اكرام زين الدين ... تكتب : يمشي الخريف

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 اكرام زين الدين ... تكتب : 

يمشي الخريف

 


 

 

يمشي الخريف في الطرقات كعجوزٍ حكيم، بخطى بطيئة متأنية، يعرف أن لا داعي للعجلة حين يكون اليقين وجهته.

تتلوّن الأشجار بألوان الوداع،
ذهبي كذكرى مضت،
وبرتقالي كجمرة تحتضر ببطء،
وبنّي كتراب سيعود إليه كل شيء يوماً.
الحياة ذاتها فصولٌ أربعة تتكرر في عمر الإنسان
ربيع الطفولة حين تتفتّح الروح على الدنيا بلا خوف، وصيف الشباب حين تشتد الحرارة ويعلو الصخب وتمتلئ الأيام بالحركة واللهفة،
ثم يأتي الخريف، ذلك العمر الذي تبدأ فيه الأوراق بالتساقط ،
طموحات الصبا التي خفتت جذوتها،
رفاق الأمس الذين تفرّقت بهم السُبل،
وأمنيات ظلّت معلّقة على غصن الانتظار.،
أوراق تتساقط بهدوء الحكماء،
كأنها تعرف أن العمر الحقيقي
لا يُقاس بطول البقاء، بل بعمق الأثر.
في الخريف، لا تُقاوم الشجرة سقوط أوراقها، لأنها تعلم بحكمة فطرية أن الاحتفاظ بكل شيء يعني الموت، وأن التخلي هو سرّ البقاء. وهذا بالضبط ما تعلّمنا إياه الحياة،
أن ننضج يعني أن نتقن فن الاستغناء
ونُغلق الباب برفق خلف نسخةٍ منّا لم تعد تسكن ملامحنا.
الخريف، رغم مسحته الحزينة، هو أكثر الفصول جمالاً وهدوءاً.
ضوء الشمس فيه أكثر رقة،
والهواء أكثر صفاءً،
يشبه مرحلة النضج في حياة الإنسان،
مرحلة لا تُقاس بما تملك،
بل بما تصالحت معه
وبما تركته يذهب برفق،
تاركاً مكانه فسحة لشتاءٍ يستريح فيه القلب، تمهيداً لربيعٍ آخر لا أحد يعرف متى يأتي،
لكنه، كما تؤمن الأشجار والزهور كل عام ،
لا بد آتٍ.
يمشي الخريف في الطرقات كعجوزٍ حكيم، بخطى بطيئة متأنية، يعرف أن لا داعي للعجلة حين يكون اليقين وجهته.
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: