«الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا: حوار مع الكاتبة التونسية مجيدة محمدي» ... حاورتها /عفاف التاورغي - ليبيا

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 «الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا:

 حوار مع الكاتبة التونسية مجيدة محمدي»

حاورتها /عفاف التاورغي - ليبيا 





لكل إنسان شهادة ميلاد واحدة، أما الكاتب فيولد كلما استعاد صوته. في هذا الحوار، تتحدث الشاعرةو الكاتبة التونسية مجيدة محمدي عن ولادتها الثانية، وعلاقة المرأة بالكتابة، وأزمة الثقافة العربية، وموقع الأدب الليبي، وجسور تونس وليبيا. حوار مع كاتبة تؤمن أن الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا...... 


س/كل إنسان تبدأ حكايته بشهادة ميلاد تحدد لحظة مجيئه إلى العالم، لكن الكاتب يولد أكثر من مرة.. متى كانت ولادتكِ الثانية، تلك التي شعرتِ فيها بأنكِ أصبحتِ كاتبة تحمل صوتًا خاصًا بها؟


مجيدة.... أؤمن أن الشاعر و الكاتب عموما  لا يولد مرة واحدة، بل يولد كلما أعاد اكتشاف نفسه، وكلما أيقظت الحياة فيه صوتًا ظنّ أنه خفت.

ابتعادي عن النشر لم يكن غيابًا عن الكتابة، بل كان انشغالًا بالحياة نفسها ، تفرغت لتربية أبنائي، وركزت في عملي، وعشت تفاصيل يومية ربما بدت بعيدة عن الأدب، لكنها كانت في الحقيقة تخزن في داخلي كثيرًا من الحكايات والمشاعر والأسئلة.

ثم جاءت جائحة كورونا لتضعني أمام هشاشة الوجود، وتقول لي بوضوح إن الموت قد يباغت الإنسان قبل أن يقول ما يريد قوله. عندها شعرت أن عليّ أن أستعيد صوتي، وأن أكتب ما يؤلمني، وما أحبّه، وما أراه من قسوة هذا العالم وجماله، قبل أن يفوت الأوان.

وحين عدت إلى قلمي، اكتشفت بدهشة جميلة أنه لم يخُنّي، وأن السنوات التي ابتعدت فيها عن النشر لم تُطفئ جذوة الكتابة، بل ربما منحتها عمقًا آخر. كانت تلك ولادتي الثانية، ولادة لم تبدأ بشهادة ميلاد، وإنما بدأت بوعيٍ جديد بالحياة، وبحاجة ملحّة إلى أن أترك أثرًا يشبهني.

ومن هناك كانت الانطلاقة الأجمل ،  لأنني لم أعد أكتب لأُثبت أنني كاتبة، بل أكتب لأن الكتابة أصبحت طريقتي في أن أقول للحياة: أنا هنا، وما زال لديّ الكثير لأقوله.


س/لو أعدنا قراءة شهادة ميلادكِ اليوم بعد سنوات من الكتابة، ماذا ستضيفين إليها من محطات وتجارب جعلت من مجيدة الإنسانة مجيدة الكاتبة؟


مجيدة.... ولو أعدتم قراءة شهادة ميلادي اليوم، بعد سنوات من الكتابة، لربما لم تعد تكفيني تلك السطور الأولى التي تؤرّخ لولادتي البيولوجية؛ إذ سأضيف إليها ما راكمته الحياة في داخلي من تجارب، وما علّمتني إياه الأيام من انكسارات وانتصارات، ومن صمتٍ طويل وأسئلة لا تنتهي.

سأضيف إليها أيضًا سنواتٍ من المطالبة بمكاني بين الكلمات، ومن الحرص على أن يكون للنص حضوره، وللكاتب صوته، ولما أكتبه فرصة أن يصل إلى من يشبهه أو يحتاج إليه. فالنشر المتواصل لم يكن بالنسبة إليّ مجرد حضور في المشهد، بل كان نوعًا من الوفاء للقلم، وإصرارًا على ألا أترك المسافة بيني وبين الكتابة تتسع من جديد.

واليوم، لو سُئلت عن تاريخ ميلادي الحقيقي، فلن أكتفي بتاريخٍ في شهادة رسمية؛ فهناك تاريخ آخر كتبته التجربة، وآخر صاغته الخسارات، وآخر أنضجته المعرفة، وتاريخ أجمل بدأ يوم أدركت أن الكتابة ليست ما أفعله فقط، بل ما أصبحت عليه.

كل نص أكتبه اليوم هو سطر جديد في شهادة ميلادي الأدبية، وكل تجربة أعيشها تمنحني حقًّا جديدًا في أن أولد من جديد.


س/الكاتب لا يحمل جواز سفر واحدًا؛ هناك جواز رسمي يحدد جنسيته، وجواز ثقافي تعبر به كلماته الحدود.. كيف تصفين جواز سفركِ الثقافي؟ وما البلدان والكتب والأسماء التي تحمل أختامها في تجربتكِ؟


مجيدة.... طبعا الكاتب لا يحمل جواز سفر واحدًا ، هناك جواز رسمي تحدد به الجغرافيا جنسيته، وجواز ثقافي تعبر به كلماته الحدود من دون تأشيرة، وتصل إلى حيث لا يستطيع الجسد أن يصل.

أما أنا، فقد منحتني الكتابة جواز سفري الثقافي، وجعلت مني، بالمعنى الجميل للكلمة، ابنةً لكل بلد عربي احتضن نصوصي. كانت مشاركاتي في الكتب المجمعة، وحضوري في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية العربية، أشبه بأختام جميلة تتوالى على صفحات هذا الجواز، وتؤرخ لرحلة إبداعية اتسعت بي خارج حدود المكان.

ولعلني قصّرت كثيرًا في تلبية بعض الدعوات الكريمة التي وصلتني من بلدان عربية شقيقة، لا لغياب الرغبة أو فتور المحبة، وإنما لأن أولادي كانوا في مراحل عمرية كان وجودي إلى جانبهم فيها أولوية لا تقبل التأجيل، إلى جانب التزامات العمل ومسؤوليات الحياة التي كانت تفرض إيقاعها الخاص.

كنت أؤمن دائمًا أن الأمومة ليست هامشًا في حياة الكاتبة، وأن العمل والكتابة والأبناء يمكن أن تتجاور، وإن كان الجمع بينها يحتاج إلى كثير من الصبر والتوفيق. لذلك كنت أتنقل بين مسؤولياتي كما أتنقل بين صفحات كتاب، وأؤجل بعض السفرات، لكنني لم أؤجل حلمي.

وربما لم أسافر كثيرًا بجسدي، لكن نصوصي كانت تسافر عني ، تحمل اسمي، ولهجتي، وذاكرتي التونسية، وما أؤمن به من قضايا الإنسان، وتطرق أبوابًا عربية لم أطرقها بنفسي.

وهكذا ظل جوازي الثقافي مفتوحًا على كل الجهات، وكل ختم عليه لم يكن مجرد إثبات حضور، بل شهادة محبة من مكان عربي الى  آخر، تقول لي إن الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا، وإن الكاتب حين يكتب من قلبه، يصبح وطنه أوسع من جغرافيته.


س/هل استطاعت الكتابة أن تمنحكِ هوية تتجاوز حدود المكان والجغرافيا؟ ومتى شعرتِ بأن نصكِ أصبح قادرًا على السفر وحده والوصول إلى قارئ لا يعرفكِ ولا يعرف تفاصيل تجربتكِ؟


مجيدة.... الحمد لله، أشعر أن الكتابة منحتني هوية تتجاوز حدود المكان والجغرافيا، وأنني لم أعد أُعرَّف فقط بجنسيتي أو مدينتي أو بالمسافة التي تفصلني عن الآخرين، بل بما أتركه من أثر في النص.

أجمل ما يمكن أن يبلغه الكاتب، في رأيي، أن يصبح نصه قادرًا على السفر وحده؛ أن يغادر يده، ويعبر الحدود، ويصل إلى قارئ لا يعرفه، ولا يعرف تفاصيل تجربته، وربما لا يعرف شيئًا عن المكان الذي جاء منه، ثم يجد في الكلمات شيئًا يمسّه ويشبهه.

ولعل هذا ما كنت أبحث عنه دائمًا ، أن أكتب من زاويتي الخاصة، لا من المنطقة الآمنة التي اعتادها السائد. أن أتناول القضايا من منظور مختلف، وأن أبحث عن المعنى خلف المعنى، وأن أترك للغة بصمتي الخاصة، حتى يصبح للنص صوت يمكن تمييزه دون أن يحمل اسمي في بدايته.

أنا لا أريد أن أكتب كما يُنتظر مني أن أكتب، بل كما أشعر وأرى وأفكر. فالاختلاف بالنسبة إليّ ليس رغبة في مخالفة السائد لمجرد المخالفة، وإنما هو بحث صادق عن صوتي، وعن المساحة التي يمكن أن أقول فيها ما لم يُقل بالطريقة نفسها.

وحين يصل نصي إلى قارئ بعيد، في بلد لم أزره، أو إلى إنسان لا يعرفني ولا يعرف حكايتي، ثم يجد فيه شيئًا من ذاته، أشعر أن الكتابة أدّت أجمل أدوارها ، فقد تحولت من تجربة شخصية إلى مساحة إنسانية مشتركة، ومن كلمات كتبتها أنا إلى معنى يستطيع أن يسكن في قلب شخص آخر.

وهنا تحديدًا أشعر أنني ربحت هويتي الأدبية،  لأنها تحمل شيئًا مني، وتستطيع في الوقت نفسه أن تجد لها مكانًا في وجدانهم.


س/تكتبين في أكثر من جنس أدبي.. فهل أنتِ التي تختارين شكل النص، أم أن الفكرة والمشاعر هما اللتان تفرضان عليكِ إن كان النص شعرًا أو قصة أو مقالة؟


مجيدة.... أكتب في أكثر من جنس أدبي، لكنني لا أجلس أمام الفكرة لأقرر مسبقًا في أي قالب ستولد. بالنسبة إليّ، الفكرة هي التي تعرف طريقها، والمشاعر هي التي تختار لها الشكل الذي يليق بها. لذلك لا أفرض على النص قصيدة أو قصة أو مقالة، بل أتركه يتشكل من داخله، وفق ما يقتضيه المعنى وما تريده التجربة.

قد تبدأ الفكرة همسة شعرية، ثم تكتشف أن مساحتها أوسع من القصيدة، فتتحول إلى قصة، وقد تولد في داخلي كسؤال أو موقف، فلا تجد خلاصها إلا في مقالة تحمل المعرفة والحجة والتأمل. وأحيانًا تكون الصورة الشعرية هي اللغة الوحيدة القادرة على احتواء ما أشعر به، فأتركها تأخذ مكانها كما جاءت، دون أن أثقلها بقالب لم تختره.

لذلك أتعامل مع الكتابة بوصفها مساحة مفتوحة، لا حدودًا صارمة بين الأجناس. ما يعنيني أولًا هو أن تصل الفكرة إلى صورتها الأكثر صدقًا وجمالًا، وأن يجد الشعور لغته المناسبة، لا أن أثبت أنني أكتب هذا الجنس أو ذاك.

وربما لهذا السبب أجد نفسي أتنقل بين الشعر والقصة والمقالة وغيرها من الأشكال دون شعور بأنني أغادر منطقة إلى أخرى ، فأنا في النهاية أكتب الإنسان، وأسئلته، وأحلامه، وانكساراته، وما يضيء في داخله من جمال.

أؤمن أن النص الجيد هو الذي يختار شكله بنفسه، وأن الكاتب الحقيقي لا يضع الفكرة في القالب، بل يترك القالب يولد من رحم الفكرة.


س/في تجربتكِ، أين تقف المرأة من الكتابة؟ وهل ما زالت الكاتبة العربية مطالبة بأن تخوض معركة إضافية لإثبات أن نصها يُقرأ بوصفه أدبًا أولًا، لا بوصفه «كتابة امرأة»؟


مجيدة..... في تجربتي، تقف المرأة الكاتبة في قلب الفعل الثقافي العربي، لا على هامشه، ولنا أقلام عربية جيدة، وجريئة، وناضجة، ومحترمة، استطاعت أن تقول الكثير، وأن تضيف إلى المشهد الأدبي أسئلة جديدة وحساسيات مختلفة وتجارب إنسانية عميقة.

لكن، مع الأسف، ما زالت الكاتبة العربية مطالبة أحيانًا بخوض معركة إضافية لإثبات أن نصها يُقرأ بوصفه أدبًا أولًا، قبل أن يُقرأ بوصفه كتابةً نسوية. وكأن كونها امرأة يسبق موهبتها، وكأن جنس الكاتب يمكن أن يكون معيارًا للحكم على قيمة النص.


س /كيف تنظرين إلى المشهد الثقافي العربي اليوم وسط اتساع النشر الإلكتروني والمنصات الرقمية؟ هل منحت هذه المساحات الكاتب حرية أكبر، أم جعلت المشهد أكثر ازدحامًا وصعوبة في التمييز بين النص الجيد والضجيج؟


 مجيدة.. أنا لا أنكر خصوصية التجربة النسائية، ولا أرى حرجًا في أن تحمل المرأة في كتابتها أسئلتها وذاكرتها وموقعها في المجتمع ،  لكنني أرفض أن تُختزل تجربتها كلها في كونها امرأة. فالمرأة الكاتبة تكتب عن الحب والموت والوطن والحرية والإنسان والوجود والعدالة والخيبة والحلم، وهي قادرة على أن تذهب بالنص إلى مناطق لا علاقة لها بالتقسيمات الجندرية.

 فالنص هو الذي يجب أن يتقدم إلى القارئ، لا هوية صاحبه. والقيمة الأدبية لا تُمنح للكاتب لأنه رجل أو امرأة، وإنما لما يمتلكه من قدرة على بناء عالمه، وصناعة لغته، وطرح أسئلته، وترك أثره في القارئ.

وأعتقد أن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تخوضها الكاتبة اليوم ليست لإثبات أنها تكتب «مثل الرجل»، ولا لإثبات أنها تكتب «بصوت امرأة»، وإنما لإثبات أن لها صوتها الخاص، وأن هذا الصوت يستحق أن يُسمع ويُقرأ ويُناقش بوصفه إضافة حقيقية إلى الأدب.

فالكتابة في جوهرها لا جنس لها ، هي فقط موهبة، وصدق، ولغة، وأثر.


س/كيف تنظرين إلى المشهد الثقافي العربي اليوم وسط اتساع النشر الإلكتروني والمنصات الرقمية؟ هل منحت هذه المساحات الكاتب حرية أكبر، أم جعلت المشهد أكثر ازدحامًا وصعوبة في التمييز بين النص الجيد والضجيج؟


مجيدة... أرى أن المشهد الثقافي العربي اليوم يعيش نوعًا من التخمة الكمية، في ظل الاتساع الكبير الذي عرفه النشر الإلكتروني، وتعدد المنصات الرقمية، وسهولة الوصول إلى القارئ. لكنني، رغم ما قد يبدو في هذه الظاهرة من ازدحام، أراها في جوهرها ظاهرة صحية ، لأنها جاءت في وقت ضاقت فيه مساحات النشر التقليدي، وتراجعت مساحة المجلات والصحف الورقية، وأصبح النشر الورقي مكلفًا، وأحيانًا شديد الصعوبة أمام كثير من الكتّاب.

فقد منحت المنصات الرقمية الكاتب مساحة أوسع ليقول ما يريد، وأن ينشر دون انتظار طويل أو المرور بالعديد من الأبواب المغلقة. كما أتاحت للنص أن يسافر بسرعة، وأن يصل إلى قارئ لم يكن من السهل الوصول إليه في زمن كانت فيه الجغرافيا تحدد كثيرًا من فرص الحضور الثقافي.

لكن هذا الاتساع نفسه أفرز بعض الإشكالات ،  فحين يصبح النشر متاحًا للجميع، يصبح المشهد أكثر ازدحامًا، وتتجاور النصوص الجيدة مع نصوص غير ناضجة ، ويصبح على القارئ أن يبذل جهدًا أكبر للتمييز بين الأدب الحقيقي وبين الضجيج الذي يصنعه كثرة الحضور.

ومع ذلك، لا أرى أن الحل يكمن في العودة إلى الأبواب المغلقة أو في الحنين إلى زمن كانت فيه فرص النشر محدودة. فالفضاء الرقمي، بكل ما يحمله من فوضى، منح أصواتًا كثيرة فرصة الظهور، وفتح الطريق أمام تجارب ربما كانت ستظل حبيسة الأدراج لولا هذه الوسائط.

وفي تقديري، ستظل جودة النص هي الرهان الحقيقي ، فالضجيج قد يجذب الانتباه لحظة، لكنه لا يستطيع أن يصنع بالضرورة أدبًا يبقى. وما يثبت في النهاية هو ما يمتلك لغةً حقيقية، ورؤيةً، ووعيًا فنيًا، وقدرةً على أن يعيش خارج لحظة النشر.

لذلك، ورغم تحفظاتي على بعض مظاهر المشهد الرقمي، أرى أن إيجابياته أكثر من سلبياته ،  لأنه وسّع دائرة المشاركة، وحرّر جزءًا كبيرًا من الكتابة من أسر المكان، ومنح الكاتب والقارئ معًا فضاءً أرحب. ويبقى دورنا أن نتعلم كيف نستخدم هذا الفضاء بوعي، وأن نترك للزمن وللقارئ مهمة فرز الغث من السمين.


س/هل تعتقدين أن الأدب العربي المعاصر يلامس التحولات العميقة التي يعيشها الإنسان العربي، أم أن الواقع أصبح أسرع من قدرة الأدب على التقاطه وتفسيره؟


مجيدة....الحقيقة أن الأدب العربي المعاصر لم يتراجع عن مجاراة التحولات العميقة التي يعيشها الإنسان العربي، بل ظل في كثير من تجاربه مرآةً حساسة لما يحدث حوله، يلتقط التحولات قبل أن تتحول أحيانًا إلى عناوين واضحة، ويطرح الأسئلة قبل أن تفرضها الأحداث على الجميع.

لكن المشكلة، في رأيي، ليست دائمًا في قدرة المبدع على التقاط الإشارة، وإنما في قدرتنا نحن على الانتباه إليها. فالمبدع يكتب، ويحذر، ويسأل، ويشير إلى ما يتشكل في عمق المجتمع، بينما قد يتأخر المجتمع في قراءة هذه الإشارات، أو لا يلتفت إليها إلا بعد أن تتحول إلى واقع صادم.

وهنا تكمن الخطورة ، لأن الأدب والثقافة لا ينبغي أن يكونا ترفًا نعود إليه بعد وقوع الأزمات، بل مساحةً تساعدنا على فهم ما يجري قبل أن يصل إلى لحظة الانفجار. فالنص الأدبي، والمقال الفكري، والدراسة الثقافية، ليست مجرد منتجات للقراءة، وإنما يمكن أن تكون أدوات لفهم الإنسان والمجتمع واستشراف ما يتشكل في داخلهما.

وأعتقد أن إحدى مشكلاتنا الكبرى تكمن في علاقتنا بالقراءة. فنحن نحتاج إلى أن نقرأ أكثر، لا من أجل جمع الكتب، وإنما من أجل فهم أنفسنا والعالم من حولنا. حين نقرأ لمثقفينا ومفكرينا وكتّابنا بجدية، فإننا لا نستهلك وقتًا في متابعة الأفكار، بل نمنح أنفسنا فرصة لفهم الواقع قبل أن يفاجئنا.

كثير من الصدمات التي نعيشها لا تأتي دائمًا من فراغ ، قد تكون هناك إشارات سبقتها، وأصوات التقطتها، ونصوص كتبتها، وأقلام حاولت أن تلفت الانتباه إليها، لكننا لم نمنحها ما يكفي من الإصغاء.

ولهذا أرى أن أزمة القراءة ليست أزمة قارئ فقط، بل أزمة علاقة كاملة بين المجتمع ومثقفيه. فالكاتب يستطيع أن يضيء الطريق، لكنه لا يستطيع أن يجبر أحدًا على النظر إلى الضوء.

ومن هنا، أؤمن أن إنقاذ علاقتنا بالثقافة يبدأ من استعادة قيمة القراءة، ومن التعامل مع الكتاب والمبدع والمفكر باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي، لا مجرد أسماء نحتفي بها في المناسبات. فربما كان بين صفحات كتابٍ قرأناه اليوم ما يجنبنا غدًا صدمةً كنا نظن أنها جاءت من حيث لا ندري.


س/ في رأيكِ، أين تكمن أزمة الثقافة العربية اليوم: في ضعف القراءة، أم في مؤسسات الثقافة، أم في حركة النقد، أم في غياب مشروع عربي قادر على جمع هذه العناصر في فضاء واحد؟


مجيدة..في رأيي، الأزمة عميقة فعلًا، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد، لأنها تبدو لي نتيجة تراكم مجموعة من العوامل التي تداخلت مع بعضها حتى أصبح المشهد الثقافي في حاجة إلى مراجعة حقيقية.

تبدأ المسألة من تراجع عادة القراءة، لكنها لا تتوقف عند القارئ وحده. فالعائلة التي كانت تؤدي دورًا أساسيًا في تقريب الكتاب من الطفل، وتعويده على القراءة بوصفها متعة لا واجبًا، تراجع حضورها في هذا الجانب، كما أن المؤسسات التربوية لم تعد دائمًا قادرة على أداء الدور نفسه بالفاعلية المطلوبة.

ثم تأتي المؤسسات الثقافية التي تعمل في كثير من الأحيان بإمكانات محدودة، في وقت أصبحت فيه الثقافة تحتاج إلى موارد ورؤى وآليات جديدة تواكب التحولات المتسارعة. ويضاف إلى ذلك تراجع حركة النقد الجاد، وهي مسألة أراها شديدة الأهمية؛ لأن النقد ليس خصمًا للإبداع، وإنما هو أحد أشكال الحوار معه، ومن دونه يصبح من الصعب أحيانًا فرز التجارب، وفتح النقاش حولها، ومنح النصوص الجديدة فرصة حقيقية لأن تُقرأ في سياقها.

وأعتقد أن المشكلة الأعمق تكمن في غياب مشروع عربي ثقافي متكامل يستطيع أن يجمع هذه العناصر المتفرقة في فضاء واحد: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الثقافية، ودور النشر، والإعلام، والنقد، والكاتب، والقارئ.

نحن لا نفتقر إلى المبدعين، ولا إلى الكتب، ولا إلى الأفكار، ولا حتى إلى المبادرات الجميلة ، ما نفتقده في كثير من الأحيان هو التنسيق بينها، وتحويل الجهود الفردية والمبادرات المتناثرة إلى رؤية ثقافية طويلة النفس.

الثقافة لا تُبنى بالمهرجانات وحدها، ولا بكثرة الإصدارات، ولا بكثرة المنصات، وإنما تُبنى حين تصبح القراءة جزءًا من تكوين الإنسان، ويصبح الكتاب حاضرًا في البيت والمدرسة والشارع والجامعة، ويجد الكاتب من يقرأه، ويجد الناقد ما يستحق النقاش، ويجد القارئ مؤسسات تساعده على اكتشاف ما يستحق أن يُقرأ.

لذلك أرى أن الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى مشروع لا يكتفي بمعالجة النتائج، بل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان العربي والكتاب والمعرفة. مشروع يجعل من القراءة عادة، ومن الثقافة حقًا، ومن الإبداع فعلًا اجتماعيًا مستمرًا، لا موسمًا عابرًا ينتهي بانتهاء المناسبة.

وأنا مؤمنة بأن أي نهضة ثقافية حقيقية تبدأ من سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في أثره: كيف نعيد للإنسان رغبته في أن يفتح كتابًا، ثم نمنحه الأسباب التي تجعله لا يريد إغلاقه؟


س/حين تراقبين المشهد الثقافي الليبي من موقعكِ ككاتبة عربية، ما الصورة التي يحملها إليكِ الأدب الليبي؟ وهل استطاعت الأصوات الليبية المعاصرة أن تحصل على المساحة العربية التي تستحقها؟


مجيدة... من يقول الأدب الليبي يقول ،  الصادق النيهوم، وعلي فهمي خشيم، وخليفة التليسي، ونجيب الحصادي، وعلي مصطفى المصراتي، وإبراهيم الكوني، وأحمد إبراهيم الفقيه، ونجوى بن شتوان، وعلي الفزاني، وخالد مطاوع، وغيرهم كثير من الأسماء التي لا يمكن أن تمر في الذاكرة الأدبية والفكرية العربية مرورًا عابرًا.

هذه الأسماء، باختلاف تجاربها ومشاربها وأجيالها، أسهمت في إثراء الأدب والفكر العربيين، وفتحت نوافذ خاصة على أسئلة الإنسان والهوية والصحراء والتاريخ والمجتمع والوجود. وبعضها استطاع أن يصنع لنفسه مشروعًا إبداعيًا وفكريًا يتجاوز حدود ليبيا إلى الفضاء العربي والإنساني الأوسع.

ومع ذلك، أشعر أن الأدب الليبي، رغم ما قدمه من أسماء وتجارب تستحق التوقف والقراءة، لم يحظَ دائمًا بالموقع الذي يتناسب مع قيمة هذا المنجز داخل المشهد العربي. وربما يعود جزء من ذلك إلى عوامل كثيرة، منها محدودية الترجمة والتوزيع، وضعف حضور بعض المؤسسات الثقافية الليبية في الفضاء العربي، إضافة إلى مركزية المشهد الثقافي العربي التي تجعل بعض التجارب القادمة من الأطراف أقل وصولًا إلى دائرة الضوء.

لكنني لا أعتقد أن غياب الضوء الكافي يعني غياب القيمة. فهناك أدب يستطيع أن يعيش خارج صخب المنابر، وهناك أسماء تحتاج فقط إلى قراءة أكثر إنصافًا، وإلى نقد عربي يعيد وضعها في سياقها الحقيقي، لا بوصفها نماذج من أدب بلد بعينه، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من حركة الأدب والفكر العربيين.

وأرى أن الوقت قد حان لإعادة قراءة التجربة الليبية قراءةً أوسع، لا من باب المجاملة أو الاحتفاء الوطني، وإنما من باب الاستحقاق الأدبي والمعرفي. فالأدب العربي لا يكتمل بصوت واحد، ولا بعواصم ثقافية محددة ،  إنما يكتمل بكل الأصوات التي أضافت إلى لغته معنى جديدًا، وإلى أسئلته سؤالًا جديدًا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للأدب الليبي اليوم هو أن يُقرأ بعيدًا عن فكرة «الأدب الليبي» بوصفها تصنيفًا جغرافيًا، وأن يُقرأ بدلًا من ذلك باعتباره جزءًا من الأدب العربي الكبير ، أدبًا له خصوصيته، نعم، لكن له أيضًا مكانه الطبيعي في الذاكرة الثقافية العربية.


س/ليبيا تمتلك ذاكرة تاريخية وثقافية عميقة وتنوعًا جغرافيًا واجتماعيًا واسعًا.. هل ترين أن الأدب الليبي نجح في تحويل هذه الذاكرة إلى مشروع إبداعي يصل إلى القارئ العربي؟


مجيدة...أكيد، ليبيا تمتلك ذاكرة تاريخية وثقافية عميقة، وتنوعًا جغرافيًا واجتماعيًا واسعًا، وهذا الثراء منح الأدب الليبي مادة إنسانية وإبداعية شديدة الخصوبة. وقد نجح الأدباء الليبيون، في تجارب كثيرة، في تحويل هذه الذاكرة إلى مشروع إبداعي كبير، لم يكتفِ باستعادة الماضي، وإنما أعاد تشكيله فنيًا، ومنحه حياة جديدة داخل النص، ووصل به، بكل صدق وخصوصية، إلى القارئ العربي.

وهذا ما نجده بوضوح في كتابات أحمد إبراهيم الفقيه، ولا سيما في مشروعه الروائي الكبير «خرائط الروح»، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الوطنية والتاريخية، ويتحول التاريخ الليبي إلى فضاء روائي رحب تتجاور فيه التحولات السياسية والاجتماعية والإنسانية.

ونجده أيضًا في «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان، التي اقتربت من منطقة شديدة الحساسية في الذاكرة الليبية، واستطاعت أن تستعيد ذاكرة العبودية وتمنح المهمَّشين أصواتًا وحكايات ظلت طويلًا خارج المتن، لتصبح الرواية مساحة لمواجهة النسيان وإعادة قراءة الماضي من زاوية إنسانية.

أما إبراهيم الكوني، فقد ذهب بالذاكرة الليبية إلى منطقة أخر ، إلى الصحراء، والأسطورة، والطوارق، وعلاقة الإنسان بالمكان والطبيعة، وجعل من هذه العناصر عالمًا روائيًا له لغته وفلسفته ومخياله الخاص. وتكفي الإشارة إلى «نزيف الحجر» و«التبر» و«المجوس» و«رباعية الخسوف» لنكتشف كيف استطاع أن يحول ذاكرة الصحراء من جغرافيا صامتة إلى كائن حيّ، يحمل تاريخ الإنسان وأسئلته ومخاوفه وأحلامه.

وغيرهم كثير ممن اشتغلوا على التاريخ والمكان والهوية والذاكرة الشعبية، فكانت الرواية الليبية، في جانب مهم منها، أشبه بخزان ثقافي يحفظ ما قد يهدده النسيان.

وأعتقد أن قوة هذه التجارب لا تكمن في كونها ليبية فقط، بل في قدرتها على تحويل المحلي إلى إنساني ، فحين يكتب الروائي عن ذاكرة مكانه بصدق، فإنه لا يغلقها داخل حدوده الجغرافية، وإنما يفتحها على ذاكرة القارئ أينما كان.

وهنا تكمن قيمة الأدب الحقيقي: أن يبدأ من مكان محدد، لكنه لا ينتهي عند حدوده ، أن يحمل ذاكرة شعب، ثم يجعل منها سؤالًا إنسانيًا يستطيع قارئ بعيد أن يجد نفسه فيه. وهذا، في تقديري، أحد أجمل ما استطاع الأدب الليبي أن يقدمه للمكتبة العربية.


س /ما الذي يحتاجه الكاتب الليبي اليوم كي يعبر من المشهد المحلي إلى الفضاء العربي: مزيدًا من النشر، أم الترجمة، أم النقد، أم المهرجانات، أم جسورًا ثقافية عربية أكثر انتظامًا؟


مجيدة.. أكيد، إنّ النشر والترجمة والنقد والمهرجانات تظلّ جميعها أدوات أساسية لتعزيز حضور الكاتب الليبي في الفضاء الأدبي العربي، لكنني أعتقد أنّ المسألة تتجاوز حضور النص إلى بناء جسور ثقافية أكثر متانة واستمرارية بين ليبيا ومختلف الأقطار العربية ومؤسساتها الثقافية والتنظيمية.

فالحضور الأدبي لا يُبنى بالمشاركات العابرة وحدها، وإنما يحتاج إلى علاقات مؤسسية متواصلة، وإلى مشاريع مشتركة، وملتقيات وندوات وورشات تجمع المبدعين، وتفتح أمام النص الليبي مساحات أوسع للقراءة والنقد والترجمة. كما أن التعريف بالأدب الليبي ينبغي ألا يظل مرتبطًا بالمناسبات، بل يتحول إلى فعل ثقافي مستمر يجعل الكاتب الليبي جزءًا طبيعيًا من المشهد العربي، لا ضيفًا عابرًا عليه.

وأعتقد أن ليبيا بما تمتلكه من ثراء تاريخي وجغرافي وإنساني، قادرة على أن تقدم للأدب العربي تجارب شديدة الخصوصية، لكن هذه الخصوصية تحتاج إلى جسور حقيقية كي تُرى وتُقرأ وتُناقش في فضاء عربي أوسع. فالنص الجيد يستطيع أن يعبر الحدود، لكن المؤسسات الثقافية هي التي تستطيع أن تجعل هذا العبور مستمرًا، وأن تحوّل الحضور من صدفة إلى مشروع.


س /بحكم القرب الجغرافي والثقافي بين تونس وليبيا، كيف ترين إمكانية بناء جسر أدبي حقيقي بين الكتّاب في البلدين، لا يكتفي بالمهرجانات واللقاءات العابرة، بل يؤسس لمشاريع وكتب وترجمات مشتركة؟ 


مجيدة.. /نعم، وهناك تجارب مهمة فعلًا، وبعضها يتجاوز مجرد المشاركة في المهرجانات إلى مشروعات ثقافية ومؤسساتية مشتركة. وأبرز مثال هو الدار العربية للكتاب كمؤسسة مشتركة بين ليبيا وتونس للنشر والطبع والتوزيع، وما تزال تُذكر اليوم باعتبارها مؤسسة تأسست بالشراكة بين البلدين. 

كما أن العلاقات الثقافية بين البلدين عرفت تبادلًا في الإصدارات، والمشاركة في الملتقيات ومعارض الكتاب والمهرجانات، إلى جانب محاولات متجددة لتطوير التعاون في الأدب والنقد والمخطوطات والتراث والنشر وتبادل زيارات الأدباء والمبدعين.

وأعتقد أن هذه التجربة يمكن أن تكون قاعدة لبناء مرحلة جديدة من التعاون، لا تقوم فقط على استضافة الأدباء الليبيين في تونس أو التونسيين في ليبيا، وإنما على إنتاج مشاريع مشتركة: كتب ودراسات، ندوات نقدية، ترجمات، ورشات للكتاب الشباب، وبرامج للتعريف بالأدب في البلدين.

فليبيا وتونس لا يجمعهما الجوار الجغرافي وحده، بل فضاء تاريخي وإنساني وثقافي متداخل، ولذلك فإن بناء مشروع أدبي مشترك بينهما يمكن أن يكون أكثر من مجرد تبادل ثقافي؛ يمكن أن يكون مساحة لاكتشاف ما يجمع التجربتين وما يميز كل واحدة منهما، وفتح الطريق أمام الأدب الليبي خصوصًا ليجد امتداده الطبيعي في المشهد الثقافي التونسي والمغاربي والعربي


س / من خلال تجربتكِ، هل ما زال القارئ العربي يبحث عن الأدب الذي يترك سؤالًا مفتوحًا داخله، أم أننا أمام قارئ جديد يريد نصًا سريعًا يشبه إيقاع المنصات الرقمية؟


مجيدة.. قد يفاجئك ردي، لكن نعم، ومن خلال تجربتي، ما زال القارئ العربي الشغوف والحقيقي يبحث عن الأدب الذي يترك سؤالًا مفتوحًا في داخله، عن الأدب الذي لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يدفع قارئه إلى أن يعيد النظر في نفسه والعالم من حوله.

صحيح أنّ المشهد اليوم يعجّ بالنصوص، وأن سهولة النشر والوصول جعلت الكتابة متاحة على نطاق واسع، لكن القارئ الحقيقي لا يتوقف طويلًا عند ما هو عابر. هو يبحث عن النص الذي يملك شيئًا من الصدق والعمق والخصوصية، النص الذي يضيف إلى تجربته الإنسانية لا مجرد كلمات أخرى إلى ذاكرته.

وأعتقد أن الأدب الحق لا يمنح قارئه إجابات جاهزة بقدر ما يمنحه أسئلة جديدة؛ يربكه أحيانًا، يقلقه، يستفزه، وربما يغيّر شيئًا في نظرته إلى ذاته أو إلى الحياة. وهذا، في رأيي، أحد أسرار بقاء الأدب حيًّا مهما تغيرت الوسائط والأزمنة. فالقارئ قد ينسى تفاصيل كثيرة مما قرأ، لكنه نادرًا ما ينسى نصًّا ترك في داخله سؤالًا لم يجد له جوابًا بسهولة.

ولذلك لا أظن أن زمن الأدب العميق قد انتهى، وإنما تغيّرت طرق الوصول إليه. وما زال هناك قارئ يبحث عن الكلمة التي تشبهه، أو تكشف له شيئًا لم يكن يراه في نفسه. وهذا القارئ، وإن بدا أحيانًا أقل حضورًا في صخب المشهد، هو في النهاية القارئ الذي يمنح النص حياته الحقيقية.


س / وأخيرًا.. إذا كانت شهادة الميلاد توثق لحظة ولادة الإنسان، وكان جواز السفر يوثق رحلته في العالم، فما الوثيقة التي تتمنين أن تتركها مجيدة محمدي وراءها بعد أن تنتهي رحلتها مع الكتابة؟


مجيدة...وأخيرًا... أتمنى أن أترك القلمَ الإنسان، كولادةٍ أخرى أبدية، لا تنتهي بانتهاء النص، ولا تتوقف عند حدود الكتاب. أن أترك وراءي كلمةً ما، تعبر من يدي إلى يد قارئ، ومن قلبٍ إلى قلب، وتظلّ قادرةً على أن تقول شيئًا حين أصمت.

لا أبحث عن خلود الاسم بقدر ما أبحث عن خلود الأثر ، أن يبقى من الكتابة ما يجعل إنسانًا يتوقف لحظة، أو يتأمل، أو يسأل، أو يرى نفسه والعالم من زاوية أخرى.

فالكتابة، في النهاية، ليست ما نتركه على الورق فقط، بل ما نتركه في الإنسان. وربما تكون أجمل ولادات الكاتب تلك التي تبدأ بعد أن يفرغ من كتابة نصه، حين يولد النص من جديد في قارئه، ويواصل حياته بعيدًا عن صاحبه.

وإذا كان لي من أمنية أخيرة، فهي أن أترك القلمَ حيًّا بعدي... وأن تكون كلمتي ولادةً أخرى لا موتًا آخر.


وفي ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان الشاعرة الكاتبة مجيدة محمدي لمنحها مساحة ذهبية لإجراء هذا الحوار.

شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: