حكاية صباح
في الثالثة فجرًا، توقف الزمن. ولم يكن أحد ليعرف.
في حي «النخيل»، كانت الشوارع تتنفس بصعوبة. الضباب يلتفّ حول الأعمدة كأفعى تبحث عن دفء. والمصابيح الكهربائية تنبض… تنبض… ثم تخفت، كأنها تنسى لماذا أُضيئت أصلًا. في تلك اللحظة بالذات، توقفت عقارب ساعة الحائط في دكان صغير عند ناصية الشارع. توقفت عند 3:57. ولم تعد.
إلا أن امرأة واحدة لاحظت.
كانت واقفة خلف منضدة خشبية، تضع إبريقًا معدنيًا على النار. يدها لا ترتجف. عينها لا ترمش. كانت تعرف أن هذه الليلة مختلفة. الهواء أثقل. الرطوبة أبرد. وحتى اللهب الأزرق تحت الإبريق كان يرقص ببطء غريب، كأنه يخشى أن ينطفئ.
صباح. المرأة التي لا تنام.
لم تكن بائعة شاي. كانت حارسة الفجر. منذ سبع سنوات، تفتح دكانها في الثالثة فجرًا. تغلي الماء. ترتّب الأكواب. تنتظر. ليس لأن الناس عطشى في هذا الوقت، بل لأن أحدهم قال لها يومًا جملة لم تنسها:
«إذا لم يشرق الصباح، فمن سيذكر يوسف؟»
يوسف. ابنها. الذي أخذه الحريق. كان عمره سبع سنوات. كان يحب الشاي بالحليب. كان يقول: «أمي، خبزك يجعل الصباح أقرب.»
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد صباح تنام. لأنها إن نامت، من سيوقظ الصباح؟
الباب كان مفتوحًا. لم تفتحه الريح. لم يفتحه أحد. كان مفتوحًا… كأنه كان دائمًا كذلك. ثم دخل رجل.
طويل. نحيل. معطف أسود طويل، كأنه حيك من ظلّ. قبعة قديمة تخفي نصف وجهه. لم يرنّ جرس الباب. لم تُسمع خطواته على البلاط. فقط… ظهر. كأنه كان هناك منذ البداية، والضوء لم ينتبه إليه إلا الآن.
قال بصوت يشبه حفيف ورق ميت تحت حذاء:
— كوب شاي. بلا سكر.
رفعت صباح عينيها. لم تفزع. لم تتراجع. قالت بهدوء:
— الماء لم يغلي بعد.
قال:
— لن يغلي. ليس هذه الليلة.
نظرت إلى النار. كانت مشتعلة. لكن الماء… ساكن. لا فقاعة. لا بخار. كأن الزمن تجمّد داخل الإبريق المعدني. كأن اللحظة رفضت أن تمضي.
— من أنت؟
اقترب خطوة. انطفأ مصباح الشارع الأول.
— أنا ما يبقى بعد أن يذهب الناس. أنا الليل الذي لا يريد أن ينتهي. أنا الذنب الذي لا يغفو.
انطفأ المصباح الثاني.
— أنا ما ترينه في المرآة عندما تغلقين الدكان. أنا الصوت الذي تسمعينه قبل الأذان. أنا… ما كنتِ تهربين منه كل فجر.
انطفأ المصباح الثالث. توقف قلب صباح. أو هكذا ظنت.
اقترب الرجل أكثر. كان الهواء حوله باردًا. لم يكن بردًا عاديًا. كان بردًا يشبه الغياب. يشبه الفراغ الذي يتركه من نحب عندما يرحلون.
قال:
— أنا أعرفك يا صباح. أعرف أنك لا تنامين. أعرف أنك تحملين ذنبًا. أنتِ لم تخرجي يوسف من الحريق. تركتِه. أليس كذلك؟
شعرت بطعنة. في الصدر. في المكان الذي لا يشفى.
— اسكت.
— لماذا؟ لأنني أقول الحقيقة؟ أنتِ تفتحين دكانك كل فجر. توزعين الشاي. تقولين «صباح الخير» لكل من يمر. لكنك في الداخل… ما زلتِ هناك. في تلك الليلة. في الحريق. في الثالثة فجرًا. تسمعين صراخه. وترين النار تأكله. ولا تفعلين شيئًا.
— اسكت!
صرخت. لأول مرة منذ سبع سنوات، صرخت. اهتزت الأكواب على الرف. سقط أحدها. انكسر. كان الكوب الأزرق. كوب يوسف.
انحنى الرجل. التقط الشظية. نظر إليها. ثم أخرج من جيبه شيئًا آخر. حقيبة صغيرة. جلدية. محترقة من الحواف. حقيبة يوسف.
— أطفئي النار، واتركي الظلام. سأعيده لك. سأعيد يوسف.
توقف الزمن. حقًا هذه المرة. لم تسمع شيئًا. لا صوت النار. لا صوت المطر. لا صوت قلبها. فقط… وجه يوسف. ضاحكًا. يمسك الحقيبة. يركض نحوها.
قال الرجل:
— أمامك دقيقتان. إذا غلى الماء، سيولد الصباح. وسيذهب يوسف إلى الأبد. وإذا أطفأتِ النار، سيبقى الليل. لكنك ستحتضنين ابنك مرة أخرى. إلى الأبد.
نظرت إلى الساعة. كانت لا تزال عند 3:57. لكنها سمعت دقات. دقات في رأسها. أو ربما كانت دقات قلب يوسف. أو ربما… دقات قلبها هي.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا.
سعال. صغير. مبلل. طفل يقف عند الباب. وجهه شاحب. ملابسه ممزقة. يحمل حقيبة أكبر من ظهره. كان يرتجف. من البرد. أو من الخوف.
قال بصوت مبحوح:
— هل عندك خبز يا صباح؟ أمي قالت إنك لا تنامين.
نظرت إليه. لم يكن يوسف. لكنه كان يشبهه. في العينين. في الطريقة التي يمسك بها الحقيبة. في الصوت المرتجف.
قال الرجل، بهدوء سام:
— اخسري هذا الطفل. واكسبي يوسف.
نظرت صباح إلى الرجل. إلى الحقيبة المحترقة. إلى الطفل. إلى النار. إلى الإبريق. إلى الساعة المتوقفة. ثم… أدركت.
الرجل لم يكن الليل. لم يكن الشيطان. لم يكن الموت.
الرجل كان… حزنها. كان ذنبها. كان الجزء منها الذي يريد أن يوقف الزمن. حتى لا تتقدم الحياة. حتى لا تنسى. حتى لا تشفى. لأن الشفاء… خيانة. أليس كذلك؟ أن تبتسمي بعد أن مات ابنك؟ أن تعطي طفلًا آخر خبزًا؟ أن تقولي «صباح الخير» وكأن شيئًا لم يحدث؟
أخذت كوبًا. كوب يوسف. الأزرق. المشقوق. وضعت فيه الشاي. رفعت الإبريق. سكب الماء المغلي. تصاعد البخار كأنه صرخة.
ثم رفعت الكوب، ونظرت في عيني الرجل. وقالت:
— صباح الخير يا يوسف.
ورمته في وجهه.
لم يصرخ. لم يهرب. تبخر. تبخر كأنه لم يكن. كأنه وهم. كأنه ظل انسحب عندما قررت ألا تخاف منه بعد الآن.
انفتحت النافذة. دخل الهواء. اشتعلت النار. وغلى الماء. وفي الخارج، بدأت السماء تتشقق عن ضوء باهت. مصباح. ثم آخر. ثم آخر.
نظرت صباح إلى الطفل الواقف عند الباب. كانت يداها ترتجفان. لكنها ابتسمت. قطعت رغيفًا. وضعت فيه قطعة جبن. مدتها إليه.
— خذ. الصباح يحتاج إلى من يأكله.
جلس الطفل على الرصيف. أكل. نظر إلى السماء. ثم قال:
— اسمي يوسف.
توقف الزمن لحظة. ثم عاد. لم تسأله صباح عن شيء. لم تقل شيئًا. فقط نظرت إلى الشمس وهي تشرق. ثم وضعت ماءً جديدًا على النار. لأن هناك من سيأتي. هناك من يحتاج إلى كوب شاي. هناك من يحتاج إلى من يقول له: «صباح الخير.»
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل الحي يقولون:
«الصباح لا يأتي من السماء. يأتي من يد امرأة اسمها صباح. ومن قلب يعرف أن الحياة لا تتوقف عند الحريق، بل عند أول رغيف تقدمه لطفل جائع.»

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: