رهينة ...... أ . فاضل العذاري/ العراق

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

رهينة
  أ . فاضل العذاري/ العراق
 

 
أفزعتني أمي من النوم حينما رفعت الغطاء عن جسدي صباحاً، وحثتني على الإسراع بالنهوض من الفراش فوراً:
- اِهْرَبْ من المنزل بسرعة؛ فأفراد أمن النظام قادمون إلى القرية.
خرجت من الحجرة بسرعة قصوى: لم تبق في ذهني أي ذرة ترشدني إلى منفذ للأمان. فتحت الباب الخارجي المطل على النهر. عبرت الجسر الخشبي الضيق الرابط بين منزلي والضفة الأخرى، وقد ألقى الخبر الرعب في صدري ومخيلتي، وتزامن مع ما تختزنه ذاكرتي من روايات مخيفة تصف: وحشية وبشاعة أساليب النظام المتبعة في تعذيب السجناء والمعتقلين المعارضين له في الحكم.
على الرغم من أن لي علاقة وثيقة مع النهر منذ ولادتي ونشأتي الأولى في مسكن ريفي لا يبعد عن مياهه سوى بضعة أمتار، وكنت أشعر بتموجاته الزرقاء تزيح حالة اليأس من صدري ولا أزال أخال نميره الجاري: كساع بريد يبعث برسائله الملقاة في لجته إلى حلمي المغيب، فقد كنت أخشى في الوقت ذاته على أمي فيما لو تم القضاء علي من رؤية مياهه مخضبة بلون أحمر قان من دمي قد يعرج بشهقتها إلى أعالي السماء، ولكن مثل هذا لم يحدث إذ طويت لي الأرض من تحت قدمي في أقصر وقت قياسي وصلت فيه إلى البراري النائية، متجشما عناء الصبر المنصهر في قوالب شمعية على بساط من نار، ومقابر موحشة في ليل داكن أشباحه: تجعلني أفر من حدود وطني إلى أغوار الفلوات البعيدة، والصحاري المليئة بالأسرار المغيبة، حيث تتعاقب الأيام هناك: يتيمة بلا طعم، بائسة بلا رائحة، مشوهة بلا لون، مستفزة جميع جراحاتي، مثيرة في نفسي الحنين إلى قريتي وإلى أمي وحصني ومأواي، معصرة ذاكرتي لتقطر من رحيق الذكريات لحظات عذبة دافئة عشتها في زمن ضائع بين الليل والنهار، طوته أجنحة السراب نحو الأفق البعيد، وتاه مع ما كانت تطحنه أوقات الفراغ من أوهام في رحى الأيام الرتيبة.
ستون يوما من التخفي والغياب وانقطاع الأخبار عني، ونشيج دمعي المتقطع ما فتئ يسمو عاليا في الغربة حتى غدا مثل: سجع ونواح الفواخت في الفضاء.
بين الحين والأخر، كان ينفذ إلى سمعي في مناماتي نداء يخيل إلي أن الرياح تحمله من مسافات بعيدة كأنه يهمس لي عن كثب، مؤنباً ضميري:
- أتلتذ في شعورك بالأمان وقد احتجز النظام أمك في السجن: كرهينة للضغط عليك لحين تسليم نفسك إلى الجهات الأمنية؟
لا أعلم مدى صحة مصدر هذا النداء هل بسبب قلقي الدائم ومخاوفي المزمنة، أم هو هاتف روحي حقيقي يحثني على إنقاذ أمي من تلك المساومة الدنيئة؟
اضطررت أن أتسلل خلسة في الظلام إلى مشارف قريتي؛ للتيقن من الأمر، متلفعا بلثام يغطي رأسي ووجهي الذي لا يظهر منه سوى عيناي اللتان تتفحصان المكان بحيطة وحذر. تنقلت بخطوات وجلة من زقاق إلى آخر، ومن شارع إلى آخر، عبرت الجسر الخشبي بسرعة. وقفت أمام منزلي متأنيا بتوجس شديد من إثارة الشكوك فيما لو طرقت الباب في هذه اللحظة. لما أيقنت من خلو المكان من المارة، تسلقت السياج بسرعة، كنت خائفا من أن ترتعب أمي من صوت وثوبي على الأرض، لكن من الأضواء المطفئة، ومن الصمت المخيم في أنحاء المنزل استدللت على عدم وجودها لا في حجرتها، ولا في أي مكان آخر. أخرجت الكشاف الضوئي من جيبي محاولا تشغيله لإنارة طريقي. دلفت إلى المطبخ، حيث تواجهني قلائد الباميا المجففة، المعلقة بمسامير مثبتة على الجدران، وحزم فصوص الثوم الأخضر الطازج المخزون إلى موسم آخر: ربما أعدتها أمي لعودتي سالما. تعثرت قدمي ببعض الصحون والأواني المبعثرة بغير انتظام على أرضية المطبخ، ربما أجلت أمي موعد غسلها ووضعها على الرفوف إلى وقت آخر.
حاولت أن أشعل نور حجرتها بينما كنت أحدث نفسي: ترى أين ذهبت أمي؟ هل ما كنت أخشاه من نداء يخترق مسامعي في عالم الرؤيا حقيقة، أم هي الآن بضيافة عمتي التي تجاورنا في المسكن؟
فجأة سمعت صوت إيلاج المفتاح في قفل الباب الخارجي. لم أفلح في إخفاء جسدي مع تقدم الخطوات إلى الداخل، سمعت مناداة عمتي باسمي:
- كنت أعلم أنك ستعود رغم دخول القرية في حالة الإنذار، وفرض الرقابة المشددة حول منزلك، ولكنك وصلت متأخرا بعد فوات الأوان.
ظهرت أمامها بكامل قامتي وسألتها بلهفة:
- ولكن أين أمي؟
أطرقت رأسها إلى الأرض، ثم رفعته بألم وحسرة وأجهشت بالبكاء.
ثم رفعت سبابتها في وجهي؛ لتحذرني بشدة، والدمع يفيض من عينيها بغزارة:
- إياك أن تتخذ قرارا بتسليم نفسك، واعلم أنه لا يجدي نفعا؛ فلقد حسم القدر أمرها داخل السجون.
صدمت بكلماتها الغامضة التي هدت قواي متسائلاً بحرقة قلب:
- ماذا تعنين؟
وضعت كفها على فمها لائذة بالصمت، وبدت كأنها نادمة على ما تلفظت به من كلمات؛ فأدركت من انقطاعها المفاجئ عن الكلام، وصمتها المحير دون أن يبدر منها أي جواب، ونشيجها المتقطع الذي حاولت أن تكبته دون أن تفلح بأن: أمي قد فارقت الحياة ظلماً وجوراً من خلف القضبان.
سألتها بغصة بالغة، مصحوبة بذرف الدموع عن كيفية استلام جثمانها الطاهر، ومراسم دفنها لتجيب بمرارة:
- لقد أصدر الأمر باستدعاء عمك إلى المقر الأمني في المدينة، وتم توقيعه على تعهد خطي باستلام جثمانها، ودفنها بسرية تامة دون إقامة مجلس عزاء ولا بكاء ولا عويل، وعدم الإفصاح عن وفاتها داخل المعتقل لأي شخص سواء كان من الأقارب أو من الغرباء.
انغمست معي في نوبة من البكاء الشديد، وشاركتني في التأسي والتعزي والرثاء، ثم أكملت كلامها بأنفاس متقطعة:
- بعد إتمام عملية الغسل والتكفين في وقت متأخر من الليل: قمنا نحن الثلاثة فقط أنا وعمك والدفان بتشييع نعشها الطاهر إلى مثواها الأخير، وأداء صلاة الميت، ومواراة جثمانها تحت أطباق الثرى في مقبرة وادي السلام: وكأننا غرسنا في أعماق الأرض غصناً مقطوعاً من شجرة تحت ضوء القمر.
كانت كلماتها تقطع نياط قلبي، وتحفز في صدري المشاعر الوطنية المطالبة بالإصلاح والثأر والانتقام من السلطة الحاكمة، وتفجر في قلبي كل حروف الحزن الراقدة فيه منذ سنين؛ فيئن شيخ كبير في حنجرتي، وعبرة امرأة ثكلى تتكسر في صدري، ودمعة طفل يتيم تترقرق في عيني، وأحلام مؤجلة لشاب في مقتبل العمر تنتظر تحقيقها.
لا أعلم كيف تمت عملية إلقاء القبض علي في لحظة غادرة من عمر هذا النظام الجائر بعد خروجي من المنزل؟ بيد أنني أتذكر حينما ارتديت لثامي وهممت بالخروج، ومددت رأسي قليلاً من خلف الباب نحو الشارع، وقد سبقتني عمتي عند توديعها لي في التصرف ذاته: لم أكن أرى أو أشعر بوجود أي شخص يترصدني ويتتبع خطواتي، وحتى عندما سلكت إحدى الطرقات الفرعية البعيدة عن الجسر وضفة النهر المقابلة: كنت أتجنب السير قرب المعالم اللافتة للنظر والواضحة للعيان، إذن، من أين وثبتْ عليَّ بغتةً مجموعةٌ مسلحة من الأشخاص في وسط تلك الظلمة؟ وثبةً طرحتُ بها أرضاً، وهُدِّدتُ فيها بالاستسلام، وأشبعت ضرباً وركلاً، ثم زج جسدي على مقعد خلفي لمركبة مجاورة كدت فيها أن أكون تحت قبضة النظام لولا أنني فوجئت برؤية عمتي وهي تفتح لي باب المركبة من الجهة الأخرى الخالية من وجودهم؛ لتنقذني من تلك الشدة، وأفلت من بين أيديهم سالكاً سبل النجاة، محصناً بدعواتها المضيئة لدربي المعتم الذي تلاحقني فيه: إطلاقاتهم العشوائية المنتشرة في كل الجهات، وخطواتهم المتخبطة في الظلام.
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: