كرومي
قصة قصيرة
بقلم : سعد السوداني
كرومي
صباح كل يوم ينتظر عبد الرزاق بلهفة مرور ( ستوتة كرومي ابو العتيك ) يطرب لمناداته؛ العندة عتيك للبيع ، طباخات للبيع ،بنكات للبيع ، ثلاجات للبيع،غسالات للبيع ، مبردات للبييييع .
عبد الرزاق سبايكي طالب في معهد الفنون الجميلة قسم المسرح في عامه الدراسي الأخير ، كتب مسرحية قصيرة لمشروع تخرجه ، بطلها ( ابو العتيك)
لكنه لم يتمكن من انجاز فصلها الأخير ،
ثمة معلومات لا يفصح عنها اصحاب المهن حتى لأقرب مساعديهم واحيانا حتى لأبنائهم ، متذرعين بالمقولة الشهيرة ؛ اسرار المهنة ، لكنه تمكن
من التعرف على العوالم الخفية لمهنة ( ابو العتيك ) من كرومي الذي لم يبخل عليه بها .
قبل ان يتعرف على كرومي ، كان يمتعض كلما مر بشارعهم بائع جوال او بائع نفط او غاز ، او بائع الخضار ، حتى ابو العتيك الوحيد الذي يمر مسرعا بشارعهم مرة في كل شهر بسيارة حمل نصف نقل ، رفض الحديث معه ، ما اصابه بالأحباط ، لكن الأقدار ساقت له كرومي بستوتته المتهالكة التي تشبه العتيك الذي يشتريه بثمن بخس او يحصل عليه مجانا من الأسر التي تود الخلاص منه ، فعقد معه صداقة حميمة وطلب منه التوقف امام منزله يوميا ، لتناول وجبة افطار خفيفة .. بيضة مسلوقة ،حبة طماطم ، خيارة ، رغيف خبز ، وكوب شاي مع سكارة .
ما ان ينهي كرومي وجبة افطاره المجانية ، ويدخن بلذة واضحة السكارة التي يقدمها له عبد الرزاق ، حتى تنهال عليه الاسئلة ؛
كرومي ؛ ما اغرب موقف تعرضت له ، هل حصل ان اشتريت قطعة اثاث قديمة تعود لشخصية ما ، هل عثرت على اموال او ذهب مخبأ في حاجة ما ، هل غازلتك ارملة او مطلقة او زوجة هجرها زوجها وتركها وحيدة في المنزل ، لماذا مهنة العتيك وما الذي الجأك اليها ، هل ....
غالبا ما يتحفظ كرومي على الإجابة لكنه ولكي يرضي صديقه عبد الرزاق ، يخترع قصصا وحكايات من بنات افكاره ، ثم يلحق ذلك باسئلة تنم عن ثقافة رصينة توقف عندها عبد الرزاق،واثارت دهشته ،
سبايكي صديقي ؛ هل تنوي اخراج فلم سينمائي عني او ربما تكتب مسرحية عن ابو العتيك ، لعلك تعمل تحقيقا صحفيا !؟
ثم يتبع ذلك بممازحة لطيفة؛ لعلك تنوي مشاركتي المهنة !
ذهل سبايكي من قدرة كرومي على فهم
دوافعه الحقيقية وغايته المضمرة من صداقته له والحرص على الأستماع له وكتابة ما يقوله حرفيا وتسجيله احيانا، لكنه تشاغل عن ذلك ، حرصا منه على اتمام مشروع تخرجه ، مسرحية ابو العتيك .
اقترب موعد تقديم مشروع تخرجه ، لكن المسرحية لم تكتمل بعد ، كلما كتب لها نهاية لا تعجبه .. نهاية سعيدة ، حزينة، كرومي يرث اموال ضخمة، يعثر في داخل ثلاجة على سبائك ذهب ..ونهايات اخرى يجدها كلها تقليدية او تشبه نهاية فلم هندي !
قلق سبايكي تضاعف ، مرت ايام لم يظهر فيها كرومي ؛
لعله مريض او ان ستوته قد تعطلت ، كان يجب ان اعرف عنوان سكنه... قال عبد الرزاق سبايكي ممتعظا جدا من ذلك .
غدا ان لم يظهر ساتصرف ، سابحث عنه في الأماكن التي تباع فيه الحاجيات القديمة واسواق الخردة .
صوت منبه ستوتة كرومي ايقظ سبايكي ،لكن صوت المناداة ليس صوته ، نهض مسرعا، كانت ستوتة كرومي متوقفة عند باب منزله بالضبط ، لكنه لم يكن موجودا قربها ...
بطيخ ، بطيخ ، عنب ،طماطة ، خيار ...
اقترب سبايكي من الستوتة حاملا وجبة افطار كرومي ، واصل الصبي المناداة على بضاعته ... بطيخ ، بطيخ ،طما....
قاطعه سبايكي قائلا :
اليست هذه ستوتة كرومي ابو العتيك ؟
هل ..
نعم هي ستوتته وانا عبد الله ولده ، وانت سبايكي صديقه ، اجلس لنتناول الافطار ، لا حاجة لحبة الطماطم ولا للخيارة او السكارة ، قشر لي البيضة فقط وكوب الشاي ،
لم يفهم سبايكي الذي حصل تماما ، لكن عبد الله واصل حديثه قائلا :
والدي مشغول جدا هذه الأيام ، ارسل معي لك هذه الرسالة ؛
صديقي عبد الرزاق او سبايكي كما احب ان اناديك ، لم يعد في البلاد حاجة تباع ، الناس باعت كل مقتنياتها، مهنة ابو العتيك اوشكت على الأنقراض ، المسرحية التي تكتبها اوشكت على الأكتمال اعلم ذلك ، النهاية التي استغلقت عليك اصبحت واضحة لك الأن ....
لا شيء تبقى للبيع .
صديقك الكاتب المسرحي كريم عبد المجيد سابقا ..
كرومي ابو العتيك حاليا .

