قصة قصيرة
وقف أمام القاضي ، هادئا على نحو أدهش الجميع .
لم يطلب الرحمة ، ولم يحاول أن ينكر شيئا قائلا :
نعم ، أنا مذنب .
ساد الصمت .
ثم رفع عينيه إلى أبيه ، الجالس في آخر القاعة ، وقال :
ـ لكنني لست مذنبا وحدي !!! .
سأله القاضي متعجبا : ماذا تعني ؟
ظل لحظة صامتا ، ثم قال:
كانت تلك لحظة الجريمة سيدي القاضي أما بدايتها ، فكانت أبعد من ذلك بكثير .
كان الأب يحب ابنيه .
هكذا كان يعتقد ، وهكذا كان يقول ،
لكن الابن الأكبر كان يشبهه.
نفس البنية الرياضية ، ونفس حب المنافسة ، ونفس الحضور الذي يجذب الانتباه .
كان الأب يصحبه إلى النادي ، يجلس إلى جواره في المباريات ، ويفرح بانتصاراته كأنها انتصاراته هو .
أما الأصغر ، فكان هادئا ،
يحب الكتب ، ويقضي ساعات طويلة وحده ، ولا يفهم لماذا يستطيع أخوه أن يملأ المكان بمجرد دخوله ، بينما يحتاج هو إلى أن يتحدث كثيرا كي يراه والده .
لم يقل الأب يوما أنا أحب أخاك أكثر منك ، لكنه كان يردد كثيرا :
انظر إلى أخيك ،
وفي مرة أخرى لماذا لا تتعلم من أخيك؟
، وحين يضيق صدره يقول له :
لماذا لا تصبح مثله؟!
كان الأب يقولها ثم ينساها بعد دقائق ،
لكن الصغير كان يأخذها معه إلى غرفته.
كبر الأخوان ،
وباعدت بينهما تلك الكلمات .
كان الأكبر ينجح ، فيضيء وجه الأب .
وكان الأصغر ينجح ، فيربت الأب على كتفه قائلا :
الحمد لله ، استمر هكذا حتى تصبح متميزا مثل أخيك .
في البداية كان الصغير يبتسم.
ثم صار يصمت.
ثم صار يرى أخاه بعين أخرى .
لم يعد أخا فقط ،
لكنه صار ميزانا يقيس به أبوه قيمته .
في ذلك المساء ، بدأ الشجار بكلمة ،
ثم ارتفعت الأصوات .
قال الأخ الأكبر ، غاضبا : أنت طول عمرك شايف نفسك مظلوم !
توقف الأصغر ونظر إليه طويلا ، وقال:
لأني فعلا طول عمري كنت مظلوم .
دخل الأب على صوت الشجار .
لم يسأل كثيرا ، لكنه قال للأصغر غاضبا :
كفاية ، أنت دائما تفتعل المشاكل مع أخيك ،
ثم التفت إلى الأكبر قائلا بصوت أقل حدة : وأنت اتركه .
ابتسم الأصغر ابتسامة قصيرة .
قائلا لأبيه :
حتى الآن؟
نظر إليه الأب باستغراب :
ماذا تقصد؟
هز رأسه ، لا أقصد شيئا ، واستدار مغادرا
ناداه أخوه منفعلا : توقف
التفت إليه والغضب يرتسم على وجهه .
كانت لحظة قصيرة ،
لكن شيئا كثيرا كان قد سبقها .
اندفع نحوه ودفعه بشدة .
ارتطم رأسه بحافة الطاولة، وسقط أرضا.
عاد صوت القاضي:
هل كنت تقصد قتله؟
لا.
هل توقعت أن يموت؟
هز رأسه : لا .
ـ فلماذا لم تتوقف؟
رفع عينيه ، وقال بصوت خافت :
تمنيت لو أنني توقفت قبل ذلك بسنوات ،
ثم سكت .
وأضاف قائلا بأسى : أخي مات بسببي. وهذه جريمتي ، ولن أهرب منها .
نظر إلى أبيه .
لكنني أتمنى ألا تنظروا إلى جريمتي فقط ، انظروا إلى الطريق الذي أوصلني إليها.
لم يرفع الأب عينيه.
كان يسمع صوت ابنه ، ويرى أمامه طفلا صغيرا يحمل حقيبته المدرسية، يقف إلى جوار أخيه بعد مباراة .
كان يقول له :
انظر إلى أخيك
ثم يرى مشهدا آخر .
تعلم من أخيك وكن مثله .
ثم ثالثا :
لماذا لا تستطيع أن تصبح مثله؟
ثلاث جمل فقط ،
لكنها بدت له الآن أطول من عمر .
انتهت المحاكمة.
عاد الأب إلى البيت ودخل غرفة ابنيه.
كانت الأشياء في أماكنها.
كتب الأصغر فوق المكتب.
وحذاء أخيه الرياضي بجوار السرير .
وعلى الحائط صورة قديمة تجمعهما معا ، طفلين يضحكان ، قبل أن يعرف أحدهما أن الآخر سيصبح يوما خصمه .
جلس الأب أمام الصورة طويلا.
مد يده إليها ، ثم سحبها.
وعاد إلى ذاكرته صوت ابنه وهو يقول :
حتى الآن؟ ، لكنه هذه المرة فهم معناها.
لم تكن سؤالا.
كانت حصيلة سنوات.
تذكر قول الله تعالى:
" اعدلوا هو أقرب للتقوى " ،
وبدا له لأول مرة ، أن العدل بين الأبناء ليس في الأشياء التي توضع في أيديهم فقط!!
، بل في تلك المساحة الخفية التي يحتاج فيها كل ابن إلى أن يشعر أنه محبوب كما هو .
رفع الصورة مرة أخرى .
كان الولدان يضحكان ، أما هو فكان يبكي .
فقد ابنا إلى الأبد ،
والآخر سيقضي ما تبقى من عمره يحمل جريمته في ذاكرته ، ويحمل ذنبه أمام ضميره .
وبقي السؤال معلقا في قلب الأب :
هل ظلمتهما وظلمت نفسي ؟
وهل حصدت ما غرسته يدي ؟.
التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: