حين يتجسّد العطر في هيئة إنسان
✍️ أ.مصطفى العمراني
حين يضيق العالم بما فيه من قسوة، يبقى الجمال قادرا على أن يصنع للحياة معنى جديدا فبعض الأرواح لا تحتاج إلى زينةٍ لتُشرق، لأنها تحمل في أعماقها عبقا لا تذروه الأيام ونورًا لا تُطفئه السنون، إنها الأرواح التي تمنح للمكان سكينته وللزمان نكهته وللقلوب سببًا آخر للإيمان بأن الخير ما زال يسكن هذا العالم
في ابتسامتها يزهر الربيع وتورق الأمنيات بعد جدب وفي كفّيها دفءٌ يبدّد برد المواسم وكأنهما ملاذٌ لكل قلب أنهكه التعب، أما خصلات شعرها البيضاء، فليست إلا صفحاتٍ ناصعةً من كتاب العمر كتبتها الأيام بحبر التجربة وزيّنتها الحكمة حتى غدت وقارا يسبق الكلام وجمالًا لا تصنعه المرايا، بل تصنعه الحياة.
وإذا مرّت، خُيِّل إليك أن النسيم يحمل أثرها، لا لأن العطر يرافقها، بل لأنها هي العطر حين يتجسد في هيئة إنسان؛ حضورٌ يلامس القلوب قبل الأبصار ويترك في الذاكرة أثرا لا يمحوه الزمن، إنها تلك الأرواح التي لا تُقاس بملامحها، بل بما تزرعه من طمأنينة في النفوس وما توقظه من أملٍ في العيون وما تنثره من ضياءٍ في دروب الآخرين.
وحين تضيق الأرض عن الحبق، ازرعه في روحها؛ فالأرواح الجميلة هي التربة الأخصب لكل معنى نبيل، وهي الحدائق التي لا يذبل وردها مهما تعاقبت الفصول .. هناك، يصبح الجمال رسالة، والمحبة لغة، والإنسانية قصيدةً لا تنتهي أبياتها، يرددها القلب كلما مرّ بطيفٍ يشبهها أو بذكرى تحمل شيئًا من عبيرها.

