محمد خضير : جغرافيا الذاكرة و أسرار الحكاية ..... الدكتور عبدالكريم الحلو

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

محمد خضير : جغرافيا الذاكرة و أسرار الحكاية
الدكتور عبدالكريم الحلو
 

 
مقدمة :
" حين تصبح البساطة الظاهرية عالماً رمزياً"
حين نعود إلى النخلة التي لا تنتهي قامتها
محمد خضير … لأنَّ بعض القامات لا تُقرأ لتُعرَف، بل نعود إليها لنعرف كم تغيّرنا.
ثمة كتّابٌ نعبر نصوصهم مرةً، فنمضي بما منحونا من متعة، وثمة كتّابٌ نعود إليهم كلما أوهمتنا الأيام أننا أحطنا بالعالم، فنكتشف أن العالم ما زال أوسع من قراءتنا، وأن اللغة تخبّئ في تجاويفها أبوابًا لم نجرّب مفاتيحها بعد.
هؤلاء لا يسكنون رفوف المكتبات، بل يسكنون المسافة الغامضة بين ما نعرفه وما لم نتعلّم كيف نراه.
ومحمد خضير واحدٌ من أولئك الذين لا تنتهي القراءة عند آخر صفحاتهم؛ لأنهم لا يكتبون الحكاية فحسب، بل يعيدون ترتيب علاقتنا بالحكاية، ولا يقدّمون لنا العالم في صورته المألوفة، بل يزيحون عنه غبار العادة، ويتركوننا وجهاً لوجه أمام دهشتنا الأولى.
عنده، قد تتحوّل البصرة من مدينةٍ نعرف شوارعها إلى متاهةٍ من الذاكرة والرمز، وقد تنفتح تفصيلةٌ صغيرة على تاريخٍ كامل، وقد تصبح الأمكنة كائناتٍ تتذكّر، والأشياء شواهدَ على حياةٍ لم ننتبه إلى أنها كانت تحدث في أعماقنا.
وليس الرجوع إلى القامات الإبداعية العالية استسلامًا لهيبة الأسماء، ولا دورانًا في فلك المنجز القديم، بل هو امتحانٌ متجدّد لوعينا؛ فالنص العظيم لا يمنحنا المعنى مرةً واحدة، وإنما يترك فيه ما يكفي من الضوء كي تتغيّر رؤيتنا كلما تغيّرنا.
نعود إليه لأن أسئلتنا تتبدّل، ولأن التجربة الإنسانية تضيف إلى أعيننا طبقاتٍ جديدة من البصيرة، ولأن ما بدا لنا في القراءة الأولى عابرًا قد يغدو، بعد سنوات، مفتاحًا لبابٍ لم نكن نعرف بوجوده.
محمد خضير ليس نخلةً باسقةً نرفع أبصارنا إليها لنتأمّل علوّها فحسب؛ إنه نخلةٌ تضرب جذورها في تربة المكان، وتمتدّ سعفاتها نحو أسئلة الإنسان، وتمنح العابرين ثمارًا لا تتشابه مذاقاتها باختلاف أعمارهم.
في أدبه شيءٌ من صبر الأرض، وغموض الذاكرة، ومكر الحكاية حين تتخفّى وراء بساطتها لتقول ما تعجز العبارة المباشرة عن قوله.
إنه من الكتّاب الذين يجعلون المكان أكثر من جغرافيا، والذاكرة أكثر من استعادة، والسرد أكثر من تعاقب أحداث؛ حتى ليبدو النص عنده كائنًا حيًّا، له طبقاته السرية، وظلاله المراوغة، وممرّاته التي لا تنفتح إلا لمن يمنحه وقتًا كافيًا من الإصغاء.
ولهذا، نعود إلى محمد خضير بين الفينة والأخرى، لا لنستعيد ما قرأناه، بل لنكتشف ما لم نكن مؤهّلين لاكتشافه يوم قرأناه أول مرة.
نعود إليه لنقيس المسافة بين أعيننا والنص، بين خبرتنا والحياة، بين قارئٍ كان يبحث عن حكاية، وقارئٍ صار يدرك أن الحكاية قد تكون طريقةً أخرى لفهم الوجود.
فالكبار لا يشيخون في مكتباتنا ، نحن الذين نكبر، ثم نرجع إليهم، فنجد في كتبهم مقاعدَ جديدة لم نكن نراها، ونوافذَ لم تكن مفتوحةً في قراءتنا الأولى.
ومن هنا تبدأ عودتنا إلى محمد خضير؛ لا بوصفها زيارةً لأديبٍ كبير، بل بوصفها عودةً إلى أحد منابع الدهشة في سردنا العراقي، وإلى نخلةٍ كلما ابتعدنا عنها قليلًا، اكتشفنا أن ظلالها كانت أبعد مما ظننا، وأن قامتها لا تُقاس بما ارتفعت إليه، بل بما أيقظته فينا من رغبةٍ في النظر إلى أعلى.
قراءتي النقدية :
من «بصرياثا» إلى «المملكة السوداء»
و«في درجة 45 مئوي» و«كراسة كانون»:
تقدم تجربة القاص والروائي العراقي محمد خضير نموذجاً متفرداً في السرد العربي الحديث؛ لا لأنه يكتب بلغة بسيطة بالمعنى المتداول، بل لأنه يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الجزئي إلى كلي، والمكاني إلى ثقافي، والواقعي إلى متخيل يتجاوز حدود المشاهدة المباشرة.
إننا، حين نقرأ محمد خضير، لا نكون أمام حكاية تسير من بداية إلى نهاية وفق منطق الأحداث وحده، بل أمام كتابة تعيد تشكيل علاقتنا بالمكان والذاكرة والزمن.
فالمدينة عنده ليست شوارع وأبنية وأسواقاً فحسب، وإنما كائن سردي يحمل طبقاته التاريخية والاجتماعية، ويختزن ما عاشه الناس وما عجزوا عن قوله، وما تركته التحولات الكبرى من ندوب في الوعي الجمعي.
وهنا تحديداً تبدأ المسافة بين البساطة اللغوية والسهل الممتنع؛ فليس المطلوب أن تكون العبارة قصيرة كي تكون ممتنعة، بل أن تكون قادرة على استدعاء عالم أوسع من حدودها المباشرة.
وقد تكون جملة موجزة فقيرة الدلالة، بينما تتسع تفصيلة مكانية واحدة في نص خضير لتصبح مدخلاً إلى تاريخ مدينة، أو تحوّل اجتماعي، أو ذاكرة فردية تتقاطع مع ذاكرة الجماعة.
أولاً:
« بصرياثا »…
المدينة التي تجاوزت جغرافيتها
في «بصرياثا»، لا يقدم محمد خضير البصرة بوصفها مكاناً جغرافياً جاهزاً، بل يعيد بناءها داخل الذاكرة والخيال والثقافة.
إنه لا يكتفي باستعادة المدينة كما تراها العين، وإنما يحاول استنطاق ما تراكم فيها من حكايات وعلامات وأزمنة متداخلة.
تغدو البصرة الواقعية نقطة انطلاق نحو بصرياثا المتخيلة؛ مدينة لا تتطابق تماماً مع الخرائط، لأنها تتشكل أيضاً من ذاكرة الكاتب، ومن تاريخ المكان، ومن الصور التي أنتجها أهله، ومن الأساطير الصغيرة التي تنمو في الأزقة والأسواق والبيوت.
وهذا التحول ليس مجرد استعارة جمالية، بل هو إجراء سردي يعيد توزيع العلاقة بين الواقع والمتخيل.
فالمدينة لا تعود موضوعاً يصفه الكاتب من الخارج، بل تصبح مادةً يعيد الكاتب إنتاجها، بحيث تتجاور فيها الأمكنة الملموسة مع دلالاتها الثقافية، ويتداخل التاريخ مع الحكاية، ويصبح استحضار المكان شكلاً من أشكال مقاومة النسيان.
من هنا، فإنَّ قيمة «بصرياثا» لا تتحدد في مقدار ما تقدمه من وصف للبصرة، بل في قدرتها على إنتاج بصرة أخرى داخل اللغة؛ بصرة تحمل ملامح المدينة الحقيقية، لكنها لا تخضع لحدودها المادية وحدها.
وهنا لا يتحقق السهل الممتنع في تبسيط اللغة، بل في تعقيد الرؤية مع إبقاء المكان قابلاً للتعرف والتخيل.
فالقارئ قد يتعرف إلى المدينة من علاماتها المألوفة، لكنه يكتشف أن هذه العلامات لا تعود بريئة أو محايدة؛ إذ تحمل وراءها تاريخاً من التحولات والغياب والتذكر.
ثانياً:
« المملكة السوداء »…
حين لا تكون الحكاية هي كل الحكاية
في «المملكة السوداء»، تتكشف مبكراً ملامح العالم القصصي الذي سيطوره محمد خضير لاحقاً؛
عالم لا يكتفي بتقديم الواقعة، بل يمنحها امتدادات رمزية، ويجعل الأشياء والأمكنة والشخصيات تتجاوز وظائفها الظاهرة.
والعنوان نفسه يفتح أفقاً تأويلياً، لأن «المملكة» تستدعي نظاماً وحدوداً وسلطةً وعالماً قائماً بذاته، بينما تضعنا «السوداء» أمام احتمال العتمة والالتباس والمصائر المهددة.
لكن هذه الإيحاءات لا ينبغي أن تتحول إلى مفاتيح جاهزة نفسر بها كل قصة؛ فالقيمة النقدية الحقيقية تكمن في تتبع الطريقة التي تنتج بها النصوص معانيها من داخل بنيتها.
في هذا النوع من الكتابة، لا يؤدي المكان وظيفة الاحتواء فحسب، ولا تبقى الأشياء عناصر تكميلية للمشهد.
فقد تصبح الأشياء علامات على اختلال العالم، وقد تتحول التفاصيل المألوفة إلى منافذ تكشف ما لا يظهر على السطح.
والقارئ هنا مطالب بأكثر من متابعة الحدث؛ إنه مطالب بمراقبة العلاقات التي تنشأ بين الأشياء والشخصيات، وبين الظاهر وما يظل مؤجلاً أو محجوباً.
وهذه إحدى سمات التجربة الخضيرّية :
أن المعنى لا يُسلَّم للقارئ كاملاً، وإنما يتشكل عبر القراءة والتأويل.
ولذلك فإن وصفها بالسهل الممتنع، إذا استُخدم، ينبغي أن ينصرف إلى فاعلية البناء والدلالة، لا إلى ادعاء أن لغتها بسيطة في كل مواضعها.
ثالثاً:
« في درجة 45 مئوي »…
الحرارة بوصفها فضاءً إنسانياً
في مجموعة «في درجة 45 مئوي»، يكتسب المكان المناخي والاجتماعي حضوراً يتجاوز كونه إطاراً طبيعياً للأحداث.
فالحرارة، في أفق القراءة، يمكن أن تتحول إلى مدخل لفهم علاقة الإنسان ببيئته، وإلى عنصر يضاعف الإحساس بالضغط والعزلة والانتظار.
لكن الأهمية لا تكمن في الرمز المحتمل للحرارة وحده، بل في كيفية اشتغال التفاصيل المكانية والزمنية داخل القصص.
ففي نصوص مثل «منزل النساء» و«إله المستنقعات» و«احتضار الرسام»، يجد القارئ نفسه أمام كتابة لا تكتفي بتتابع الوقائع، بل تهتم بعلاقات الشخصيات بالمكان، وبالصور التي تتكون من هذه العلاقات، وبما تفتحه من إمكانات تأويلية.
إن المنزل، مثلاً، ليس بالضرورة مجرد مبنى تقيم فيه الشخصيات؛ فقد يصبح حاملاً للذاكرة، أو مجالاً لتراكم العلاقات، أو فضاءً يكشف ما تركه الزمن في النفوس.
وكذلك يمكن للمستنقع أن يتجاوز طبيعته المادية، وللرسام أن يتجاوز حدود مهنته، بحسب الوظيفة التي يمنحها النص لكل عنصر.
وهنا ينبغي التمييز بين الرمز الذي ينتجه البناء السردي والرمز الذي يفرضه الناقد من الخارج.
فليس كل تفصيل في قصص خضير استعارةً مقصودة لمعنى واحد، وليس من حق القراءة أن تلغي واقعية الأشياء لصالح تأويلات لا يسندها النص.
إن قوة الكتابة تكمن في إبقاء التفاصيل حيةً في مستواها الحسي، مع السماح لها بأن تكتسب أبعاداً إضافية.
فالمكان يظل مكاناً، لكنه لا ينتهي عند حدوده المادية؛ والشخصية تظل إنساناً له مصيره، لكنها قد تكشف في الوقت نفسه عن بنية اجتماعية أو ذاكرة جمعية.
ومن هنا، يمكن أن نفهم الاقتصاد الفني في بعض قصص المجموعة باعتباره اقتصاداً في تقديم الوقائع، لا اقتصاداً في إنتاج المعنى.
فقد تقل الأحداث، لكن العلاقات بين عناصرها تزداد كثافة، ويصبح القارئ معنياً بما يجمع بين المشهد والشخصية والزمن، لا بما يقع أمامه فقط.
رابعاً:
« رؤيا خريف»…
الصورة التي تتقدم على الحكاية
في «رؤيا خريف»، يتواصل انشغال محمد خضير بالذاكرة والصورة وتحولات الرؤية.
والخريف، بما يحمله من إيحاءات زمنية وطبيعية، يمكن أن يفتح أفقاً لقراءة التحول والذبول والتبدل، غير أن هذه الدلالات لا ينبغي أن تُختزل في معنى جاهز؛
فالنص الأدبي الناجح يتيح للعنوان أن يضيء القراءة من دون أن يحبسها في تأويل واحد.
وتبرز هنا أهمية الصورة السردية؛ إذ لا تعمل الصورة بوصفها زينة لغوية ملحقة بالحكاية، بل قد تصبح وسيلة لتنظيم التجربة نفسها.
فالكاتب لا يكتفي بإخبارنا بما حدث، بل يختار كيف نراه، ومن أي زاوية، وبأي مسافة نفسية وزمنية.
وهذا الاختيار قد يمنح التفصيل الصغير قوةً لا تتناسب ظاهرياً مع حجمه.
فقد يكون مشهد عابر أكثر تأثيراً من واقعة كبيرة، إذا جاء في موضعه المناسب وأضاء ما سبق أو مهّد لما سيأتي.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه الخاصية دليلاً تلقائياً على السهل الممتنع؛ لأن الصورة عند خضير قد تكون كثيفة ومركبة، وقد تستدعي قارئاً يمتلك الصبر على تفكيك العلاقات بين مستويات النص.
وهنا تتجلى مفارقة مهمة: قد يبدو النص مقتصداً في الحكاية، لكنه ليس مقتصداً بالضرورة في الجهد التأويلي الذي يطلبه من القارئ.
خامساً:
« كراسة كانون »…
الرواية حين تصبح الكتابة موضوعاً لها
تتيح رواية «كراسة كانون» مدخلاً آخر إلى مشروع محمد خضير؛ إذ يمكن النظر إليها ضمن امتداد انشغاله بعلاقة الكتابة بالذاكرة، وبالوثيقة والتدوين، وبالحدود المتحركة بين ما نعيشه وما نعيد بناءه حين نكتبه.
فالكراسة، بوصفها وعاءً للتسجيل، تستدعي سؤالاً يتجاوز وظيفتها المادية:
هل الكتابة تحفظ الحياة كما حدثت،
أم تعيد تشكيلها وفق منظور الكاتب؟
وهل تكون الوثيقة مرآةً للواقع، أم تصبح جزءاً من صناعة واقع سردي جديد؟
هذه الأسئلة تنسجم مع الحس التجريبي الذي يميز جانباً من مشروع خضير، حيث لا تكون الكتابة مجرد أداة لنقل الحكاية، بل تصبح مجالاً للتفكير في شروط إنتاجها وفي علاقتها بالذاكرة والواقع.
ومن هذا المنظور، فإنَّ السهولة الظاهرية
لا تكفي للحكم على النص؛ لأن الرواية قد تفتح طبقات من الأسئلة حول طبيعة السرد نفسه.
فالمعنى لا يتولد من الأحداث وحدها،
بل من الطريقة التي تصل بها إلينا، ومن المسافة بين التجربة وتدوينها، وبين ما يثبته النص وما يتركه عرضةً للتأويل.
إنها كتابة تذكّرنا بأن الرواية لا تنقل العالم فحسب؛ إنها تختار ما يبقى منه، وكيف يبقى، وبأي صورة يمكن للذاكرة أن تستعيده ؟
سادساً:
هل محمد خضير كاتب السهل الممتنع؟
أرى أن إطلاق هذا المصطلح على تجربة محمد خضير يحتاج إلى قدر من التحفظ النقدي؛ لأن مشروعه لا يقوم على البساطة اللغوية وحدها، بل على التجريب، وكثافة الصورة، وتداخل الواقعي والمتخيل، وتعدد مستويات الدلالة.
فهو ليس كاتباً يزيل التعقيد عن العالم ليقدمه في صورة سهلة، بل كاتب يعيد تنظيم التعقيد داخل بنية سردية وفنية.
وقد تكون بعض مقاطعه واضحة ومقتصدة، فيما تميل مقاطع أخرى إلى التركيب والتكثيف اللذين يتطلبان قراءة متأنية.
ولذلك فإن وصفه بالسهل الممتنع لا يكون دقيقاً إلا إذا حددنا موضع هذه السهولة ومجال هذا الامتناع:
أهما في العبارة؟
أم في بناء المشهد؟
أم في تحويل المكان إلى ذاكرة؟
أم في إنتاج المعنى من التفاصيل؟
إنَّ الإجابة الأقرب إلى الإنصاف هي أن محمد خضير يقدم نموذجاً للكتابة التي لا تتناسب سهولةُ الدخول إلى عالمها دائماً مع عمق ما ينفتح فيه من دلالات.
وليس هذا تناقضاً، بل أحد أسرار الفن؛
إذ يستطيع النص أن يمنح القارئ صورةً محسوسة، ثم يدفعه إلى اكتشاف أن الصورة أكثر اتساعاً من ظاهرها.
خلاصة القول :
إنَّ تجربة الكبير محمد خضير تضعنا أمام ضرورة إعادة النظر في المعايير التي نقيس بها البساطة والتعقيد.
فليس الاقتصاد الفني مرادفاً لقلة الكلمات، ولا الكثافة مرادفةً للغموض، ولا الرمز دليلاً على العمق ما لم يكن نابعاً من بنية النص.
في «بصرياثا»، تصبح المدينة ذاكرةً ومتخيلاً ثقافياً؛ وفي «المملكة السوداء»، تتجاوز الحكاية حدود الواقعة المباشرة؛ وفي «في درجة 45 مئوي»، تتشابك الشخصيات والأمكنة والصور في علاقات تتسع للتأويل؛ وفي «رؤيا خريف»، تكتسب الصورة قدرةً على تنظيم التجربة؛ أما «كراسة كانون»، فتتيح التفكير في الكتابة بوصفها وساطةً بين الذاكرة والعالم.
وهذه الأعمال، مع اختلاف أجناسها وبنائها وطرائقها، تكشف عن مشروع سردي لا يمكن اختزاله في صفة واحدة.
إنَّ محمد خضير لا يبسّط العالم كي نفهمه سريعاً؛ إنه يعيد بناءه كي نكتشف أن ما حسبناه مألوفاً كان يخفي طبقات لم نتعلم قراءتها بعد.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الأعمق لتجربته: ليس في أن اللغة تقول أقل،
بل في أن النص يجعل ما تقوله اللغة
بدايةً لما يمكن أن نكتشفه.
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: