البحث عن الحل أم الاستسلام للمجهول؟ ... كتب : أ . الحسن ولد المسكين

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

البحث عن الحل أم الاستسلام للمجهول؟
كتب : أ . الحسن ولد المسكين  
 

 
حين تشق عين الملاحظ عباب المشهد العربي الراهن، لا تواجهها مجرد ظواهر عابرة، بل تصطدم بجدار صلب من واقع مأزوم ومجتمع يترنح تحت وطأة بنى هيكلية مشوهة. إنها نوافذ تطل على عورات اجتماعية ومؤسساتية صارخة: فقر مدقع، وتشريد ممنهج، وبطالة مستوطنة في أجساد الطاقات الشابة، يقابلها انحلال قيمي، وفساد إداري متجذر، وجهل مركب. وأمام هذا التردي الحاد، تبرز السيكولوجية الانهزامية السائدة التي تختزل الكارثة في إلقاء اللائمة المطلقة على "الآخر"؛ سواء كان هذا الآخر سلطة سياسية، أو مؤامرة خارجية، مستسهلةً التنصل من التبعة والمسؤولية.
وفي المقابل، تنبثق من قاع هذا البؤس تساؤلات وجودية مشحونة بالمرارة والعدمية: هل كُتبت المأساة على الإنسان العربي كقَدَرٍ بيولوجي وحتمي لا انفكاك منه؟ وهل غدا التخبط في وحل الأزمات اليومية، وتجرع الحرمان، وابتلاع الأسى، فروضاً وجودية يُثاب عليها بالصبر الإجباري، وسط مناخ مشحون بالتوتر الهدام والسخط المكتوم؟
إن هذا الواقع المعاش ينقسم إلى ضفتين متنافرتين: ضفة "المطبلين" وسدنة الخطاب التبريري الذين تحركهم الأطماع النفعية الرخيصة لتزييف الوعي، وضفة الشعوب المطحونة التي تقتات على بقايا أحلام مجهضة. واليوم، لم يعد القول بأن "السيل بلغ الزبى" مجرد كليشيه لغوي، بل هو توصيف دقيق لاختناق حضاري غير مسبوق. فكيف يمكننا الانفلات من مخالب هذه الأزمة البنيوية ونحن نرزح بين مطرقة واقع سوداوي وسندان مستقبل هلامي مجهول؟ وكيف نملك الجرأة على لمّ شتات ماضٍ نتوهمه "أرحم" بنا، في حين أننا نعجز اليوم عن صياغة رؤية جمعية موحدة ومشروع نهضوي واضح؟
إن المشهد الراهن يزداد تعقيداً مع دخولنا عصر "السيولة الرقمية" والافتراضية؛ حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسائل للتعبير إلى أدوات لتخدير الوعي، وبث الإحباط، وتسطيح القضايا المصيرية وتحويلها إلى مجرد "تريندات" عابرة. لقد تبلد الحس النقدي، واستُبدل الفعل الحقيقي على أرض الواقع بـ "ثورات افتراضية" جوفاء لا تغير من بنية الفساد شيئاً، بل تزيد من حالة التيه والهروب إلى الأمام، والاستسلام الأعمى للمجهول القادم.
إنني من هذا المنبر، وبصوت تملؤه الغيرة والمسؤولية التاريخية، أعلنها صراحة: إن أي حديث عن إنجاز حقيقي أو تنمية موهومة ما هو إلا ضرب من الوهم، ما لم نقطع دابر الفساد البنيوي الذي ينخر عظام أوطاننا. إن المشكلة مشخصة، والحل ليس مستورداً من خلف البحار، بل هو كائن في عمق الذات الفردية والجمعية. إننا لا نحتاج إلى مستبد جائر يسلب الإرادة، ولا إلى ثائر فوضوي يهدم المكتسبات، بل نحن بحاجة ماسة إلى ثورة وعي ذاتي، وإلى شحذ كل خلجه نفس وخفقة قلب وحركة ساعد لتقويض السلوكيات المعيقة وبناء مواطنة حقة.
إن هذا التغيير الجذري ينطلق من تفعيل مفهوم "المسؤولية التضامنية"، المرتكز على الأصل النبوي الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..". إن بناء الأوطان أشبه بالصدقة الجارية التي لا ينقطع أثرها بموت الفرد، بل يمتد نفعها لبناء مستقبل الأجيال القادمة. ولن يستقيم هذا البناء إلا إذا خاض الفرد معركة شرسة ضد عيوبه وميولاته الانتهازية، عبر خطوات عملية صارمة: أن يتعلم كيف ينتزع حقوقه بوعي ويحمي مصالحه بنزاهة، وأن يؤدي واجبه الأخلاقي والمجتمعي قبل أن يتباكى على ضياع حقوقه، وأن يتدرب على ثقافة النظام والالتزام ومقاومة شهوة المحسوبية والرشوة والواسطة، ليجيب بصدق عن السؤال الفلسفي الأهم: ماذا قدمت أنت للوطن قبل أن تسأل عما قدمه الوطن لك؟
وأخيراً، اعذروني أيها العرب إن نسفتُ المسافات وسألتكم بصوت واحد: مَن أنا ومَن أكون؟ فما أنا إلا مرآة تعكس ذواتكم، وما أنا إلا أنت، وباقي أسماء الإشارة والضمائر التي تتقاسم هذا المصير المشترك. لقد وضعتنا اللحظة التاريخية الراهنة أمام خيارين لا ثالث لهما، ولا مجال فيهما للمواقف الرمادية أو التبريرات الواهية: إما الإرادة الصلبة في البحث عن الحل واستئصال الداء، وإما الانبطاح الكامل والاستسلام والانتحار في غياهب المجهول
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: