ما زلت أذكر بيت جدي، ذلك البيت الذي كان من حجر وطين، لكنه في عيني كان أوسع من الدنيا كلها، وأكثر دفئا من أي مكان عرفته بعده. كنت أنام فيه مطمئنا، أغمض عيني على ضوء البنورة الخافت، وأترك الليل يأخذني إلى أحلام صغيرة لا تعرف العجلة، ولا تسأل عن الوقت. لم تكن لدينا ساعات نراقبها، فقد كان الليل يعرف كيف يمضي وحده، وكانت للقرية ساعتها الخاصة التي لا تخطئ.
في سقف البيت كانت أشياء تتحرك، وكنت أحيانا أتساءل في سري، ترى ما الذي يتحرك هناك؟ أهي حشرة صغيرة أم قد تكون أفعى تسللت بين أعواد سقف القصب واتخذت منه مخبأ لها؟ وفي أكوارة القمح المحفورة في الجدران كانت أشياء أخرى تدب وتتحرك، وكنت أسمع حركتها كأنها همسات كائنات صغيرة تعيش معنا في ذلك البيت العتيق. لم أكن أخاف أبدا، وربما لأنني كنت أشعر أن كل شيء في بيت جدي جزء من ألفتي بالمكان، حتى تلك الأشياء الغامضة التي لم أكن أعرف لها اسما.
وحين تبدأ طقوس الليل، كان صرصور الليل يتولى مهمته الجميلة، فيعزف لحنه الرتيب قرب البيت، ثم يأتيه من بعيد نباح الكلاب، متقطعا وحزينا أحيانا، كأن كل كلب يحكي للآخر حكاية حدثت معه في ذلك المساء. وكنت أستمع إلى هذا اللحن القروي العجيب، وأشعر أن الليل ليس صامتا كما يظن الناس، بل إنه مليء بالأصوات الصغيرة التي لا يسمعها إلا من أحب المكان وألف تفاصيله.
وبعد قليل، كانت رائحة القش المحروق تبدأ رحلتها إلينا، تتسلل من الأفران التي تستعد لخبز العجين مع أول الصباح. يا لتلك الرائحة التي لا تشبهها رائحة! كانت دافئة وشهية، تحمل في ثناياها وعدا برغيف طازج، وتخبرنا أن الأمهات قد بدأن عملهن قبل أن تفتح الشمس عينيها. وما زلت كلما تذكرتها أشعر كأنني أعود طفلا، أجلس في بيت جدي، أنتظر أن يخرج الخبز من التنور، وأن تمتد إليه الأيدي بحنان.
ثم يأتي الفجر، ويظهر عازفنا الأول، الديك، فيطلق صياحه بكل ما أوتي من حماسة، كأنه قائد فرقة موسيقية قرر أن ينهي الحفل ويوقظ العازفين. تصحو البيوت واحدة بعد أخرى، وتبدأ القرية في تحريك أقدامها، وتنهض الحياة من فراشها، فيما ينسحب الليل بهدوء، تاركا وراءه رائحة القش، وأصداء النباح، ولحن صرصور الليل الذي لم يكن يعرف أن له مستمعا صغيرا يحتفظ بموسيقاه حتى آخر العمر.
آه يا بيت جدي، كم كنت بسيطا وكم كنت غنيا! لم تكن جدرانك من حجر وطين فحسب، بل كانت تحفظ أسرار طفولتي، وتخبئ بين شقوقها أصواتا وروائح وصورا لا تزال تسكنني. هناك تعلمت أن السعادة لا تحتاج إلى الكثير، وأن أجمل الموسيقى قد تأتي من صرصور صغير، وأن أطيب الروائح قد تنبعث من قش يحترق في فرن، وأن الفجر قد يبدأ بصياح ديك يظن نفسه سيد العالم.
وكلما ابتعدت بي الأيام، عدت إليك في ذاكرتي، فأجدني ما زلت ذلك الطفل الذي ينام على ضوء البنورة، لا يخاف حركة الأشياء في سقف القصب والجدران، ويصغي إلى الليل كأنه صديق قديم جاء ليحكي له حكاية جديدة.
وما أجمل تلك الأيام حين كان البيت بيتا، والخبز حكاية، والليل موسيقى، والفجر موعدا مع الحياة.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: