قراءة نقدية في نص (أيُّها المُتخمون بالظّلام) للشاعرة السورية فاديه عريج ... ‏كتب : أ . ماجد القيسي

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

قراءة نقدية في نص 

(أيُّها المُتخمون بالظّلام) للشاعرة السورية فاديه عريج

‏كتب : أ .  ماجد القيسي 



(أيُّها المُتخمون بالظّلام) 

بقلم /فاديه عريج


هذي الأرضُ لي

عبرتُها بقلبي قبل قدميّ

وهذا تاريخي الذي حاولتم دفنه

فخرجَ من تحت الرَّماد

‏ أكثرَ وضوحاً وثبات ‏

من حقّي أن أقَـررَ مصيري

لا كما يُريده القهـر،

ولا كما تكتبهُ خرائطُ الكراهية والعنفِ،

بل كما يليق بإنسان

يرفضُ أن يُمحى صوته

أو يُختصر وجوده في رواية الآخرين‎!‎

الظلمُ  يؤخر الحقيقة

لكنّه لا يملك القدرة

على إلغاء تاريخ وذاكرة الشّعوب‎ ‎

*******


أيُّها المُتخمون بالظّلام:‏

علّقنا الوطنَ على أبوابِ قلوبنا

كي لا تسرقهُ المنافي،

فجئتم إلينا بوجوهٍ من دُخان

تحملونَ جهلاً أعمى

تفتّشون في البيوتِ

عن هُويةٍ لتغتالوها

ظننتم أن الخرابَ أقوى من الذّاكرة،

وأن القتلَ يمحو أسماءنا من فم التُّـراب

ألا تعلمون

‏ أنَّ الأجدادَ زرعوا لنا

كرومَ الشّموخِ والإباء

وناموا تحتَ زيتونِ الحنين ‏

وحلّقوا، مراراً في فضاء العُنفوان

تركوا لنا عناداً جميلاً

‏ وإرثاً أصيلا‎ ‎‏!؟‏

أيُّها العابرون فوق جراحِنا:‏

ماذا فعلتم سوى

أنّكم وسَّعتُم المقابـرَ

وضيّقتم القلـوبَ بالكراهية ‏

نحنُ لا نحملُ إلا أسماءنا،

وبعضَ أغنياتٍ قديمة،

وصورَ أمهاتٍ

ينتظرن أبناءهنّ

على أبواب الغياب

لا نحملُ الضَّغينة ‏

فلِمَ كلّ هذا الموت؟

أيُّها المُتخمون بالظلام:‏

لن تربحوا الوطن،

فالأوطان تكره البنادق ‏

المُلطخة بدماء الأبرياء ‏

لا تهوى الظَّلام

بل تعشقُ من يعمل ‏

من أجلها بصمتِ العارفين

وحكمة العادلين ‏

ويزرعُ في خرابها

شجرةً أخرى للحياة

******


قراءة الأديب لنص (أيها المُتخمون بالظّلام) للشاعرة فاديه عريج. 

يبدأ النص من علاقة شديدة الالتصاق بين الإنسان والأرض، فلا تأتي الأرض هنا بوصفها مساحة جغرافية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من السيرة والذاكرة والوجود. في قول الشاعرة (هذي الأرض لي / عبرتُها بقلبي قبل قدميّ) تتحول الأرض من مكان خارجي إلى تجربة داخلية؛ فعبورها بالقلب قبل القدمين يوحي بأن الانتماء سابق على الحركة، وأن العلاقة بالمكان لا تُقاس بامتلاك الحدود بقدر ما تُقاس بما تراكم فيه من مشاعر وذكريات. ثم يتعزز هذا المعنى في (وهذا تاريخي الذي حاولتم دفنه / فخرج من تحت الرماد)، حيث يستعير التاريخ صورة الجسد المدفون الذي يستطيع النهوض من الرماد. والمفارقة هنا أن محاولة المحو نفسها تصبح سببًا في زيادة وضوح الذاكرة وثباتها.

ومن هذه العلاقة بالأرض والتاريخ ينتقل النص إلى فكرة تقرير المصير ورفض الوصاية. العبارة (من حقي أن أقرر مصيري) تأتي مباشرة، لكنها تكتسب قوتها من السياق الذي يليها، إذ يرفض المتكلم أن يكون مصيره نتيجة (القهر) أو (خرائط الكراهية والعنف)، ويستبدل بذلك صورة الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بصوته وحقه في تعريف ذاته. واللافت أن النص لا يكتفي برفض رواية الآخر، بل يجعل الصوت الشخصي وسيلة لاستعادة الوجود: (يرفض أن يُمحى صوته / أو يُختصر وجوده في رواية الآخرين). وهنا يصبح الصراع على الحكاية جزءًا من الصراع على الهوية؛ فمن يملك القدرة على رواية نفسه لا يسمح بأن يتحول إلى هامش في قصة يكتبها غيره.

