قصة قصيرة
في صباح هذا اليوم وقبل بدء الدوام الرسمي، دخلتُ مبنى الدائرة متوقعاً أن يستقبلني الموظفون كما هو معتاد. لكن عند وصولي، لاحظت شيئاً غير مألوف؛ فقد بدا موظف الاستعلامات، الذي كان دائماً يستقبلني بحرارة بالغة، يتصرف هذه المرة ببرود شديد، وكأن قدومي لم يكن له أي أهمية أو تأثير. تابعت طريقي نحو غرفتي محاولاً إلقاء التحية على الموظفين، لكن الموقف لم يتغير، فقد قوبلت بصمت مطبق وجفاء مريب دون أي رد أو استجابة.
عندما فتحت باب غرفة الإدارة، شعرت بالدهشة لرؤية الكرسي الذي كنت أجلس عليه خلف المكتب مفقوداً، حيث كنت أستخدمه لأداء مهامي الرسمية، كما أن لوحة التعريف المعدنية التي تحمل اسمي ومنصبي كمدير لهذه الدائرة لم تعد موجودة. بدأ الغضب يتصاعد في داخلي، فعبّرت عن انزعاجي بصوت مرتفع متسائلاً عن مصير الكرسي. لكن العامل الذي بدا وكأنه كان ينتظرني، ابتسم ابتسامة ساخرة وغادر دون أن ينطق بكلمة.
مع مرور الوقت وتصاعد التوتر، واجهت يوماً مليئاً بالغرابة والإهمال الواضح. حين سألت عن السكرتيرة التي أعتمد عليها عادةً في تنظيم الأمور، أُبلغت بأنها تأخرت عن الدوام دون أي تفسير واضح. لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما وصلت لاحقاً بخطوات متثاقلة، ألقت حقيبتها على الطاولة دون أن تعيرني أي اهتمام أو تكلف نفسها عناء التحية أو الاعتذار. في جانب آخر، كان الموظفون يشعرون بفرح وارتياح واضحين، حيث بدا أن حركة العمل الرسمي قد توقفت في أقسام الدائرة. أثناء تجوالي في ممراتها وأروقتها، كنت أستمع إلى الأحاديث الجانبية والضحكات العالية، وأستشعر روائح الطعام التي تنبعث من بعض الغرف. شعرت وكأنني غير مرئي أمام الجميع، وداهمني إحساس قوي بالدهشة والارتباك. كان ذهني مشوشاً، يحاول فهم سبب هذا السلوك الجماعي الغريب الذي لم أشهده طوال سنوات عملي الوظيفي.
وجهت سؤالاً لأحد الموظفين المعروفين بأخلاقهم الرفيعة ونزاهتهم في العمل، مستفسراً عن سبب هذه الأجواء.
فأجابني:
- إنهم يستعدون لإقامة احتفال خاص بمناسبة إحالتك على التقاعد، في هذا اليوم الذي يمثل نهاية مرحلة مهمة في مسيرتك المهنية، بعد بلوغك السن القانونية.
سألته:
- هل هو احتفال خاص لتكريمي وتوديعي؟
أجاب:
- لا، إنهم يحتفلون فيما بينهم بتحررهم من الضغوط التي فرضتها قيود إدارتك الصارمة.
قلت له بفخر:
- منذ أن توليت إدارة الدائرة وحتى الآن، كنت و مازلت أحرص على عدم السماح بوجود أي موظف يتهاون في أداء واجباته أو يثير الشكوك حول نزاهته، أو يتورط في قضايا رشوة، أو يمتلك تاريخاً وظيفياً مليئاً بحالات فساد تثير التساؤلات. لذلك، أواجه مشاعر الكراهية من أولئك الذين يتهربون من الالتزام ويخفون نوايا غير مخلصة.
دعوتُ جميع الموظفين لعقد اجتماع طارئ، لكن ردود أفعالهم تراوحت بين السخرية والرفض والشفقة، وكأنني كنت أقدم عرضاً خاصاً بمناسبة قرب انتهاء فترة خدمتي الفعلية. ومع ذلك، وافقوا في النهاية على حضور آخر جلسة لي، ربما بدافع الفضول لمعرفة ما سيحدث.
اجتمع الجميع في قاعة الاجتماعات، حيث كان التوتر يسيطر على الأجواء وكأنهم ينتظرون لحظة حاسمة في نهاية الدوام. كنت أراهم يراقبون ساعاتهم بين الحين والآخر، يعدون الدقائق والثواني كما لو كانوا في ساحة معركة ينتظرون انتهاء القتال أو لحظة وقف إطلاق النار. كانوا يعتقدون أنه عندما يحين ذلك الوقت، ستُرفع عني حصانتي الرسمية إلى الأبد، وسأصبح شخصاً متقاعداً بلا أي مركز أو منصب أو وظيفة.
ما كدت أشرع في التعبير بنبرة حازمة وواضحة عن رؤيتي المستقبلية للنهوض بالمؤسسة وتطويرها نحو الأفضل، حتى لاحظت اتساع حدقات أعينهم بغضب مفاجئ، وكأنهم يستعدون للانقضاض عليّ بسبب كلماتي التي تشير إلى أنني لا أزال أشكل سلطة عليهم. تجلت علامات الاستغراب بوضوح على ملامح وجوههم، التي عكست مزيجاً من الدهشة والفضول تجاه هذه الرؤية غير المتوقعة. تباينت ردود أفعالهم بشكل ملحوظ؛ فقد رفع بعضهم حاجبيهم في تعجب، بينما بدت علامات الحيرة والارتباك على وجوه آخرين، مما دفعهم لتبادل النظرات والتحدث بهمس في محاولة لفهم هذا الموقف الغامض الذي وجدوا أنفسهم فيه.
لم يستطع أحد الموظفين، المعروف بكونه الأكثر جرأة بين زملائه كبح جماح نفسه و مقاومة الرغبة في طرح السؤال الذي يشغل بال الجميع. فسألني بصوت عالٍ:
- أليس هذا هو اليوم الأخير الذي تنتهي فيه مسيرتك المهنية وتدخل مرحلة التقاعد؟
ابتسمت وأجبته بهدوء:
- لقد تم تمديد خدمتي لخمس سنوات إضافية، وذلك وفقاً للأنظمة المعمول بها في الحالات الاستثنائية.
أحدث الخبر المفاجئ فوضى عارمة في وسط سكون مشاعرهم الهادئة، كحجر ثقيل يُلقى في بركة مياه راكدة. لم تلبث نفوسهم أن وجدت فرصة للهدوء والتركيز لاستيعاب ما كان صعباً عليهم فهمه منذ البداية. لكن سرعان ما عاد بعض المتملقين للظهور مجدداً، ليؤدوا أدوارهم المعتادة بأساليبهم الملتوية حيث بدأوا يتحدثون بألسنتهم العذبة، التي تفيض بالثناء والمديح على صفاتي الخاصة و خبرتي الواسعة وتجربتي الرائدة في مجال الإدارة، وكأنهم يسعون جاهدين لإرضائي بكلماتهم المعسولة، رغم أن نواياهم الحقيقية كانت تهدف إلى تحقيق مصالحهم وطموحاتهم الشخصية فقط.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: