قلبي بلياتشو
طارق غريب - مصر
طارق : رجل في الخامسة والخمسين. ملابسه أنيقة لكنها مهترئة قليلاً. يجلس على كرسي خشبي بسيط في غرفة شبه فارغة
على الأرض قبعة بلياتشو قديمة ، وأنف أحمر بلاستيكي
على الجدران ملصقات قديمة لسيركات لم تعد موجودة
في الزاوية حقيبة سفر لم تُفتح منذ سنوات
الأنف الأحمر
( الأضواء تعلو ببطء. طارق ينظر إلى الأنف الأحمر
الملقى على الأرض. يلتقطه. يقلّبه بين أصابعه. لا يضعه )
طارق : أنا لا أرتدي الأنف الأحمر. الناس يظنون أن البلياتشو
هو الذي يضع الأنف الأحمر على وجهه
لكنني أنا البلياتشو الذي خلع وجهه
( صمت. يضع الأنف الأحمر على الطاولة
ينظر إليه كأنه شيء مقدس ومُدان في الوقت نفسه )
طارق :
قالوا لي اضحك. فضحكت. قالوا لي اضحك أكثر
فضحكت أكثر. قالوا لي لماذا لا تضحك؟
قلت أنا أضحك. قالوا لا، أنت تبتسم فقط
نريد أن نسمع الضحك. فضحكت بصوت عالٍ
ضحكت حتى دمعت عيناي
لم يعرفوا أن الدموع لم تكن من الضحك
( يقف. يمشي ببطء في الغرفة. يرى وجهه في زجاج النافذة المظلم
يرى وجهه مشوّهاً )
طارق : هذا الزجاج مكسور. ليس لأنني كسرته
بل لأنه لم يحتمل أن يرى وجهي الحقيقي
أو ربما أنا كسرته لأنني لم أحتمل أن أرى ما تبقى مني
( يجلس مرة أخرى. يمسك القبعة. يضعها على رأسه
ثم يخلعها ببطء )
طارق : في السيرك ، البلياتشو يقع. يقوم. يقع. يقوم
والناس تضحك. البلياتشو يبكي ، والناس تضحك
البلياتشو يموت ، والناس تضحك
لأن البلياتشو لا يموت أبداً. هذه هي المهنة
أن تموت كل ليلة ولا تموت أبداً
( صمت طويل. يضع يده على صدره)
طارق : قلبي هو البلياتشو ، ليس وجهي
وجهي كان قناعاً ، قناعاً أضعته منذ زمن
لكن قلبي ما زال يرتدي الأنف الأحمر
قلبي ما زال يقع ويقوم في حلبة فارغة
لا جمهور فيها إلا أنا
( يضحك ضحكة قصيرة. ثم يتوقف فجأة )
طارق : هل تعرف ما هو أصعب شيء في أن تكون بلياتشو؟
ليس أن الناس تضحك عليك
ليس أن الناس لا ترى دموعك
الأصعب أنك أنت نفسك لم تعد تعرف هل أنت حزين حقاً
أم أنك تمثل الحزن على مسرح
نسيت متى بدأ ولن ينتهي أبداً
( يقف. يذهب نحو النافذة. يفتحها قليلاً. ضوء خافت يدخل )
طارق : في الليل ، عندما يخلع كل البلياتشوهات
أنوفهم الحمراء ، ويغسلون وجوههم
ويقفون أمام أنفسهم ماذا يرون؟ هل يرون أنفسهم؟
أم يرون البلياتشو الذي كانوا عليه؟ أم يرون لا شيء؟
( يغلق النافذة. يعود إلى الكرسي )
طارق : أنا لم أعد أعرف من أنا.
أنا الرجل الذي يضع الأنف الأحمر؟
أم الرجل الذي خلعه؟
أم الرجل الذي لم يكن له وجه أصلاً؟
( صمت. يلتقط الأنف الأحمر. ينظر إليه طويلاً )
طارق : في إحدى الليالي، بعد العرض، جاءتني طفلة صغيرة
قالت لماذا كنت حزيناً؟ قلت لم أكن حزيناً ، كنت أمثل
قالت لا ، أنا رأيت. قلت ماذا رأيتِ؟ قالت رأيت قلبك
قلت كيف؟ قالت لأن قلبي أيضاً بلياتشو
( يمسح دمعة. يبتسم. لكنها ابتسامة مكسورة )
طارق : طفلة في السابعة رأت ما لم يره الجميع
لأن الأطفال يرون الحقيقة قبل أن نعلمهم أن يكذبوا
( يضع الأنف الأحمر على وجهه ببطء )
طارق : أنا بلياتشو. ليس لأنني أضحك
بل لأنني لا أستطيع أن أتوقف عن البكاء
بطريقة تجعل الناس تضحك
(يقف. يفتح ذراعيه. كأنه على خشبة مسرح.)
طارق : مرحباً بكم في سيرك قلبي
العرض الأول والأخير. أنا الرجل الذي نسي
كيف يكون إنساناً ، فتذكر أنه بلياتشو
( يضحك. يبكي. يضحك. يتوقف )
طارق : في النهاية ، كلنا بلياتشوهات
كلنا نقع ونقوم ونقع والناس تضحك
ونحن نضحك معهم لأننا لا نعرف
ماذا نفعل سوى أن نضحك
( صمت طويل. ينظر إلى الأنف الأحمر في يده
يرى كل شيء. لا يرى شيئاً )
طارق : قلبي هو البلياتشو وليس وجهي
لأن وجهي مجرد قناع ، أما قلبي فهو الحلبة التي لا تنتهي
التي لا جمهور فيها إلا أنا
( يجلس. يخلع الأنف الأحمر. يضعه على الطاولة
ينظر إليه. الأضواء تخفت ببطء)
طارق بصوت خافت : أرى أنني اكرر الكلمات
والعرض مستمر حتى بعد أن يسدل الستار
( ظلام تام. صمت. ثم صوت ضحكة بعيدة
ضحكة بلياتشو ، تختفي ببطء )
( الأضواء تعود ببطء. طارق لم يتحرك من مكانه
لكن الغرفة تغيرت. الملصقات على الجدران
أصبحت أكثر قتامة. الحقيبة في الزاوية ما زالت مغلقة
لكن الغبار عليها أكثر. كأن سنوات مرت. أو كأنها لم تمر )
طارق : ماذا يحدث بعد أن يسدل الستار؟
هل يعود البلياتشو إلى بيته؟ هل يخلع ملابسه
ويستحم وينام؟ أم أنه يبقى في الحلبة حتى الصباح،
ينتظر جمهوراً لن يأتي؟
( يقف. يمشي نحو الحقيبة. يضع يده عليها. لا يفتحها )
طارق : هذه الحقيبة أحملها معي منذ ثلاثين سنة
لم أفتحها مرة واحدة. لا أعرف ماذا فيها
ربما ملابس بلياتشو قديمة. ربما رسائل لم أكتبها
ربما حياة كاملة لم أعشها
( يترك الحقيبة. يعود إلى الكرسي )
طارق : هل تعرفون ما هو الوقت؟ الوقت ليس شيئاً يمر
الوقت هو الشيء الذي يبقى بعد أن يمر كل شيء
الوقت هو الحلبة الفارغة بعد انتهاء العرض
الوقت هو الضحكة التي علقت في الهواء ولم يسمعها أحد
( صمت. ينظر إلى يديه )
طارق : يداي كانتا تضحكان. هل تعلمون أن الأيدي تضحك؟
في السيرك، البلياتشو لا يضحك بوجهه فقط
يضحك بيديه. بقدميه. بظهره. بكل شيء إلا قلبه
القلب لا يضحك أبداً. القلب فقط يتظاهر.
( يمسك الأنف الأحمر. يضعه على الطاولة
يتحدث إليه كأنه كائن حي )
طارق : أنت يا قطعة البلاستيك الحمراء ، أنت السبب
أنت الذي جعلني أرى نفسي بلا وجه
هل تعلم أنني قبل أن أضعك كنت إنساناً؟
هل تعلم أنني قبل أن أضعك كنت أبكي مثل الناس؟
لكنك علمتني أن أبكي بطريقة مضحكة
( يضع الأنف الأحمر على وجهه. يقف
يرقص رقصة بطيئة. رقصة بلياتشو. ثم يتوقف )
طارق : هناك شيء لم أخبركم به
البلياتشو لا يختار أن يكون بلياتشو
البلياتشو يُخلق بلياتشو. مثلما يُخلق بعض الناس ملوكاً
وبعضهم عبيداً ، وبعضهم لا شيء. أنا خُلقت بلياتشو
لم أختر. لكنني قبلت. لأنني لم أكن أعرف أن هناك شيئاً آخر
( يجلس. يخلع الأنف الأحمر. يضعه على الطاولة )
طارق : الليلة سأخبركم بشيء لم أخبر به أحداً
في أول عرض لي كنت في السابعة عشرة. وقعت
لم يكن ذلك جزءاً من العرض. وقعت حقاً. تألمت
بكيت والناس ضحكوا. ضحكوا كثيراً
ضحكوا حتى ظننت أنهم يحبونني
ومنذ ذلك اليوم أنا أقع في كل عرض. لكنني لم أتألم
لم أبكِ. فقط ضحكت. لأنني تعلمت أن الألم
إذا لم يضحك، لا أحد يراه
( صمت طويل. يمسح وجهه. كأنه يمسح شيئاً لا يُرى )
طارق : هل تعرفون ما هو الوحدة؟
الوحدة ليست أن تكون وحدك
الوحدة أن تكون وسط ألف شخص ، ويضحكون
ويصفقون ، وينادون باسمك ، وأنت تعرف أنهم لا يرونك
يرون الأنف الأحمر. يرون القبعة. يرون الحذاء الكبير
لكنهم لا يرون الرجل الذي ينزف داخل الزي
( يقف. يذهب نحو النافذة. يضع يده على الزجاج
يجرح إصبعه. ينظر إلى الدم )
طارق : دمي أحمر. مثل الأنف. هل هذه مصادفة؟
أم أن الله خلق الدم أحمر ليذكرنا أننا كلنا
بلياتشوهات من الداخل؟
( يمسح الدم. يجلس. يضع رأسه بين يديه )
طارق : هناك سؤال يسألني كل ليلة قبل أن أنام
سؤال لا أستطيع أن أهرب منه. ماذا لو لم أكن بلياتشو؟
ماذا لو كنت شيئاً آخر؟ طبيباً. معلماً. أباً
ماذا لو كنت إنساناً؟ هل كنت سأكون أكثر سعادة؟
أم أن كل الناس بلياتشوهات بطريقتهم الخاصة؟
الطبيب بلياتشو يرقص على وجع المرضى
المعلم بلياتشو يضحك على جهل التلاميذ
كلنا نضع أنوفاً حمراء من نوع ما. الفرق فقط في الحجم
( صمت. يفتح الحقيبة أخيراً. يخرج منها
أنفاً أحمر صغيراً . أنف طفل )
طارق بصوت مبحوح :
هذا أنف طفلي الذي لم يولد
اشتريته يوم عرفت أنني سأكون أباً. لكنني لم أكن
( يمسك الأنف الصغير. يضعه جانب الأنف الكبير. ينظر إليهما)
طارق : أنفان. أنف بلياتشو كبير، وأنف بلياتشو صغير
لم يلبسه أحد. هل تعلمون ما هو أصعب شيء في الحياة؟
ليست الفقدان. ولا الموت. ولا الوحدة
أصعب شيء أن تحمل شيئاً لم يكن لك أبداً
وتحبه كأنه كان لك
( يضع الأنف الصغير في جيبه. يقف. يتجه نحو النافذة )
طارق : سأخبركم بآخر شيء. في كل عرض كنت أقول
لنفسي في اللحظة التي يقف فيها الجمهور ويصفق :
غداً سأخلع الأنف. سأكون إنساناً. غداً
وفي كل غد أضع الأنف من جديد. ليس لأنني مجبور
بل لأنني لا أعرف كيف أكون بدونه
( يضع الأنف الأحمر. ينظر إلى زجاج النافذة
يرى نفسه. لأول مرةز، يرى نفسه )
طارق : أنا بلياتشو. ليس لأنني أضحك
بل لأنني لا أعرف كيف أكون شيئاً آخر
( يضحك. ضحكة مختلفة. ضحكة حرّة. ثم يتوقف )
طارق : لكن الليلة لن أضحك. الليلة سأترك الأنف
على الطاولة. سأفتح النافذة. سأنظر إلى القمر
وسأقول لنفسي بصوت لم أسمعه منذ زمن :
أنت لست بلياتشو. أنت رجل يحمل قلب بلياتشو
وهذا ليس عيباً. هذا ليس لعنة. هذا ليس نهاية. هذا بداية
( يجلس. يخلع الأنف. يضعه على الطاولة
لكنه لا يتركه. يمسك به. بحنان )
طارق : سأحتفظ بك. ليس لأنني سألبسك غداً
بل لأنك تذكرني أنني كنت أضحك حتى في أحلك الليالي
وأن قلبي الذي هو بلياتشو ما زال ينبض
وما زال يقع ويقوم. وما زال يضحك حتى وهو يبكي
( صمت. ينظر إلى القمر من النافذة. يبتسم. ابتسامة حقيقية )
طارق : في النهاية كلنا بلياتشوهات
لكن بعضنا يعرف أنه بلياتشو في تعاسة
وبعضنا لا يعرف في سعادة. والفرق بيننا ليس في الأنف
الفرق في القلب. القلب الذي يختار أن
يضحك حتى وهو مكسور
( الأضواء تخفت ببطء. يمسك الأنف الأحمر
يضعه على قلبه. يبقى هناك. الأضواء تنطفئ )
طارق بصوت خافت جداً :
والعرض مستمر. ليس لأن البلياتشو لا يموت
بل لأن القلب لا يعرف كيف يتوقف عن الحلم
( ظلام تام. صمت طويل. ثم صوت نبض قلب
بعيد. يقترب. ثم يختفي )
( الأضواء تعود. لكن الغرفة مختلفة. الغرفة فارغة تماماً
لا كرسي. لا طاولة. لا حقيبة. فقط الأنف الأحمر
في وسط الغرفة على الأرض. وطارق يجلس
على الأرض بجانبه. يرتدي ملابس عادية
لا زي بلياتشو. وجهه هادئ. ليس حزيناً
ليس سعيداً. فقط هادئ )
طارق : مرحباً. أنا لست بلياتشو. الليلة أنا مجرد رجل
جلس على أرض كانت يوماً حلبة
وقال لنفسه لن أضحك الليلة. ولم يضحك. لم يبك
فقط جلس. وتنفس. وتذكر كل شيء
( صمت. يمسك الأنف الأحمر. يضعه في جيبه
يقف. ينظر حوله. الغرفة فارغة
لكنه لا يخاف. لأول مرة لا يخاف )
طارق : في البداية كنت أظن أن البلياتشو شخصية
ثم ظننت أنه قناع. ثم ظننت أنه لعنة
ثم ظننت أنه هوية. ثم ظننت أنه قلبي
ثم اكتشفت أنه ليس شيئاً من هذا كله
البلياتشو ليس شخصية. ولا قناعاً. ولا لعنة
ولا هوية.ولا قلباً. البلياتشو مرآة
مرآة نرى فيها ما لا نريد أن نراه في أنفسنا
( يمشي ببطء. كأنه يمشي على خشبة مسرح
لكنه لا يمثل. فقط يمشي )
طارق : كل ضحكة ضحكتها كانت مرآة
كل دمعة لم أذرفها كانت مرآة
كل ليلة وقفت فيها على المسرح وحدي كانت مرآة
وكل مرة نظرت فيها إلى الجمهور وهم يضحكون
كنت أرى نفسي في عيونهم. وأكره ما أرى
( يتوقف. ينظر إلى يديه. يفتحهما. يغلقهما. يفتحهما )
طارق : لكن الليلة فتحت يدي ولم أجد الأنف الأحمر
وجدت يدي. فقط يدي. عشر أصابع. خطوط كثيرة
تجاعيد كثيرة. ودم يسري ببطء.
هل تعلمون أنني لم أنظر إلى يدي منذ سنوات؟
لم أنظر إلا إلى القفاز. القفاز الأبيض الكبير
القفاز الذي كان يخفي كل شيء.
( يجلس مرة أخرى. يضع يديه على الأرض
يشعر بالبرودة. يشعر بالحياة )
طارق : هناك سؤال لم أسأله لنفسي أبداً. لماذا أنا حزين؟
ليس لماذا أنا بلياتشو. بل لماذا أنا حزين؟
هل لأنني وحيد؟ هل لأنني لم أحب؟ هل لأنني لم أعش؟
هل لأن طفلي لم يولد؟ أم لأنني ببساطة أنا؟ فقط أنا؟
( صمت طويل. يرفع رأسه. ينظر إلى السقف. كأنه يرى شيئاً )
طارق : في إحدى الليالي بعد عرض في مدينة صغيرة
جاءني رجل عجوز. قال لي كنت بلياتشو مثلك
منذ خمسين سنة. والآن أنا مريض. سأموت
وأريد أن أخبرك بشيء واحد. قلت ماذا
قال البلياتشو ليس من يضع الأنف الأحمر
البلياتشو هو من يخلعه في النهاية ويقول
كنت أضحك لأخفي دموعي. لكن دموعي كانت حقيقية
وضحكاتي كانت حقيقية. وأنا كنت حقيقياً
حتى وأنا أرتدي الأنف. ثم مات. في اليوم التالي
ولم يحضر جنازته أحد. لأن البلياتشوهات لا يموتون
في الصحف. يموتون فقط في الحلبات الفارغة
( يمسح دمعة. لا يخفيها. يتركها تسقط. تنزل على الأرض
طارق : هذه الدمعة ليست للبلياتشو العجوز
هذه الدمعة لي. لأنني أول مرة منذ سنوات أبكي
ليس لأن أحداً يراني. بل لأنني أنا أرى نفسي
( يقف. يأخذ الأنف الأحمر من جيبه. ينظر إليه. طويلاً
ثم يضعه على الأرض. في وسط الغرفة. يتركه هناك )
طارق : سأتركك هنا. ليس لأنني أكرهك
بل لأنني أحبك كثيراً. لدرجة أنني لم أعد أعرف
أين أنتهي أنا وتبدأ أنت. والليلة أريد أن أعرف
أريد أن أرى من أنا بدونك
ليس لأنني أخاف من ما سأراه
بل لأنني أخاف من ألا أرى شيئاً
(يبتعد. خطوة. خطوتان. ثلاث. يتوقف. ينظر خلفه
الأنف الأحمر وحيد على الأرض. يبتسم
ابتسامة غريبة. ابتسامة رجل يودع نفسه القديمة )
طارق : في كل حلبة فارغة هناك بلياتشو ينتظر
ينتظر من سيأتي ليخلعه. أو ليلبسه. أو ليقتله
أو ليحييه. وأنا اليوم اخترت. اخترت أن أكون الذي يأتي
الذي يخلع. الذي يحيي. ليس البلياتشو. بل طارق
الرجل الذي كان خلف الأنف. خلف القناع. خلف كل شيء
( الأضواء تبدأ تخفت. الرجل يقف في وسط الغرفة
الأنف الأحمر على الأرض. بعيداً عنه
لكنه ينظر إليه. بحب. بحزن. بامتنان )
طارق بصوت هادئ : شكراً لك. لأنك علمتني أن أضحك
لكن الأصعب أنك علمتني أن أضحك حتى وأنا حزين
لكن الليلة أريد أن أتعلم شيئاً جديداً
أريد أن أتعلم كيف أحزن حتى وأنا سعيد
كيف أبكي حتى وأنا أضحك
كيف أكون إنساناً حتى وأنا بلياتشو
( ظلام. صمت. ثم صوت. ليس ضحكة
ليس بكاء. صوت تنفس. صوت رجل يتنفس
ببطء. بعمق. لأول مرة يتنفس )
( الأضواء تعود. الغرفة ليست غرفة. إنها شارع
أو ما يشبه الشارع. الرجل يمشي. ببطء. لا أنف أحمر
لا قبعة. لا زي. فقط رجل يمشي. في يده حقيبة صغيرة
الحقيبة التي لم يفتحها منذ سنوات. لكنها الآن مفتوحة )
طارق : في الصباح بعد أن تركت الأنف على الأرض
فتحت الحقيبة. وأخرجت كل شيء. ملابس البلياتشو
القبعة. القفازات. الأحذية الكبيرة. وورقة
ورقة لم أكتبها أنا. ورقة كتبها رجل عجوز
رجل كان بلياتشو قبلي. ورقة أعطاني إياها قبل أن يموت
( يتوقف. يجلس على رصيف. يفتح الحقيبة
يخرج ورقة قديمة. يقرأ منها. بصوت مرتجف )
طارق يقرأ : إلى من سيأتي بعدي
إلى البلياتشو الذي لم يولد بعد
اعلم أن البلياتشو ليس من يضحك الناس
البلياتشو هو من يجعل الناس يضحكون وهم يبكون
هذا ليس عيباً. هذا رسالة. رسالة لك
لتقول للناس إن الحزن ليس نهاية العالم
وإن الضحك ليس بداية السعادة. كل شيء في الوسط
في المنتصف. بين الضحكة والدمعة
هناك أنت. هناك قلبك. هناك الحقيقة
لا تخجل من أنفك الأحمر. لكن لا تنسَ أن تحته وجه
وجه أعرفه. وجه لم أره. لكنني أحببته
لأنني كنت مثلك بلياتشو. لكنني لم أخلع الأنف.
لم أجرؤ. فخلعه هو عني
( يطوي الورقة. يضعها في جيبه. يمسح عينيه
يقف. يمشي. لكنه يمشي بشكل مختلف
أسرع. أخف. كأنه يحمل شيئاً أخف )
طارق: الرجل العجوز كان يعرف. منذ البداية
كان يعرف أنني سأكون بلياتشو. لكنه لم يقل لي لا تكن
قال لي كن بلياتشو لكن لا تنسَ وجهك. ونسيت
نسيت وجهي. نسيت اسمي. نسيت
أنني قبل أن أكون بلياتشو كنت طفلاً
طفلاً كان يخاف من الظلام
طفلاً كان يحلم أن يكون طياراً
أو طبيباً. أو أباً. أو لا شيء. فقط إنساناً
فأصبح كاتباً ، خلف وجه بلياتشو .
( يتوقف. ينظر إلى السماء. الشمس تشرق
لأول مرة يرى الشمس. حقاً يراها.)
طارق : هل تعلمون ما هو أصعب شيء في أن تكون بلياتشو؟
ليس أن تضحك الناس. ليس أن لا يروا دموعك
الأصعب أن تنسى أنك كنت إنساناً قبل أن تصبح بلياتشو
وأن الإنسان الذي كنت، ما زال هناك
تحت الأنف. تحت القبعة. تحت كل شيء
( يجلس على مقعد. يفتح الحقيبة. يخرج الأنف الأحمر
ينظر إليه. يبتسم. ابتسامة حقيقية )
طارق : لم استطع أن أتركك وأمضي
سأحتفظ بك. ليس لأنني سألبسك. بل لأنك جزء مني
مثل يدي. مثل قلبي. مثل ذاكرتي. أنت لست لعنتي
أنت لست قناعي. أنت لست هويتي
أنت مجرد أنف أحمر صغير. أنا وضعته يوماً على وجهي
لأخفي وجهي. لكن الليلة أعرف أن وجهي لم يختفِ أبداً
كان هناك. تحتك. طوال الوقت
( يضع الأنف الأحمر في جيبه. يقف. يمشي
لكنه لا يمشي كبلياتشو. ولا كرجل حزين
يمشي كإنسان. فقط إنسان. في شارع
في صباح. في حياة جديدة أو قديمة. لكنها حياته )
طارق : في النهاية كلنا بلياتشوهات.
كن بعضنا يعرف وبعضنا لا يعرف. وبعضنا يعرف وينكر
وبعضنا لا يعرف ويعيش. وأنا اليوم أعرف. وأعيش
هذا كل شيء. هذا كل ما أردت قوله
هذا كل ما أردت أن أكون. رجل يحمل قلب بلياتشو
ويعرف أن هذا ليس نهاية العالم. بل بداية قلب جديد
( الأضواء تخفت ببطء. طارق يختفي في ضوء الصباح
الأنف الأحمر في جيبه. الحقيبة في يده
الورقة في قلبه. والعرض ينتهي. لكن الحياة تبدأ )
طارق بصوت بعيد لكنه قريب :
والعرض مستمر. ليس لأن البلياتشو لا يموت
بل لأن الإنسان لا يموت أبداً. طالما هناك قلب يتذكر
وهناك وجه لم يُنس. وهناك أنف أحمر
في جيب رجل تعلم أن يكون إنساناً
إظلام تام
طارق : ' قلبي هو البلياتشو وليس وجهي '
ستار

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: