*قَالَهَا أَبِي قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْمَوْتُ مِنْ بَيْنِنَا:*
*"تَكَاتَفُوا... هَذَا الْبَحْرُ لَا يُعْبَرُ إِلَّا إِذَا كُنْتُمْ إِخْوَةً صَادِقِينَ."*
ثُمَّ رَحَلَ، وَتَرَك لنا الْقَارِبَ.
لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَقِيلَةٌ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، وَأَنَّ الْأَلْوَاحَ الَّتِي شَدَّهَا أَبِي عُمْرًا كَامِلًا، سَيَنْتَزِعُهَا إِخْوَتِي لَوْحًا لَوْحًا وَيَمْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي جِهَةٍ.
لَمْ يَبْقَ مِنَ الْقَارِبِ إِلَّا هَيْكَلُهُ، وَمِنَ الْعَزَاءِ إِلَّا خَيْمَتُهُ السَّوْدَاءُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، وَمِنَّا إِلَّا حُزْنٌ لَا يَنْقَشِعُ.
أَبْحَرُوا... وَكَانَ الْبَحْرُ أَعْلَى مِنْهُمْ، وَأَمْوَاجُهُ أَوْسَعُ مِنْ أَحْلَامِهِمْ.
أَمَّا أُمِّي...
اِمْرَأَةٌ كهلة كبيرة العمر لم تجف دُمُوعُهَا وَبَقِيَتْ عَيْنَاهَا مُعَلَّقَتَيْنِ نَحْوَ الشَّرْقِ.
هُنَاكَ، حَيْثُ النَّهْرُ، وَحَيْثُ الْأَرْضُ الَّتِي تَرَكَهَا أَبِي بُورًا، وَحَيْثُ ذَهَبُوا وَلَمْ يَعُودُوا.
مَرَّةً تَرْفَعُ يَدَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَرْجِعْهُمْ سَالِمِينَ.
وَمَرَّةً تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا وَتَقُولُ: مَنْ سَيَحْرُثُ أَرْضَ أَبِيكُمْ؟
ثُمَّ تَسْكُتُ طَوِيلًا، وَتُحَدِّقُ فِي الْفَرَاغِ، وَتَقُولُ بِصَوْتٍ لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُهُ:
"رَأْسِي يُؤْلِمُنِي... هُنَاكَ شَيْءٌ مُخِيفٌ يَجْثُمُ فِي عَقْلِي، لَمْ أَعُدْ أُمَيِّزُ الْوُجُوهَ، وَلَا أَرَى الطَّرِيقَ". من شدة ووط-ة ألهم الذي خيم عليها.
وَطَالَ انْتِظَارُ أُمِّي وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الشَّرْقِ، حَتَّى حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ.
مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ، مِنْ حَيْثُ يَنْكَسِرُ الضَّوْءُ عَلَى صَفْحَةِ النَّهْرِ، لَاحَتْ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ.
كَبُرَتْ... كَبُرَتْ حَتَّى صَارَتْ جَنَاحَيْنِ.
لَمْ تَكُنْ طُيُورًا عَادِيَّةً، كَانَتْ صُقُورَهُمْ.
عَادَتْ، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ كَمَا ذَهَبَتْ.
كَانَتْ صُقُورًا جَرِيحَةً، رِيشُهَا مُمَزَّقٌ مِنْ ضَرْبِ الرِّيحِ، والعواصف، وَعُيُونُهَا حَمْرَاءُ مِنْ طُولِ الْبُكَاءِ.
*وَصَرَخَتْ...
صَرْخَةً وَاحِدَةً كأنما أنشَقَّتِ السَّمَاءَ نِصْفَيْنِ.
لَمْ تَكُنْ صَرْخَةَ طَيْرٍ، كَانَتْ صَرْخَةَ رِجَالٍ غَرْقَى وَجَدُوا صَوْتَهُمْ أَخِيرًا.
اِهْتَزَّ لَهَا الْهَوَاءُ، وَارْتَجَفَ لَهَا ضِفَّاف النَّهْرِ.
ثُمَّ انْقَضَّتْ.
انْقَضَّتِ الصُّقُورُ كَالشُّهُبِ، مِنْ عُلُوِّ السَّمَاءِ إِلَى قَلْبِ النَّهْرِ.
وَحِينَ لَامَسَتِ الْمَاءَ... لَمْ يَنْطَفِئِ النَّهْرُ، بَلِ اشْتَعَلَ.
اِنْفَجَرَ النَّهْرُ نَارًا، كَأَنَّ بَرْقًا سَقَطَ فِيهِ وَاسْتَقَرَّ.
نَارًا لَا تُحْرِقُ... بَلْ تُضِيءُ.
أَضَاءَتْ وَجْهَ أُمِّي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فَرَأَيْتُهَا تَبْتَسِمُ وَدَمْعُهَا يَلْمَعُ كأنه قوس قزح في السماء
وَأَضَاءَ قَبْرَ أَبِي، فَكَأَنَّ التُّرَابَ تَنَفَّسَ.
وَأَضَاءَتِ الْأَرْضَ الْبُورَ، فَاهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.
فَعَرَفْتُ حِينَهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا، هُمْ فَقَطْ تَحَوَّلُوا.
تَحَوَّلُوا إِلَى صُقُورٍ لِتَحْرُسَنَا،
وَصَرَخُوا لِيُوقِظُونَا،
وَنَزَلُوا نَارًا فِي نَهْرِنَا كَيْ لَا نَعُودَ نَنْتَظِرُ فِي الظَّلَامِ.
أَمَّا أُمِّي... فَمَا زَالَتْ تَنْظُرُ إِلَى الشَّرْقِ، وصقور السماء.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: