-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

التناوب السردي وتقنية الاسترجاع في رواية بوصلة القيامة للروائي هيثم الشويلي بقلم الأديب ابراهيم رسول



التناوب السردي و تقنية الاسترجاع في رواية بوصلة القيامة للروائي هيثم الشويلي

 

إبراهيم رسول

 

القارئ لروايةِ بوصلةِ القيامة للروائي هيثم الشويلي سيجدُ أنَّ تِقنياتٍ سرديةٍ كثيرة, قد اشتغل عليها الروائيّ, عِبرَ تجديد الآليّة السرديّة وكسر لنمطيةِ الرتابة أو الكلاسيكية التي هيمنت كثيراً على الروايةِ العربية بصفةٍ عامة والرواية العراقيّة بصفةٍ خاصة. الاشتغالُ السرديُّ كان يتصفُ بأنَّه يحملُ الكثير من الآليّات التي عوّل الساردُ عليها كثيراً, فهذه العمليةُ تُعد سابقة نوعيّة في أسلوبِ السرد الروائيّ, الكثيرُ من الأحداث تكاد تكون عاملاً رئيسيّاً في السرديّة, لكن, الإبداع الكتابي, يكمنُ في كيفيّة نقل هذه الأحداث بصورةٍ جديدة كُلّ الجِدة. لَعلَّ العنوانَ المقاليّ الذي نريد أن نقرأ من خلاله الرواية, يأتي من صَميمِ التقنية الرئيسيّة التي يُمكن أن نَعدها الأكثر تميّزاً من التِقنيات الأخرى , ألا وهي تِقنية التناوب السرديّ, الذي يَعني فيما يعنيه, نقلُ حكايتين ولكن بالتناوبِ بينهما, وهو أسلوبٌ سرديٌ جديدٌ, ولعلَّ مَهَرَة الكُتاب يلجأون  إليه, لبثِ خطابهم السردي من خلاله, كونهُ يُمثلُ أحدث الأساليب البنائيّة في الروايةِ, وكونّه الأصعب من بين الأساليب الأخرى, فالعميلةُ عمليةٌ إبداعيةٌ صِرفة.

نحن لا نملك إلا أن نقرأ وفقَ القراءة الايجابية, التي تعني أن نَستقبلَ النص , استيعاباً فنيّاً, والبحث عن قيمٍ جماليةٍ . يأخذنا الساردُ إلى عالمه السرديّ, عِبرَ لُغةٍ كثيرة الأناقة والمفردة عنده تتحدث وتنطق, كأنها تُعيد حيويّتها وتَجددُها بِنفسها.

لعلَّ أوّلَ تساؤلٍ هو, من يكن هذا السارد؟ من الذي روى هذه التفاصيّل؟ سيستمرُ السردُ ويَمضي لندرك أنَّ الاسلوبَ التناوبيّ هو الاسلوبُ الذي تناسبَ مع القصة, كونهُ يتحمل وجود أكثرَ من راوٍ لنفسِ الحكاية, ولأنَّ القارئ للصفحات الأولى سيتساءل كيف للجنين ببطن أمهِ أن يكون راوياً؟ لكن التساؤل سيزول بمجردِ أن يَمضي القارئ بالقراءةِ حتى يقطع شوطاً كبيراً.

يقول في نص الرواية صفحة 7:

_ من الطارق؟ قالتها( القابلة) من خلف الباب

_ افتحي يا سهيلة, أنا النقيب جليل

لم أتصور ان القابلة سهيلة ستكون أمي ذات يوم...

المتأملُ في هذا النص, تتكوّن في ذهنهِ أسئلة,  من هي سهيلة, وما هي معرفتها بالنقيب جليل؟ الذي قطع مسافة أربعين كيلوا متراً ليصل إليها؟ وكيف أن سُهيلة القابلة ستكون أماً لهذا الجنين الذي وُلِدَ في ظَرفٍ عصيبٍ؟ وما هي نسبة الثقة التي بين النقيب جليل وسهيلة ليترك ابنه عندها ويهرب؟ يطلقُ الساردُ هذه الاسئلة ويترك المتلقي يغوصُ في البحث عن أجوبةٍ حولها, التساؤلاتُ تركت فراغاً معرفيّاً أو فضولياً عند القارئ, إذ يتركنا بعد هذه الوَخَزات ويَمضي واصفاً عملية الولادة, بوصفٍ بديعٍ خياليٍ, وبصورةٍ غير مباشرةٍ, وماء اللغة كان حاضراً في مُعجمه السرديّ, فاللغةُ خير مُعبرٍ عن الاحساسِ والمشاعر. الوصفُ في الروايةِ يَحتاجُ إلى طاقةٍ مشحونةٍ من الكلماتِ التي يُمكن لها أن تتوالدَ, وهذا ما حصل في الرواية, إذ الوصفُ كان صفةً بديعة في البناء, إنَّه يشتغلُ على قدرة الكلمات في توليدِ صورٍ مكثفة ومُعبرة, وبالفعلِ كان الوصف مشحوناً بالانفعالات التوترية التي  صوّرتها اللغة الأنيقة.

عوداً على بدءٍ, في طريقة الروائي في البناء, الذي أخذ يسردُ حكاية كبيرة وتتناوب معها حكاية أصغر منها, لغاياتٍ فنيّة صِرفة.

التقنيةُ الثانيةُ التي برعَ الساردُ فيها, هي تقنية الاسترجاع أو الفلاش باك, هذه التقنية يلجأ إليها الروائي عندما يريد أن يعطي فرصة التقاط الانفاس أو الاستراحة عند المتلقي, فهو يذكرها بباء التناوب مع الحدث الذي يسرده, يعرفُ فورستر في قاموسه السردي الاسترجاع بأنه:  مفارقة زمنية باتجاه الماضي انطلاقاً من لحظة الحاضر, استدعاء حدث أو أكثر وقع قبل لحظة الحاضر. هذا التعريف يتطابق والاشتغال الذي اشتغله السارد في روايته, فهو يُكثر الرجوع إلى الوراء.

إنّ مُخيّلةَ الروائيُّ مَليئة بالصورِ الفجائعيّة التي تركت أعظم الأثر في ذهنه, إنّه يكتبُ عن صورٍ واقعيةٍ لا تَخييليةٍ, وبهذا تَجلّت الدِربة والمِران السرديّ لديه, فهو قد خَلَقَ صورة غير تلك الصورة المعروفة, والانعكاس كان عِبرَ خَلقٍ جديدٍ لا يَتَشابه مع الصورة السابقة إلا في بَعضٍ من الصِفاتِ.

التِقنياتُ السرديّةُ الحاضرةُ والساندةُ, هي تِقنياتٌ تخدم الاسترجاع والمواصلة, فالعمليةُ هي عمليةٌ محظ إبداع وتمرس, هذا التمرس, شَكَلّ في السردِ أهميّة بالغةٍ, المرجعياتُ التي يَستندُ عليها السارد هي مرجعياتٌ لها حضورها المعرفيّ في سَرده, فصورةُ الرجوع إلى الوراءِ ليس هروباً من إلهامِ الحاضر والمستقبل, بل, لضرورةٍ سرديةٍ تفرضُ نفسها على السرديةِ بصورةٍ تامةٍ.

لا يُقرأ النصُ على أنَّه فلاش باك فقط, كأنَّ الساردَ يلجأ إليه لأنَّه عاجزٌ عن التقدمِ والمُواصلة إلى الأمامِ, فهذه صِفةٌ لا يُوجد لها هذا الوجود في الروايةِ, فالرجوعُ كان لِفك مَغاليق السرد التشويقيّ , لأنّ السردَ كان كثير الشفرات ويحتاج إلى تفكيك هذه المغاليق المُبهمة أو الغائبة عن المتلقي ليواصلَ قراءته للرواية, كسر الزمن السرديّ والرجوع إلى الخلفِ هو لفهمِ الأحداث الحاضرة, ويُمكن أن نلمحَ في رواية بوصلة القيامة استرجاعين وردا في الرواية, الاسترجاع الأول, وهو الاسترجاعُ الخارجيُ الذي بدأهُ في أوّلِ الرواية ومِنه أدخلنا إلى الحكايةِ, وأما الاسترجاع الثانيّ, والذي نُسميّه الاسترجاعُ الداخليّ, الذي ضمنه تضميناً, وهو الاسترجاع من داخل الحكاية, هذان الاسترجاعان, هما التِقنيات التي وُظِفَتا في الاسترجاعِ السرديّ, ندخلُ إلى الحكايةِ بسردِ واقعةٍ تعودُ لِما قبل الحكاية الأصل, فالساردُ كان يَأخذنا إلى الوراءِ لِيشدنا أن نفهمَ الأحداث الجديدة أو الحاضرة. مسألةُ الزمن وكسره, مسألة جد معقدة, تحتاجُ إلى تمعنٍ وتَبصرٍ في آليةِ هذا الكسر أو آليّة هذا التمرد ولا يكون هذا إلا لِمن مَلكَ أدواته السرديّة كاملةً, فقد مَهدَ الروائيُّ لنا من خلالِ سَردٍ تَشويقيٍ ما حصل مع والدا البطل قُبيل طَلق الأم وكيفيّة ولادتها لِجنينها, الحدثُ غريبٌ, فكيف تتمكن عائلة أن تترُك جَنينها (الذي وُلدَ للتو) عند القابلة, لكن الساردَ يُقدمُ جُملة واحدة تكفي للجواب على هذا التساؤل, وهو وجود المعرفة السابقة بين الأب وهذه القابلة, بل, يتضح من خلال نفس الجملة, أنَّ العلاقةَ متينةٌ بين الأب والقابلة لدرجةِ , أنَّها أهلٌ للثقةِ عند الأب!

مرةً أخرى, نجدُ السرد العراقيّ لا يكف عن المعاناةِ, هذا البلد المُتخم بالأزمات والمشاكل, مما جعلَ هذه الأزمات تنعكس على الأديبِ, فتملأ المخيلة بصورٍ عديدةٍ من هذه التراكمات الكثيرة التي يُعايشها الفرد العراقي, فالروائيُّ يلتقطُ هذه الصور عبر مخيلته فيدعها تختمر في الخيالِ ليكون السردُ إعادة خلق وليس نقلاً فوتوغرافياً فحسب.

ولأنَّ تِقنية الاسترجاع ترد كثيراً في البناء الروائيّ في هذه الرواية, مما ولّد صورة سردية تأخذ حيّزاً من القراءةِ النقدية, التي لا يمكن لها أن تتجاوز هذه التِقنية, لأنّها لازمةٌ لفهم الرواية وفق القراءة المتأنيّة لها.

يلجأ الساردُ إلى الوصفِ في اللحظة التي يُريدُ أن يعطي استراحة من الاسترجاع وقبل الشروع في السرد الحاضر, وهنا كانَّه يحفظُ للرواية حضورها وعنصر تشويقها الذي يجعل منها رواية فنية دون أن يموت عنصر المتعةِ فيها. الروايةُ هي اشتغالٌ سرديٌّ له رسالة رائعة وقمة في النُبل الإنساني, وفي الوقت ذاته تعطي قراءة واعيّة لحقبةٍ زمنيةٍ ماضية وفق قراءة السارد لها, فنحن نملك قراءة تاريخية تجلّت عبر الرجوع إلى الخلف أي كسر الزمن الحاضر والرجوع للوراء قليلاً, ونملك سردية باعثة للمتعة والفن , وبين السردية التاريخية والفنية, كانت قراءتنا في الرواية, تحمل في حقيقتها الرسالة المُراد توصيلها من المنتج, فالإبداعُ الكتابيُّ كان نتيجةَ موهبةٍ واضحة. ولو تأملنا في فكرة اللجوء إلى السرد التناوبي, لرأينا أنَّ الساردَ يُلاعبُ القارئ لُعبة فنيّة, ويُخاتله في متاهاتٍ سرديةٍ, وتراهُ يكاد أن يجعل القارئ في حيرةٍ من أمره, وتارة يجعله يتخبط في هذه المتاهات, إلا أنّ يشفقُ عليه, فيجعل لهذه المتاهات علامات دالة, تُزيد من فرصةِ التشويقِ وتزيد من مقبولية الحكاية.

 

عن محرر المقال

ندى خليفة

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية