قراءة نقدية:" الدلالات النفسية والوجودية في خدمة الميتاسرد" "رواية سطور من دفتر أحوال شارع 9 نموذجا

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 قراءة نقدية:" الدلالات النفسية والوجودية في خدمة الميتاسرد"

"رواية سطور من دفتر أحوال شارع 9 نموذجا".

الكاتبة المصرية: د. وداد معروف

الناقدة التونسية: جليلة المازني




المقدمة:


تنتمي رواية" سطور من دفتر أحوال شارع 9" للأديبة وداد معروف الى تيار الواقعية الاجتماعية الجديدة حيث تتجاوز مجرد رصد تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة لتغوص في عمق البنية النفسية والأبعاد الوجودية للشخصيات المأزومة داخل فضاء العمل والمجتمع البيروقراطي.


تتمحور الأزمة النفسية والوجودية للبطلة (التي تتشكل عبر ثنائية التمزق بين واقع الوظيفة وفضاء الابداع كشخصية منار سلام وزميلاتها في رواية "سطورمن دفتر أحوال شارع 9" للكاتبة وداد معروف حول فكرة القهر المركب الذي يستهدف محو الذات وإلغاء استقلاليتها الإنسانية


* تجليات الأزمة العميقة (النفسية والوجودية):


1- الأزمة النفسية (تفتت الهوية والإنهاك)


أ- الصدمة التراكمية و"الوأد المعنوي":


 تعيش البطلة أزمة نفسية ناتجة عمّا يصفه النقاد ب "الوأد المعنوي والعيش في غياهب الصمت المطبق".


هذه الأزمة تبدأ منذ الطفولة عبر التنشئة التي تفرض التبعية وتصادر حق الإختيار تقول البطلة منار: "لم أعد أنا منار الصغيرة التي تفعل ما يقرره لها غيرها".


ب - آلية القهر الناعم والإنهاك:


 تواجه البطلة منار داخل بيئة العمل البيروقراطية الصارمة آلة صمّاء تبتلع وعيها ووقتها.  وتصف منار الوضع بمرارة فتقول: " نحن نتحمل الغضب وهم يملكون القرار"


هذا الروتين والتكرار اليومي لا ينهك جسدها فحسب بل يمارس عليها قمعا نفسيا غير مباشر يعيد تنظيم صلتها بذاتها مما يؤدي الى تشظي الهوية الأنثوية والوظيفية والى شعور دائم بالاغتراب والتوتر الصامت. تقول:


"أفتح الدفتر كل صباح أراجع أسماء لا أعرف أصحابها وأوقع على أحوال بشر لا أملك تغييرها." وتقول أيضا:


" الملف لا يرى وجهك يرى رقمك فقط".


ج - العلاج بالكلام وتفريغ المكبوت:


تظل الذات نفسيا في حالة احتقان داخلي نتيجة المسكوت عنه اجتماعيا ومؤسسيا.


لا تجد البطلة فِكاكا من هذا المكبوت النفسي المتراكم إلا عبر ما يُعرف في التحليل النفسي ب "العلاج بالكلام "والذي نقلته الكاتبة من العيادة النفسية التقليدية الى فعل الكتابة الإبداعية.


فتبرز الكتابة في الرواية كمتنفس وملاذ رمزي تُعيد من خلاله الذات ترتيب شتاتها ومقاومة القهر الخفي.


د- دلالة المكان وتأثيره النفسي:


يمثل شارع 9 " والفضاء المؤسسي الحكومي المحيط به ضغطا نفسيا معاكسا اذ تحوّل المكان الذي كان من المفترض أن يحمل الراحة والهدوء لبطلة انتقلت حديثا للمدينة الى فضاء يمارس نوعا من الحبس والانكسار التدريجي.


و- عتبة "دفتر الأحوال":


 لقد استخدمت الكاتبة عنوانا مستوحى من لغة السلطة والدفاتر الرسمية (دفتر الأحوال) يعكس نفسية مقلوبة للمألوف حيث يتم استخدام لغة الضبط الإداري لتسجيل انكسارات الجسد والروح وفضح آليات القهر.


2- الأزمة الوجودية:(الاستلاب ومقاومة المحو):


يتجلى البعد الوجودي في رواية "سطور من دفتر أحوال شارع 9 للكاتبة وداد معروف من خلال مواجهة الانسان المعاصر (خاصة المرأة) لصراعه المرير ضد الآلات المؤسسية والبيروقراطية والمجتمعية التي تسعى لمحوه وتحويله الى مجرد سطر عابر في دفترأصمّ.


* أبرز ملامح البعد الوجودي بالرواية:


أ- صراع الحرية مقابل التبعية:


 تتبدى الأزمة الوجودية في أوضح صورها عندما تصطدم البطلة بمنظومة اجتماعية وأبوية تحاول تحويلها الى كائن مسلوب الإرادة مجرد من الحق في صياغة مصيره البسيط الازمة تجسد أزمة"وجود"


هل هي ذات حرة تملك مصيرها أم هي مجرد ترس في آلة؟


ب- الكتابة كمعطف وجودي بديل:


في هذا الإطار يقارن الناقد أحمد عبد الله إسماعيل أزمة البطلة بأزمة شخصية" اكاكي" في الادب الروسي الذي مات كمدا بعد سرقة معطفه لكن بطلة الكاتبة وداد معروف ترفض الموت والمحو وتختار "الكتابة كمعطف وجودي" يحميها.


السطور التي تُدوّنها ليلا هي أداة لاسترداد الذات حيث تتحول من موظفة مسحوقة نهارا الى ذات واعية تفكك بنية القهر ليلا.


ج- انتصار الوعي والرفض الوجودي:


تنتهي أزمة البطلة الوجودية بالنضج والتحرر الروحي.


اطلاقها لصرخة الرافض وال "لا وألف لا" في نهاية النص يمثل قمة التمرد الوجودي اذ تعلن صراحة الانتقال من طور الضحية المستسلمة الى طور الذات الحرة التي استعادت صوتها المقيد وامتلكت سلطتها الرمزية عبر القلم.


 هذه الازمة لا تقدمها الرواية كحالة فردية معزولة بل تجعل من الشخصيات المحيطة (مثل حنان وسهام) مرايا متعددة تعكس أزمة البطلة لتؤكد ان المعاناة النفسية والوجودية للمرأة العاملة هي قضية جماعية ناتجة عن نسق مؤسسي واحتماعي يحتاج الى تفويض.


3- البعد الميتاسردي في الرواية:


ان الكتابة تجسد نقطة تقاطع للبعدين النفسي والوجودي باعتبارها فعل مقاومة فالرواية تكشف عن وعيها بذاتها وبآلية كتابتها حيث يتحول فعل الكتابة نفسه الى جزء من الحبكة الروائية وهذا ما اصطلح عليه النقاد بالميتاسرد وهو من أبرز التقنيات الحداثية والتجريبية في الرواية المعاصرة.


والكاتبة وداد معروف قد استخدمت هذه التقنية بذكاء كبير لتعميق الدلالات النفسية والوجودية لعملها وقد تجلى استخدامها للميتاسرد من خلال:


أ- تشظي الهوية بين الموظفة " و"الكاتبة":


يظهر الميتاسرد من خلال البناء النفسي للبطلة منار التي تعيش تمزقا وجوديا كبيرا:


- انها من جهة موظفة محاصرة داخل نسق بيروقراطي وإداري خانق ومطحون بالتفاصيل الرتيبة.


- انها من جهة أخرى كاتبة تتأمّل هذا الواقع وتكتب عنه.


وفي هذا الإطار يصبح النص وعاء يناقش فيه النص نفسه وتتحول تجربة إنتاج الكتابة الروائية الى الحدث الرئيسي.


تقول الكاتبة باسم "منار" في فصل "أطياف راحلة":


" في المساء أكون كاتبة تُناقَش روايتها وفي الصباح أعود موظفة أبحث عن ملف ضائع"


وتقول منار أيضا:" في القاعة كانوا يتحدثون عن بطلة روايتي بينما كنت أفكر في ملف ينتظر توقيعي صباح الغد".


ب - الكتابة باعتبارها وعيا ذاتيا وملاذا (النص الواعي بذاته):


استخدمت الكاتبة تقنية الميتاسرد لتبين وجهة نظر الشخصية للكتابة:


تقول البطلة منار: "أكتب لأتنفس لا لأغيّر العالم"


ان الكاتبة هنا تمارس الميتاسرد فالنص لا يكتفي بالحكي بل يتأمل وظيفته وحدوده ويُعلن للمتلقي أن الكتابة هي الملاذ الوحيد لمقاومة القهر والمحو المؤسسي.


ج- كسر الجدار الرابع (كسر الايهام بالواقع) وتداخل المستويات:


من خلال اقحام الهواجس المتعلقة بالكتابة وكيفية صياغة المصائر تكسر الكاتبة بامتياز "الجدار الرابع" التقليدي مع القارئ(الايهام بالواقع).


ان القارئ لا يتابع فقط حكاية تجري في "شارع 9" أوداخل المؤسسة التعليمية والإدارية بل يتابع أيضا كيف تصاغ هذه الحكاية وكيف تتشكل جماليات المقاومة عبر الكلمات.


د – بنية التشظي والمقاومة الفنية:


لقد اتسق الميتاسرد مع عتبات النص:


- العنوان "سطور من دفتر أحوال.." يشير الى بنية متشظية عمدا ترفض الحبكة الارسطية التقليدية(بداية / وسط/ نهاية).


ان هذا التفكيك والوعي بآليات البناء السردي جعل من الرواية عملا تجريبيا بامتياز ينتمي الى "تيار الواقعية الاجتماعية الجديدة " التي تنفذ الى البنية الثقافية والنفسية خلف المكاتب والملفات.


الخاتمة:


واختم لاقول: لئن جسدت رواية "سطور من دفتر أحوال شارع 9" للكاتبة وداد معروف دلالات ذات بعدين نفسي ووجودي فان الرواية تتحدث بامتيازعن نفسها وعن هاجس الكتابة باستخدام تقنية الميتاسرد.


بتاريخ 20/ 10/ 2026

شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: