في عتمة الظل ..... أ . فاضل العذاري/ العراق

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

في عتمة الظل
أ .   فاضل العذاري/ العراق 
 

 
لا أفهم السبب الذي يمنع تلك المرأة، التي اختارت قراءة الطالع مهنةً لها، من زيارة منزلنا رغم أنها تمرّ على أغلب بيوت الحي بين حينٍ وآخر. ولعلّ الأمر يعود إلى أسرتي وحدها التي اتهمتها بممارسة السحر وإفساد العلاقات العائلية. مع ذلك، أسمع من الجيران أنها امرأة هادئة، تتعايش مع الجميع دون أن تتسبب في مشكلةٍ، أو تسعى لإثارة الخلافات. وكل ما تقوم به يقتصر على تفسير ما تخبئه الأيام من وقائع: سارّةٍ تبشّر بها، أو قاسيةٍ تحذّر منها، اعتماداً على ما تتنبأ به في أفق الغيب المحجوب.
حينما أذهب إلى مكانها في بداية السوق الشعبي، يتملكني إحساس عميق يفيض بالسكينة والسلام. هناك، منذ الصباح، تجلس على الرصيف، تفترش الأرض وتعرض بضاعتها البسيطة، التي تشمل علب أعواد البخور، أمشاط خشبية مخصصة للنساء، أكياس صغيرة من الحناء، مسابح متنوعة، وكميات من طين الخاوة، بالإضافة إلى عدد محدود من الأحجار والحصى المستخدمة في أغراض الاستشفاف. وتخصص بقية اليوم لزيارة سكان المنطقة، حيث تمارس مهاراتها في التنبؤ بمستقبل حياتهم الشخصية. أشعر أحياناً وكأنها نذير الحظ بالنسبة لي، تقدم لي النصائح حول أهدافي وما ينبغي أن أسعى لإنجازه، تُشعرني بالاطمئنان وتمنحني دفعة معنوية. رغم هذا، ترفض دائماً النقود التي أعرض تقديمها لها.
عندما أراها جالسة وسط زحام الطريق وتلتفت لتلاحظني برفقة أصدقائي، تتفادى النظر نحوي تماماً، وكأنها مصممة على إبقاء علاقتنا طي الكتمان. أما عندما أنفرد بها وجهاً لوجه، خاصة في الأوقات التي أحتاج فيها إلى تبديد التوتر والقلق قبل اجتياز اختبار معين أو اتخاذ قرار حاسم، فتشرع في إضفاء جو من المرح ينقلني من حالة الاضطراب إلى واحة من الراحة والهدوء.
عندما جلست أمامها صباح اليوم، سألتها بفضول عن شخص معين لا أعرفه ولم أره أبداً، له تأثير إيجابي في حياتي، حيث يسارع دائماً لمساعدتي دون انتظار مقابل، خاصة عندما أواجه صعوبات مالية. أخبرتها أنني لم أتمكن من معرفة اسمه الكامل رغم محاولاتي المتكررة؛ كونه يفضل أن يصنف كفاعل خير مجهول الهوية. قصصت عليها بعض المواقف التي تجلت فيها مساعدته، مثل تغطية تكاليف عملية جراحية أو تسديد كفالة أو قضاء دين عالق. كان وجوده كظل يرافقني وطيف يدعم حياتي دون أن يظهر. طلبت منها مساعدتي في التعرف على هويته. سألتها مرة أخرى، وأنا أحدق في المجهول:
- ما سر هذا الشخص الذي يختبئ في الظل؟ لماذا يلوذ بالعتمة ويتحاشى ويتجنب الظهور تحت الأضواء؟ لستُ أفهم نبل صمته، خصوصاً حين أرى عكس ما يفعله بعض الأفراد من حسنات زهيدة تجعلهم يتصدرون المشهد وتحت بريق الأضواء، في تجارة علنية تدفع بأعمالهم كلها إلى خانة ضيقة من الرياء.
تملكتني الحيرة فتابعتُ:
- ما علاقتي به ولماذا يخصني أنا بالتحديد دون سواي؟ لماذا يطاردني بظله، على الرغم من أنني لست من ذلك المستوى المعيشي المتدني الذي يجعله يشفق على حالتي؟
سألتني:
- هل أبلغت أهلك بهذا الأمر؟
أجبتها:
- لقد كتمتُ هذا السر عنهم خوفاً من أن يدفعهم حبّهم للمال إلى استغلال كرم هذا المحسن الغريب وملاحقته، فآثرتُ الصمت حمايةً لسلامته من أي طمع.
ألقت بأحجارها على ملاءتها الخضراء وحدقت في وجهي بنظرات عميقة، شعرتُ وكأنها تحاول كشف أسراري.
كان يبدو عليها مزيج من الغموض والقلق، وكأنها تطرح أسئلة تبحث عن إجابات أو تخفيها لنفسها. رفضت الإفصاح عن الاسم بحجة الحفاظ على الأسرار الشخصية والأسباب العائلية، لكنها أكدت شيئاً واحداً: إن فاعل الخير في تلك المواقف ليس غريباً عني، بل هو جزء من كياني ودمي ولحمي.
توسلت إليها بإصرار لكشف اسمه، حتى أتمكن من رد الجميل له. نظرت إلي بعينيها المليئتين بغموض أثار فضولي، وقالت بثقة:
- أنت الوحيد الذي بقي لي في هذا العالم.
ثم أتبعت كلامها بابتسامة غريبة تحمل شيئًا من المعنى المبهم:
- افعل ما تشاء، سواء صدقت أو لا، أنت ابني. وكل أملاكي ستكون مسجلة باسمك.
لم أتمالك نفسي من الضحك على عباراتها؛ أولاً لأنها تعتبرني ابنها دون تفسير واضح، وثانياً لفكرة الأملاك التي بدت لي ضرباً من الخيال، لم أستطع أن أتقبل وجودها في ظل حياتها البسيطة. بادرتها بلهجة مازحة محاولاً مواكبة حديثها:
- عن أي أملاك تتحدثين؟ هل لديك فنادق أو عقارات؟ أم تملكين مزارع وقصوراً؟ ربما حسابات مصرفية ضخمة؟ وأنت هنا بالكاد تجدين مكاناً على الرصيف تستندين إليه؟
لكنها على غير المتوقع، ردّت بنبرة صارمة كأنها تحاول إقناعي:
- لا تستخف بكلامي. أنا أمتلك أملاكاً حقيقية، وستعلم هذا بنفسك عندما يحين الوقت المناسب.
واصلت الضحك في محاولة لتخفيف حدة الحديث، وقلت لها بنبرة مزاحي المعتادة:
- يكفيك من هذه الأوهام، يا امرأة.
لكنها استمرت في التأكيد على أنني ابنها، وأن كل شيء سيؤول إليّ بعد رحيلها، قائلة:
- لقد عملت بجد واجتهدت في حياتي لكسب رزقي بطرق مشروعة، بهدف بناء ثروة تتيح لك الاعتماد على نفسك.
ثم باغتتني بمعلومة جديدة لم أكن على علم بها مسبقاً:
- أنا أمك وطليقة والدك.
تحول المزاح إلى جدية مفاجئة في هذه اللحظة، مما جعل ملامح وجهي تتجهم من شدة الصدمة التي قلبت عالمي رأساً على عقب وجعلتني أشعر بتوتر شديد أحاطني بأسئلة لا تنتهي. بدأت أرى لحظات حياتي بمعانٍ جديدة لم أدركها من قبل. طلبت منها بينةً واضحة تثبت ما تقوله، لكنها ردت عليّ بتوبيخ قاسٍ، طالبة مني مغادرة المكان. همست وكأنها تخاطب أعماقي:
- أليس ما تشعر به من حب تجاهي دليلاً كافياً؟
لمّا ابتعدت قليلاً وأشاحت بوجهها عني، انتابني مزيج غريب من الخيبة والانكسار، وهو ذات الشعور الذي يغمر الابن عندما تغضب أمه وتوبخه. حاولت العودة للنقاش معها لقطع الشك باليقين، فسألتها :
- متى وُلدتُ وفي أي سنة و أي شهر بالتحديد؟
أجابت بدقة مذهلة وبالتفاصيل التي لم أتوقعها.
كانت كلماتها الأخيرة أشبه بصاعقة دوت في أذني وتركتني في حالة ذهول عميق طغى على كياني، وأثارت سلسلة من التساؤلات التي تستكشف أعماق الماضي حول الهوية التي تربطني بجذوري وأولى لحظات وجودي. بدت أفكاري كأنها أسيرة عاصفة هوجاء لا تهدأ، مما دفعني مراراً للغوص في أعماق ذكرياتي، محاولاً تحليل كل كلمة، بحثاً عن بصيص من الحقيقة بين ثنايا حديثها المبهم.
سألتُ نفسي مراراً وتكراراً: هل ما تدعيه حقيقة؟ أم أن في حديثها نية مضمرة لم أستشفها بعد؟ هل تسعى لاستغلالي أم أنها صادقة بما يكفي لتضحي بكل شيء، حتى بحياتها؟
حينها جمعت ما تبقى من شجاعتي وواجهتها بجملة حاسمة:
- إذا كنتِ ترغبين حقاً في أن أكون ابنك، سجّلي كل ما تملكين باسمي؛ عندها فقط سأصدق وأمنح حديثك ثقتي الكاملة.
لكنها أجابتني بصوت هادئ ممتزج بالثقة ذاتها التي أربكتني مراراً:
- ستفهم كل شيء عندما يحين الوقت المناسب، وفي النهاية سيأتي يوم تصبح فيه وريثي الوحيد بلا منازع.
سألتها:
- لماذا اخترتني لأ كون ابناً لك؟ وما هو دور أمي التي قامت بتربيتي منذ الصغر؟
ردت بحسرة ممزوجة بالأسى:
- سيأتي يوم تندم فيه على طرح هذا السؤال، فقد كنت أحملك في أحشائي لتسعة أشهر.
ثم أضافت قائلة:
- لقد تزوجني والدك بسرية تامة وبعيداً عن أعين المحكمة تلبية لرغبة والدته؛ لأن زوجته لم تكن قادرة على الإنجاب. وهكذا أصبحت الزوجة السرية لفترة قصيرة، لكنه تخلى عني بمجرد أن أنجبتك، ليقدمك كهدية لزوجته الدائمة التي كانت تدعي الحمل في ذلك الوقت أمام معارفها.
سألتها:
- ما الذي دفعك للصمت طوال هذه السنوات دون أن تطالبي برؤية ابنك؟
فأجابت:
- عندما سألت عن حالة ابني بعد الولادة، أُبلغت بأنه توفي بعد فترة وجيزة من تلك الليلة، وفقاً لما أقرته القابلة المأذونة. لم أكن مقتنعة بهذا التبرير، وكررت المطالبة به عدة مرات، لكنني واجهت تهديدات تمس حياته إذا لم ألتزم بالصمت.
طلبتُ منها أن تدلني على عنوان تلك القابلة؛ لأعثر على دليل قاطع يثبت صحة هذا الادعاء، لكنها صدمتني بالقول إنها توفيت منذ زمن.
ثم سألتها:
- ما الذي حفزك لإثارة هذه القضية في الوقت الحاضر؟
فأجابت:
- أشعر أن العمر يمر بسرعة، وقد تقترب نهايتي دون أن أستمتع بوجود ابني، وقد سئمت من العيش في العتمة بينما تنعم زوجة أبيك بوافر من ضوء الشمس، تدفأ به وهي تحتضنك علناً أمام أنظار الجميع بلا خجل ولا مواربة. لا أخفيك سراً، فأنا فاعل الخير الذي كان يرافقك دائماً في السراء والضراء، كنت أرسل لك الدعم والمساعدات، وأمد إليك يدي بالمساندة في الخفاء؛ إذ أعيش في ذلك الظل المعتم، بعيداً عن أي نور قد يسطع على أمومتي لك، أو يكشف عن هويتي ومكاني.
وأضافت بجديّة واضحة:
- احتفظ بهذا السر لنفسك ولا تفصح به لأحد. أنت وريثي الوحيد بلا منازع، وبما أن هذا الأمر ليس قانونياً، سأقوم بنقل جميع ممتلكاتي لتكون مسجلة باسمك.
وفيما كنت منشغلاً بالحديث والنقاش معها، مرّ والدي بسيارته، وألقى نظرة فاحصة نحوها شعرت بأنها تحمل الكثير من الوعيد والتهديد، الأمر الذي دعاها إلى ترك بضاعتها والهرب بسرعة. حينها توقف والدي فجأة ونزل مقترباً مني ليتساءل:
- لماذا تقف مع تلك المرأة المجنونة؟
ثم نظر إليّ بتمعن مضيفاً:
- يبدو أنك أطلت الوقوف إلى جانبها، أخبرني ماذا كانت تقول لك؟
أطبق على كتفي بعنف، وهزّني بقوة كأنما يخلع باباً موصداً. صرخ بي طالباً الحقيقة؛ فجفتْ من الفزع حبالي، وتجمد الصوت في صدري. تحجرت الكلمات على شفتي، وغدت الأنفاس شوكاً يمزق حنجرتي. حاولت النطق فما نلتُ غير غصة مريرة، وارتجاف يسري في جسدي وأنا أبلع ريقي بمشقة. بقيتُ ممزقاً بين نارين: سرّها الذي استودعتني إياه، وعاصفة أبي التي تزلزل كياني. تلاطمت في ذهني العواقب، وهزّني خوفي عليها إن تكلمت. وتحت وطأة هذا الحصار النفسي الخانق، انفتحت شفتاي المرتجفتان، وبعد تردد وتلعثم، فاضت الكلمات كأنها تُسَلُّ من روحي:
- قالت لي إنها والدتي.
أدى هذا الموقف إلى أزمة نفسية عانيت منها مع أفراد عائلتي في المنزل، إذ كان والدي يصرخ قائلاً:
- لا تدع الأكاذيب التي تروجها تلك المرأة غير العاقلة تؤثر عليك؛ فهي تحاول زرع الشك في قلبك تجاه والدتك التي أنجبتك وربتك وسهرت على راحتك طوال حياتك.
كان الجميع حولي ينصحني بالابتعاد عنها، ويحذرونني من عواقب القرب منها، لكن قلبي كان بعيداً عن طاعتهم. وكأنها أدركت حجم الزلزال الذي خلفه اللقاء الأخير، فلم تجد سبيلاً للنجاة سوى الرحيل في الصمت والتواري عن الأنظار.
طرقْت باب منزلها تكراراً فلم يُجبني سوى صدى الفراغ، وسألْت الجيران عنها فالتف حول مصيرها الغموض، وقال أحدهم إنها اختفت في عتمة الليل بلا رجعة، ورجّح آخر أنها غادرت إلى مدينة بعيدة أو ألمّ بها خطب في أحد المستشفيات؛ فهرعْتُ كالمجنون بين أروقة الطوارئ باحثاً عنها بلا جدوى، لتغتال الشكوك صفاء مخيلتي وتعصف بها رياح الإشاعات المتضاربة. وحين عاودني الحنين الجارف وأيقظ رماد الأمل، عدْت أفتش في تفاصيل الغياب، أبحث عنها في مقر عملها وكافة الأماكن المعتادة التي تقصدها باستمرار، كمن يفتقد روحه في جسد متهالك. جُبت الشوارع أُبطئ خطاي خلف كل متلفعة بالسواد، أقتفي أثرها، لعلني أظفر بملامحها الغائبة.
بقي قلبي معلقاً بين رجاء عذب ویقین موجع، أصارع وحشة الفقد وظلمة الأسئلة، حتى أتت اللحظة الفارقة التي أشعلت كل شكوك الحيرة؛ حين أقبل المحامي حاملاً وصيتها الأخيرة، لتبدأ بكلماتها صفحات جديدة من العذاب، ويهبني كآخر عهدها وميراث وفائها المعلق بروحي، كل ما تملكه لتصبح أملاكها باسمي وحدي.
على الرغم من أنني بكيت بحرقة لفراقها، إلا أنني صرخت في وجهه قائلًا:
- إنها ليست والدتي!
فرد المحامي قائلاً:
- حتى وإن لم تكن والدتك، فقد وهبتك كل ما تملك في حياتها.
سألته عنها:
- هل وافتها المنية أم لا تزال على قيد الحياة؟
وبعد نظرة مبهمة خاطفة وجهها المحامي إلى والدي تلاها صمت ثقيل، جاء جوابه غامضاً:
- لا أعلم عن مصيرها شيئاً بعد ذلك اللقاء.
في تلك اللحظة، كان والدي يلح علي قائلاً:
- إنها والدتك الحقيقية التي أخفيت عنك سرها.
وقد أيدت زوجة والدي ما قاله، رغم محاولتها إخفاء فرحتها الكبيرة التي كانت بادية على ملامح وجهها نتيجة ثرائي المفاجئ، لكنها لم تتمكن من كبح مشاعرها.
تلك اللحظة، كان الوضع يتناقض تماماً مع ما كانا يدعيانه قبل وصول المحامي وإعلانه أنني أصبحت من الأثرياء. ومع ذلك، لم يكن هناك من يواسيني في غياب والدتي، أو يشاركني حيرتي القاتلة حول ما حلّ بها. على الرغم من كل ما تركته لي من هبة، يبقى اختفاؤها جرحاً عميقاً لا يندمل، وتتردد في أعماق ذهني أسئلة بلا إجابات: هل رحلت عن هذه الدنيا حقاً، أم أنها ما زالت تنبض بالحياة في مكان ما؟ فبين لوعة الفقد وتداخل الشكوك المؤلمة، أبدأ اليوم رحلة لترميم نفسي، سعياً لاستعادة توازني وبناء ما تهدم في روحي، ومن ثم أنطلق في مهمة البحث عن مصير أمي المجهول واسترجاع ما ضاع من عمري في غيابها منذ الطفولة.
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: