتًا لتتنفس. أصبح كل شيء يقاس بعدد المشاهدات، وكأن قيمة الرأي تُختزل في سرعة انتشاره، لا في عمقه أو قدرته على البقاء.
أحيانًا أتساءل: هل تغيّر الناس فعلًا، أم أننا أصبحنا نرى العالم من خلال شاشة تمنح الصوت الأعلى مساحة أكبر، بينما تترك الأصوات المتأنية في الظل؟ سؤال لا أملك له جوابًا حاسمًا، لكنه يرافقني كلما قرأت نصًا جيدًا مرّ بصمت، في مقابل محتوى عابر يحصد آلاف المتابعين في ساعات قليلة.
وسط هذا المشهد يبرز سؤال آخر، وربما هو الأهم: هل يحتاج المثقف إلى أن يتخفف من جذوره حتى يكون حرًا؟
يبدو هذا الطرح جذابًا للوهلة الأولى، لكنه في رأيي يقوم على افتراض غير دقيق. فالجذور ليست سجنًا بطبيعتها، كما أنها ليست قداسة لا تُمس. إنها الذاكرة الأولى، واللغة الأولى، والحي الذي تشكلت فيه ملامحنا، والأصوات التي سمعناها ونحن نكتشف العالم. يستطيع الإنسان أن يناقشها، وأن يعيد قراءتها، بل وأن يختلف معها، لكن من الصعب أن يتصرف وكأنها لم تكن جزءًا من تكوينه.
عندما أقرأ أعمال نجيب محفوظ، لا أشعر أنني أمام كاتب انشغل بإثبات عالميته. لقد كتب القاهرة كما عرفها، بأزقتها وناسها ولهجتها وهمومها، فإذا بهذه التفاصيل المحلية تتحول إلى أسئلة إنسانية يفهمها القارئ أينما كان. هنا أدرك أن العالمية لا تبدأ من التخلي عن المكان، بل من القدرة على رؤية الإنسان في تفاصيل ذلك المكان.
وفي المقابل، فإن الانغلاق على الموروث لا يقل خطورة عن الهروب منه. هناك من يتعامل مع التراث وكأنه نص مغلق، لا يقبل المراجعة ولا يحتمل السؤال. لكن التاريخ نفسه يخبرنا أن الحضارات التي بقيت حية هي تلك التي امتلكت شجاعة النقد، لا تلك التي اكتفت بالتكرار. النقد ليس إعلان خصومة مع الماضي، بل محاولة لفهمه بصورة أعمق، واختيار ما يساعدنا على بناء الحاضر.
أما الفضاء الرقمي، فقد أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله. شخصيًا لا أؤمن بأن الحل هو الانسحاب منه بحجة أنه ساحة للسطحية، ولا أرى أن ملاحقة كل موجة رائجة هي الطريق الصحيح. ربما تكون المهمة الأصعب هي أن يحافظ المثقف على صوته وهو داخل هذا الفضاء؛ أن يكتب بلغة يفهمها الناس، دون أن يساوم على الفكرة، وأن يقترب من الجمهور دون أن يفقد استقلاله.
قد يتأخر النص الجيد في الوصول، وقد لا يصبح حديث الساعة، لكن التجربة علمتني أن الكلمة التي تُكتب بصدق تجد طريقها في النهاية، ولو بعد حين. أما الضجيج، فعادة ما يستهلك نفسه بنفسه.
لهذا لا أستطيع أن أقتنع بأن الحرية تعني اقتلاع الجذور، كما لا أقتنع بأن الوفاء لها يعني الوقوف عندها بلا حركة. الطريق بين الأمرين ليس سهلًا، لكنه الطريق الذي يمنح المثقف دوره الحقيقي؛ أن يكون ابنًا لبيئته، وفي الوقت نفسه شاهدًا عليها، ناقدًا لها، وحالمًا بما يمكن أن تصبح عليه.
وربما تبقى المهمة الأصعب هي أن يظل المثقف وفيًا للحقيقة أكثر من وفائه للتصفيق. فالتصفيق يهدأ سريعًا، أما الكلمة التي خرجت من تجربة صادقة فإنها، مهما تأخر صداها، تترك أثرًا لا تقدر عليه أكثر العناوين بريقًا.

