-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

نقد كلاسيكيات القصة القصيرة جدا.. أ . حيدر الأديب - العراق

 نقد كلاسيكيات القصة القصيرة جدا 

نحو إعادة تأسيس الوحدة السردية خارج مركزية الحدث

مفهوم عتبة التحول 

أ . حيدر الأديب ـ العراق 



ظل الحدث زمنًا طويلًا الوحدة التي بُني حولها التفكير في السرد؛ فمن خلاله تتحرك الشخصيات، ويتشكل الزمن، ويتحدد المكان، وتتصل الأفعال بنتائجها. وقد ناسب هذا التصور الرواية والقصة القصيرة التقليدية، لأنهما تتيحان امتدادًا تتراكم خلاله الوقائع، وتنمو الصراعات، وتتبدل أحوال الشخصيات.

أما القصة القصيرة جدًا فتضع هذا المعيار أمام حدوده. فقد تنشأ من حركة واحدة، أو نظرة، أو صمت، أو علامة مكانية صغيرة، وتنتج مع ذلك تجربة سردية كاملة. لذلك لا تقاس قصصيتها بعدد ما يقع فيها، ولا بطول الطريق الذي تقطعه الشخصية؛ فقيمتها تتحدد بقدرة النص على نقل الواقعة من نظام دلالي إلى نظام آخر.

هذا الانتقال هو التحول.

التحول تغير يصيب معنى العلاقات داخل النص، فيغدو ما قرأناه في البداية مفتوحًا على فهم جديد. قد يبقى العالم الخارجي ثابتًا، وقد لا يحدث تبدل واسع في مصير الشخصية، فيما تتغير صلتها بذاتها أو بالمكان أو بالآخر أو بما وقع. الحدث يجيب عن سؤال: ماذا وقع؟ والتحول يجيب عن سؤال: كيف تغير معنى ما وقع؟

وقد يأتي التحول إدراكيًا حين ترى الشخصية ما كان محجوبًا عنها، أو دلاليًا حين تنتقل العلامة من معناها المباشر إلى وظيفة أعمق، أو مكانيًا حين يتحول المكان من إطار إلى قوة منتجة للمعنى، أو زمنيًا حين تعيد لحظة واحدة تفسير ماضٍ كامل، أو لغويًا حين تقلب كلمة واحدة جهة القراءة، أو تلقيًا حين يضطر القارئ إلى مراجعة فهمه الأول للنص. هذه الوجوه تتداخل أحيانًا في لحظة قصيرة حتى يصير الانكشاف أوسع من حجم الواقعة.

أما عتبة التحول فهي الموضع الذي يفقد عنده النظام الدلالي الأول كفايته، وتبدأ القراءة الثانية بالظهور. قد تتجسد في كلمة واحدة، وقد تمتد عبر عبارة قصيرة أو صورتين متعاقبتين. العتبة لحظة العبور، والتحول هو المجال الذي يفتحه هذا العبور في المعنى. ولهذا لا ترث العتبة وظائف الحبكة ولا تقوم مقامها؛ فالحبكة تنظّم تعاقب الوقائع، بينما تكشف العتبة لحظة انتقال في الرؤية.

تظهر هذه الفكرة بوضوح في قصة  حالة

اعتاد التأمل في الصحراء.. تاه..

فضاع صوت الكلاب..

وخرجت الواحة تبحث عن نخلتها

تبدأ القصة بفعل اعتاد ، وهو فعل يضع الشخصية في زمن دائري مستقر. هناك رجل يتأمل، وصحراء تمتد أمامه، ومسافة تفصل الرائي عن موضوع رؤيته. يبدو العالم في بدايته قابلًا للإحاطة، ويبدو التأمل فعلًا يمنح صاحبه موقعًا ثابتًا أمام المكان.

ثم تأتي كلمة (تاه (فتُحدث الشرخ الأول. ومع ذلك لا تكفي وحدها لصناعة التحول، لأنها تظل قابلة للقراءة كخبر عن رجل ضل طريقه. تتحقق عتبة التحول حين ينتقل الضياع من الإنسان إلى العلامة نفسها: فضاع صوت الكلاب. فالضائع هنا لم يعد الرجل وحده؛ والصوت الذي يفترض أن يدل على العمران فقد قدرته على الوصول والدلالة. صار الدليل نفسه محتاجًا إلى جهة تهديه.

وتبلغ الحركة ذروتها في الجملة الأخيرة وخرجت الواحة تبحث عن نخلتها». الواحة حيز يحتوي النخلة، والنخلة علامة تمنح الواحة صورتها وهويتها. حين تخرج الواحة بحثًا عنها، تنقلب العلاقة بين المكان ومركزه، ويتحول الثابت إلى كائن فاقد لعلامته. هنا يتجاوز التيه الشخصية، ويمتد إلى الصوت والمكان والهوية.

لا تقوم وحدة القصة على تعاقب سببي بين (تاه) و(ضاع) و(خرجت ) لا يوجد منطق واقعي يجعل تيه الرجل سببًا في ضياع الصوت، ولا ضياع الصوت سببًا في خروج الواحة. الوحدة تنشأ من انتقال التيه بين مستويات النص: من الإنسان إلى العلامة، ثم من العلامة إلى المكان. بهذا الانتقال يتحول الضياع من حادثة فردية إلى حالة تحكم العالم القصصي كله.

هنا يتداخل التحول الإدراكي مع الدلالي والمكاني واللغوي. إدراكيًا، يفقد المتأمل موقعه الآمن أمام الصحراء. ودلاليًا، يفقد صوت الكلاب وظيفته بوصفه دليلًا. ومكانيًا، تغادر الواحة ثباتها وتبحث عن مركزها. ولغويًا، تمنح الجملة الحركة لما عُرف بالسكون، فيصبح الصوت كائنًا يضيع، وتصبح الواحة ذاتًا تبحث. أما التحول التأويلي فيقع حين يعود القارئ إلى البداية ويفهم أن (الحالة) لا تخص الرجل وحده؛ إنها تصيب العالم كله.

العنوان نفسه يشارك في هذا البناء. كلمة (حالة) تبدو أول الأمر إحالة غامضة إلى وضع الشخصية، ثم تتسع بعد القراءة لتشمل الإنسان والصوت والواحة. العنوان لا يسمّي الواقعة، ويرفعها إلى مستوى أعم، حيث يصبح التيه خللًا في صلة الأشياء بما يمنحها معناها.

وتكشف القصة كذلك وظيفة الزمن والمكان واللغة في القصة القصيرة جدًا. الزمن ينضغط في لحظة انكشاف، والمكان يدخل في أزمة الشخصية، واللغة توزع الضياع على عناصر العالم، والقارئ يعيد تفسير ما وقع أمامه بدل انتظار واقعة لاحقة.

لهذا لا تكمن قيمة (حالة) في قصرها، ولا في غرابة صورتها الأخيرة، ولا في كثرة أفعالها. قوتها تنشأ من قدرتها على إعادة تعريف التيه. يبدأ بوصفه ما أصاب رجلًا في الصحراء، وينتهي بوصفه قانونًا أصاب العلامة والمكان والهوية. وهذا هو التحول الذي يمنح النص وحدته السردية.

القصة القصيرة جدًا، وفق هذا التصور، بنية مكثفة تجعل لحظة محدودة قادرة على تغيير معنى عالم كامل. تدفع القارئ إلى سؤال أشد نفاذًا: ماذا أصبح معنى ما حدث؟ وليس ما الذي حدث



حيدر الأديب

 


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية