[تضاريس الخيبة وتقويض الطمأنينة]
قراءة في نص "لو كنتَ..."
للأديبة فادية عريج
الأديب أنس حسين
عندما تستحيل اللغة مبضعاً يغور في مجاهل الوجدان، تخلع المفردات رداء براءتها لتكتسي طاقةً كاويةً ومستنيرة في آنٍ معاً.
ذاك هو النهج الإبداعي الذي سلكته الكاتبة فادية عريج في هذا النص النثري، إذ تمضي بالقارئ في رحلة استغوارٍ سحيقة لأغوار النفس البشرية وهي ترتطم بصخرة الخذلان العاتية، بعد أن شيدت صروحاً من اليقين فوق رمالِ وصالٍ واهية.
1- معمارية التمني وتداعي البنيان (جماليات الشرط المُنكسر):
يستهلّ النصّ فيضه بالاتكاء على حرف "لو"؛ ذاك الحرف الذي يحمل في طياته لوعة الفوات ومرارة الأماني الموؤودة، مجسداً ببراعة ذلك البرزخ الفاصل بين ما نرجو وما يكون.
ومن خلاله، ترسم الكاتبة مفارقة حادة بين رهافة الروح في تشييد عوالم أحلامها، وبين رياح الشك العاتية التي تعصف بتلك الأركان:
"لما جعلتَ قلبي أرضًا تتنازعها الفصول / ولا تركتَ يقيني عصفوراً / كلما حاول الطيران يرتطمُ بزجاج الشكِ."
في هذا السياق، ينسلخ اليقين عن طمأنينته ليتحول إلى كائن مكبل في مضايق الحيرة، يتخبط بين الرغبة في التحليق وقسوة الاصطدام؛ وهو ما يكشف عن حساسية مفرطة في التقاط التموجات الوجدانية الدقيقة وصهرها في قالب جمالي بليغ.
2- الاستعارات البحرية وأنسنة الفجيعة:
تستنطق الكاتبة ميثولوجيا البحر لتعميق دلالات الغرق والضياع؛ فتغدو السفن، والمرافئ، والأمواج، وأشرعة الارتياب، أدواتٍ دراميّةً نُحِتت ببراعة لتجسيد حالة "الاضطراب في لُجج السؤال".
غير أنَّ الذروة الأكثر شجناً تتبدّى في صورة: "الجسد القنطرة"
"بل أن أمدَّ إليك قلبي جسرا / فتعبرَ فوقه إلى ضفّةٍ أخرى، / وضفتي أبهى من قصائد الشّعرِ / وتتركني معلّقةً بين الماء والسماء."
تجسّد هذه المفارقة الدراميّة جوهر التضحية المهدورة؛ إذ يُتخذ الفؤاد جسراً للعبور، ثم يُنبذ صاحبه في برزخٍ من التيه، فلا الأرض تُؤي شتاته، ولا الموج يهديه إلى قرار.
3- ثنائية الحراسة والريح (منتهى الوعي المرير):
يتصاعد التوتّر السرديّ في النصّ حتى يبلغ ذروته الختامية، حيث لا تقف الفجيعة عند حدود الغرق، بل تتجاوزها إلى اكتشافٍ وجودي شديد القسوة:
عبثية النضال في حراسة ما آثر الرحيل.
وحين تدرك الذات أنّها كانت تخوض لُجج العواصف ذوداً عن سفينة تستنكف المرافئ، وتسهر على جذوةٍ أُسلمت نوافذها لمهبّ الغربة، فإنّها تبلغ ذروة الوعي بفجيعة الاستلاب العاطفي.
خاتمة نقدية:
لم يكن نصّ "فادية عريج" مجرّد زفرة وجدانيّة عابرة، بل جاء مرافعةً شعريّة تُدين الوعود المبتورة؛ حيث نجحت الكاتبة في صهر خيبة الأمل في بوتقة الأدب الرفيع، صائغةً منها صوراً بكرًا ولغةً شديدة التكثيف، لتؤكّد مجدداً نفاذ بصيرتها إلى أغوار النفس، وقدرتها على رسم تضاريس الوجع بريشةٍ تزاوج بين سطوة الحقيقة ورهافة البوح.
لو كنتَ
فاديه عريج
على مستوى ظنوني
لما جعلتَ قلبي أرضًا تتنازعها الفصول
ولا تركتَ يقيني عصفوراً
كلما حاول الطيران يرتطمُ بزجاج الشكِ
لو كنتَ بمقدار ما شيّدتُ لك من يقين
في صدري
لما تركتَ مرافئي
مشرّعةً لرياح الارتياب
ولا أطلقتُ عواصف الظن
تعيثُ في أشرعتي
حتى غدتْ سفينتي
تتخبّط في لُجّةٍ من الأسئلةِ
ويأكلُ الموجُ ما تبقّى من شواطئ الطمأنينةِ
لو كنتَ بحجم الضوء الذي أودعتُه عينيك
لما تركتني أستجدي الجهاتِ دليلاً إليك
وأمشي في صحراءٍ من النظرات
أجرُّ ظلالي خلفي كجنازةِ شمسٍ
وأدفنُ في رمال الحيرةِ
ما كنتُ أظنّه عصي على الغياب!
لو تدري:
ما كان يؤلمني أن تتعبَ خطاي إليك
ولا أن تتعثرَ بي الدّروب،
بل أن أمدَّ إليك قلبي جسرا
فتعبرَ فوقه إلى ضفّةٍ أخرى،
وضفتي أبهى من قصائد الشّعرِ
وتتركني معلّقةً بين الماء والسماء،
لا الأرضُ تستردّني،
ولا الموجُ إليك يأخذني
كنتُ أظنّك كلّ الجهات
حين تضيقُ بي المسافات
وقنديلا حين ينطفئُ العالمُ في عينيَّ
وصدى لصوتي حين يضيع في براري الصمتِ
فإذا بكَ تُضيفُ إلى عتمتي ليلًا
وإلى غربتي منفى
وإلى يقيني باباً موارباً تعربدُ
في شقوقه رياحُ الاحتمال والشّك
كنت أريدك سماءً لا تمطر إلا بأرضي
وعاصفةً ألوذُ بها حين تُعربد الريحُ بنوافذي
ما أقسى أن يكونَ المرءُ غريقًا في بحرٍ ظنّه
وأن يمدَّ يديه إلى النجاة
فتأتيه المياهُ محمّلةً بالأسئلة!
وما أمرَّ بعد كلِّ هذا الإبحار،
أكتشف أنني كنتُ أقاتلُ العواصفَ عن سفينةٍ
لم تستعذب الرسوّ في مرافئي،
وأنني كنتُ أحرسُ ناراً
بينما كنتَ تتركُ نوافذَ روحكَ مفتوحةً
لرياحٍ لا تعرفُ اسمي!

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: