إن الشعر ... يولد في العراق
أ . يامنة بن راضي - الجزائر
عندما ترتدي بلاد الرافدين ظلامها كل ليلة ككل بلاد الله فوق هذه البسيطة الرحبة، تستيقظ مدن الشعر معلنة تألق الحرف و القافية والقصيدة، لتعلم المدن و البلاد الأخرى كيف يمكن لأهلها أن يعزفوا أناشيد الشعر كما يعزفه أهل العراق. في تلك القطعة العربية العريقة عراقة بابل و السومريين و مملكة عشتار يولد العراقيون متلبسون بالشعر و يولد معهم الشعر مطمئنا مزهوا، ومن سحر السماء وعظمتها وجمال الأرض وتناقضاتها و أوجاع الوطن وآماله أبدع شعراء العراق أيما إبداع ...
يقول الشاعر الفلسطيني الكبير " محمود درويش" في قصيدته الشهيرة " أتذكر السباب" ان الشعر يولد في العراق فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي ..ولعمري لقد أصاب درويش، فبين أشجار النخيل الباسقات في البصرة وبغداد و المياه الجارية بين دجلة والفرات ومقامات كربلاء وسمراء و آثار الآشوريين و مجد بني العباس نبتت ونمت شمس الشعر، و أصبح الصبح العراقي كل يوم يتنفس شعرا، وجلس على عرشه شعراء يتوقدون شعرا، فمن هناك خرجت الاسطورة المتنبي الذي ترك في الدنيا دويا و أنشد الدهر قصائده، و تألق أبو العتاهية في شعر الزهد والحكمة، وتفرد الحريري بمقاماته الجميلة. واذا عرجنا الى العصر الحديث نجد كوكبة من شعراء العراق أناروا نجوم الشعر نورا يتلالأ الى غاية اليوم، فهذامعروف الرصافي الشاعر الثائر ضد الظلم والاستبداد حمل شعره رهافة حسه إزاء الفقراء والمحرومين والأرامل كقصيدته "الأرملة المرضعة"، ومن بلاد الرافدين أيضا أبدعت قريحة السياب في رائعته " أنشودة المطر" تلك التي تفيض أحاسيس مختلفة بين الحب والحزن و الوطن والغربة القاسية، وهي المدرسة الشعرية المفعمة بالاحساس التي اخرجت رائعة البياتي " القمر الحزين" ..
ينساب الشعر من وجدان شعراء العراق انسيابا مبهرا يجعلك تتذوق جمال لغة الضاد ونغماتها و رونق الإحساس الشعري، فتحفة الجواهري " يا دجلة الخير " والأيقونة الأدبية لنازك الملائكة " أنا " التي استعرضت فيها بوحها العميق، وقصيدة " أطلق لها السيف" التي عبر فيها " عبد الرزاق عبد الواحد" عن حبه وشجونه لبلده العراق ..فكل هذه الروائع الشعرية تدل بحق على ان هؤلاء الأفذاذ ولدوا ليكونوا شعراء ويمنحوا مملكة الشعر الحياة التي تليق بها ..
أخيرا، فإذا كان الشعر ديوان العرب كما يقال، فإن الشعر في العراق صنعة لبوس أتقنها شعراء يركض لهيب الشعر في حواسهم، يؤوون إليه ليحتموا من غدر الزمان وفتنة الأيام و ليصمدوا في المحن التي واجهتها بلادهم بلاد الرافدين .