ويتسع حضور الذاكرة في القسم الثاني، حيث تتخذ صورة أكثر جماعية. عبارة (علّقنا الوطن على أبواب قلوبنا / كي لا تسرقه المنافي) من أكثر صور النص كثافة، لأنها تجمع بين الوطن والمنفى والقلب في مشهد واحد. الوطن المعلّق على أبواب القلب ليس وطنًا ماديًا يمكن انتزاعه بسهولة، وإنما ذاكرة محمولة في الداخل. في المقابل تظهر صورة الخصم عبر (وجوه من دخان)، وهي صورة توحي بعدم الثبات وبالخراب، قبل أن تتوالى مفردات (الجهل، القتل، المقابر، الكراهية). وبهذا يبني النص مقابلة واضحة بين ذاكرة تحاول الحفاظ على الإنسان وقوة تحاول تفكيكه.

وتؤدي صور الأجداد دورًا مهمًا في ترسيخ معنى التجذر. فـ(كروم الشموخ والإباء) و(زيتون الحنين) ليستا مجرد زينة شعرية، بل علامتان على الاستمرار. الكروم والزيتون ينتميان إلى الأرض، لكنهما في النص يحملان أيضًا صفات معنوية: الشموخ، والإباء، والحنين. لذلك يبدو الإرث الذي يتركه الأجداد أبعد من الممتلكات؛ إنه (عناد جميل) و(إرث أصيل)، أي منظومة من الذاكرة والكرامة والاستمرار.

وفي مواجهة هذا الإرث تأتي ثنائية الموت والحياة. فالنص لا يجعل الضحية رقمًا مجردًا، بل يمنحها تفاصيل صغيرة وحميمية: (أسماءنا)، (أغنيات قديمة)، (صور أمهات)، وأمهات (ينتظرن أبناءهن على أبواب الغياب). هذه التفاصيل تنقل العنف من مستوى العبارة العامة إلى مستوى التجربة الإنسانية. فالمقبرة في النص ليست مكانًا مجردًا؛ خلفها أم تنتظر، وصورة قديمة، واسم، وأغنية. ولذلك تبدو جملة (فلِمَ كل هذا الموت؟) أقرب إلى سؤال إنساني منه إلى مجرد احتجاج.

وتصل حركة النص إلى ذروتها في خاتمته حين ينتقل من مواجهة الموت إلى استعادة معنى الحياة. (لن تربحوا الوطن) لا تأتي هنا بوصفها إعلانًا عن انتصار طرف على طرف، بقدر ما تمهد لتحويل مفهوم الوطن نفسه من ساحة صراع إلى مساحة حياة. فالوطن في الصورة الأخيرة لا يحب (البنادق الملطخة بدماء الأبرياء)، وإنما يميل إلى من يعمل (بصمت العارفين / وحكمة العادلين)، ثم تبلغ الصورة ذروتها في (يزرع في خرابها / شجرة أخرى للحياة). الشجرة هنا تستعيد رمزية الجذر والنمو والاستمرار التي حضرت في الكروم والزيتون، وكأن النص يبدأ بالأرض والتاريخ وينتهي بما ينمو من الأرض.

ويمنح تكرار النداء (أيها المتخمون بالظلام) النص إيقاعًا احتجاجيًا واضحًا، فيما يوسّع ضمير الجمع (نحن) دائرة التجربة من ذات فردية إلى جماعة تحمل ذاكرة مشتركة. وبين النداء والـ(نحن) تتشكل بنية النص كلها: ذات تتشبث بأرضها، وجماعة تحرس ذاكرتها، وموت يحاول اقتلاعها، وحياة تبحث عن شجرة تنبت وسط الخراب.

في النهاية، لا تكمن قوة النص في صخب المواجهة وحده، بل في انتقاله التدريجي من الأرض إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى صورة الحياة. ولهذا تبدو الشجرة الأخيرة امتدادًا طبيعيًا لكل ما سبقها: جذورها في الأرض، وظلها في الذاكرة، وأغصانها مفتوحة على مستقبل لا يكون فيه الوطن مكانًا للموت، بل مكانًا لاستعادة الحياة.


شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: