أكتوبر الوردي
الكاتب بلعربي خالد
مقدمة
في أكتوبر، لا يتحول العالم إلى اللون الوردي من أجل الزينة فقط، بل لنتذكر أن وراء هذا اللون حكاياتٍ كثيرة لنساءٍ واجهن الخوف، وانتظرن خبرًا في غرفة باردة، وتمسكن بالأمل حين بدا كل شيء هشًّا.
أكتوبر الوردي هو شهر التوعية بسرطان الثدي، لكنه قبل أن يكون حملةً وشعارًا، هو دعوةٌ إلى الإصغاء للجسد، وإلى عدم تأجيل الفحص، وإلى أن نمنح أنفسنا فرصةً أكبر للاكتشاف المبكر والعلاج.
ولأن بعض الأشياء لا تُرى في بدايتها، ولأن الخطر قد يبدأ صغيرًا وصامتًا قبل أن يعلن عن نفسه، جاءت هذه القصة على هيئة لغز...
شيءٌ غامض يتسلل بهدوء، يكبر دون أن يُرى، ويترك خلفه أسئلةً أكثر من الأجوبة.
لن نذكر اسمه منذ البداية.
سنتركه يقترب ببطء...
حتى تكشف الصفحة الأخيرة من يكون.
عنوان القصة:
الضيف
منذ أن جاء الضيف، تغيّر كل شيء.
لم يطرق الباب.
لم يرسل رسالة.
فقط... كان هناك.
في البداية، لم تنتبه إليه.
كان صغيرًا، مثل نقطة سوداء في آخر جملة.
ثم بدأ يكبر.
كانت سلمى تراه في المرآة أحيانًا، خلف كتفها، لكنه كان يختفي كلما التفتت.
قالت لأمها:
— أشعر أن أحدًا يسكن داخلي.
ضحكت أمها وقالت:
— ربما قلبكِ يتسع للحب.
لكن سلمى لم تضحك.
كانت تعرف أن الحب لا يجعل الإنسان يذبل بهذه الطريقة.
مع مرور الأيام، صار الضيف أكثر جرأة.
سرق منها النوم.
ثم الشهية.
ثم لون وجهها.
وأحيانًا، كان يوقظها في منتصف الليل، ويجلس في صدرها كحجر بارد.
كانت تسأله:
— ماذا تريد؟
ولا يجيب.
فقط يكبر.
ذات مساء، وقفت أمام المرآة.
رفعت قميصها قليلًا.
حدقت طويلًا في جسدها.
كان هناك شيء لا تراه العين بسهولة، لكنه كان موجودًا.
شيء يشبه مدينة سرية تحت الجلد.
مدّت يدها إليه.
فشعرت بالخوف.
ليس لأنها لم تعرفه...
بل لأنها شعرت أنها تعرفه منذ زمن.
قالت:
— من أنت؟
وفي المرآة، بدا وجهها شاحبًا إلى درجة أنها لم تتعرف إلى نفسها.
بعد أيام، جلست أمام الطبيب.
كان يحمل أوراقًا كثيرة.
قلب الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم وضع الأوراق جانبًا.
نظر إليها طويلًا.
قال:
— هل تريدين أن تعرفي؟
أومأت.
صمت الطبيب.
وفي ذلك الصمت، فهمت سلمى كل شيء تقريبًا.
قال أخيرًا:
— إنه...
توقّف.
كانت الكلمة ثقيلة.
كأنها حجر سقط في بئر عميقة.
ثم نطق بها:
— السرطان.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
فقط أغمضت عينيها.
وفكرت في الضيف.
في كل تلك الليالي التي شعرت فيها به.
في الشيء الغامض الذي كان يكبر في الظلام.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
قالت:
— كنت أعرف أن له اسمًا.
سألها الطبيب:
— منذ متى؟
نظرت إلى النافذة.
كان المطر ينزل على زجاج المستشفى، قطرة وراء قطرة.
وقالت:
— منذ أن بدأت أسمع جسدي... قبل أن أسمعكم.
في تلك الليلة، عادت سلمى إلى غرفتها.
جلست أمام المرآة.
هذه المرة، لم تبحث عن الضيف.
بحثت عن نفسها.
وقالت:
— أعرف اسمك الآن.
ثم أضافت:
— لكن معرفتي باسمك لا تعني أنك أصبحتَ صاحب البيت.
وأطفأت الضوء.
في الظلام، ظل شيء ما يتحرك داخلها.
لكنها، للمرة الأولى، لم تخف.
كانت تعرف أن المعركة لم تبدأ حين اكتشفوا السرطان.
بل بدأت في اللحظة التي قررت فيها ألا تسمح للخوف أن يسمي حياتها بدلًا عنها.
في النهاية، قد يكون أكثر ما يخيفنا هو الشيء الذي لا نعرفه.
ولهذا فإن الوعي ليس خوفًا من المرض، بل معرفةٌ تمنحنا فرصةً للتصرف في الوقت المناسب.
في مناسبة أكتوبر الوردي، لنتذكر أن سرطان الثدي قد يصيب النساء، وفي حالات أقل الرجال أيضًا، وأن اكتشافه مبكرًا يمكن أن يفتح أبوابًا أوسع للعلاج.
لا تنتظري ظهور الألم حتى تهتمي بصحتك.
احرصي على:
معرفة الشكل الطبيعي لثدييك والانتباه إلى أي تغير جديد أو غير معتاد.
مراجعة الطبيب عند ملاحظة كتلة، أو تغير في شكل أو حجم الثدي، أو تغيرات في الجلد أو الحلمة، أو أي علامة غير طبيعية مستمرة.
مناقشة الفحوص المناسبة مع الطبيب وفق العمر والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة؛ فالفحص المناسب وتوقيته يختلفان من شخص إلى آخر.
عدم الاعتماد على الفحص الذاتي وحده، وعدم تجاهل أي تغير غير معتاد حتى لو لم يكن مؤلمًا.
طلب المشورة الطبية عند وجود تاريخ عائلي قوي أو عوامل خطر معروفة.
والأهم...
لا تجعلي الخوف من النتيجة سببًا لتأجيل الفحص.
فبعض المعارك لا نربحها لأننا لم نخف، بل لأننا واجهنا خوفنا مبكرًا.
وفي أكتوبر الوردي، لنجعل رسالتنا بسيطة:
افحصي، اسألي، توعّي، ولا تؤجلي صحتك.
لأن وراء كل جسد قصة تستحق أن تستمر.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: