قصة قصيرة
** بشعرها الأبيض **
بأصابع شبه متجمدة أمسكت قلمي وبدأت أجيب على أسئلة الامتحان النصفي، كانت الإجابات تتسابق لتسكن على الورقة البيضاء، كنت سعيدة جدا فسهري وتعبي لم يذهب سدى، هذا مااتفقنا عليه أنا وصديقاتي، أن نواظب على الدراسة حتى ننال درجات عالية في الامتحان النهائي للشهادة الإعدادية في نهاية العام.
بعد انتهاء مدة الامتحان وقفنا قليلا في فسحة المدرسة نتناقش حول الأسئلة وننتظر باقي الصديقات، اجتمعن كلهن إلا "هيفاء" فلم تأت واعتقدنا أنها سبقتنا بالخروج ومن شدة البرد عادت إلى بيتها، عدنا جميعنا إلى بيوتنا على أمل اللقاء غدا لتقديم المادة الثانية.
في غرفة الصف كانت تغفو هيفاء التي أرهقتها الدراسة فنامت وهي منهكة القوى، لم تشعر بالوقت الذي قضته نائمة، كان يوما شتائيا قاسيا، بخيلا بنوره، الصقيع ينتشر في كل مكان فيحيل الأشياء إلى موت مؤقت، تسللت البرودة إلى جسدها النحيل وبدأت بصعوبة تفتح وتفتش غرف الصفوف إلا أنها لم تجد أحدا، ولصعوبة الرؤية بدأت تتلمس الأشياء بخوف كبير، لاكهرباء...ولاصوت يسمع حولها سوى صفير الرياح المجنونة ونباح بعض كلاب الشوارع الذي زاد خوفها أكثر.
بخطى متثاقلة وأرجل مرتجفة تتجول في الممرات وتصرخ من الشبابيك عسى أن يسمعها أحد المارة.
بعد جهد كبير نزلت الى الطابق السفلي لتتلمس باب الفسحة الحديدي الكبير، تحاول جاهدة فتحه إلا أنه كان مغلقا من الخارج، هذه كانت مهمة آذن المدرسة والذي غفل عن تفقد الصفوف ولم ينتبه لوجودها غافية في الصف، ربما هو القدر الذي شاء ذلك.
الخروج من هذا المكان المخيف الذي بات كالسجن...كالقبر..يطبق على صدرها أمرا مستحيلا، ونعومة يديها كانتا أضعف من فتح أي باب أو قفل.
لم تجد سبيلا لها سوى الاستمرار بالصراخ الذي بح صوتها، ترتجف خائفة، متجمدة الأطراف، تصرخ وتصرخ وتنادي وتبكي ولامجيب سوى صدى صوتها المخنوق.
عند بزوغ الفجر كنا جميعنا في حالة استنفار رغم التعب نبحث عن هيفاء في كل مكان، نطرق الأبواب، نرتجف خوفا ونحن ندعو الله أن تكون بأمان .
لم يكن من بين الجيران من يحب والد هيفاء المتعجرف، لكن أحدا منهم لم يكن يجهر بعدائه له، أما الآن فقد أتت الفرصة لتلوك ألسنتهم قصة اختفاء ابنته حيث قال أشجعهم وعيناه تنتقل من شخص لآخر : إنها مراهقة لابد أنها ذهبت مع من تحب، ويمسك ياقة قميصه ويهزها دليل خلو ذمته أمام الله من ذنب قذفها.
يتهامس الجيران ويجن جنون والدها حين يسمع هذه الاتهامات لابنته ويتفوه بألفاظ بذيئة للجميع نافيا تهمهم، يشعل سيجارة ويدسها في فمه بعصبية ويصعد سيارته بسرعة جنونية.
_أين أنت ياابنتي ؟ جملة ترددها والدتها وهي تبكي بحرقة وروحها المنكسرة تحلق في أمنية واحدة وهي العثور على ابنتها.
بين ارتعاش قلوبنا وبكاء والدتها يبقى السؤال معلقا، أين اختفت، وهل هي بخير الآن،
ساد صمت حارق صارت الأنفاس تسمع خلاله، نهضت الأم ومشت منكسة الرأس بعينين تذرفان الدموع، تمشي في الشوارع وتفتش عن ابنتها في كل مكان تجده .
وفي الزاوية الخانقة تتذكر هيفاء صديقاتها وعفوية لقاءاتهن وضحكاتهن الدائمة وبعض التفاصيل الصغيرة التي أبكتها وأضحكتها بذات الوقت.
تتلمس جسدها الذي أصبح كتلة نشاز في هذه الغرفة والعالم العديم الرحمة وتدعو الله أن يجد لها مخرجا سريعا وتهمس داخلها : أخشى على أطرافي أن تتجمد وتتيبس وسط رائحة الطبشور وغبار المقاعد، بصف جاف قاس خال من أي مشاعر وكأنه يطبق على صدري، عاجزة عن التفكير، يباغتني سرب من الذكريات وحلم تكرر مرات عدة في الآونة الأخيرة، أحصر ذاكرتي لأستعيد تفاصيله لكن ضبابية المشهد لايبدو منها سوى صورة واحدة لاأنساها وهو ظهور جدتي من داخل غرفة مظلمة تفتح لي ذراعيها وهي تقترب مني...تقترت ..وأكثر...على جانبيها اصطفت مخلوقات شفافة كالملائكة أو هياكل لملائكة...اقتربوا حتى لامسوا أطراف شعري فتحولوا لبخار أبيض ولم يبق منهم سوى هالات بليدة هي أقرب إلى الظلمة منها إلى النور، وابتسامة جدتي الكبيرة من شفتيها وتدعوني بيديها أن تعالي يا صغيرتي، كنت أستيقظ مذعورة والعرق يبلل وجهي وأطرافي في حالة جمود، لم أعر هذا الحلم شيئا من الإهتمام وكنت أقرأ الفاتحة على روح جدتي وأدعو لها بالرحمة، الآن عرفت سر هذا الحلم، الأموات يشعرون بمن سيتبعهم بعد وفاتهم، ولابد أن نهايتي اقتربت...تصرخ مجددا : لاأريد الموت هنا داخل هذه الجدران الباردة، تصرخ بلا فائدة.
بعد ساعتين أو أكثر من البحث العقيم كان لابد لنا من الذهاب لتقديم الإمتحان، توتر وخوف وقلق يسيطر على الجميع، ودموع تجمدت على وجوه كالحة.
لن أنسى هذا المشهد ماحييت عندما فتحنا باب الصف لنجد في زاويته جثة متجمدة ملتفة الأطراف والشيء المؤلم أكثر كانت عينا هيفاء واجمة للأعلى وقد تحول شعرها الى اللون الأبيض من شدة الخوف
أميرة إبراهيم / سوريا

