خـــلـــود
قصة قصيرة
بقلم : أ . خالد العجماوي
لطالما راعني مظهره؛ منكفىءٌ على لوح في يده؛ يدق عليه في عناية. دقاً لا أدري هل كان عنيفا أم رقيقا، و لكنه بدا منغمسا كأنها من دق شغافه.
كان اليوم قائظا، وذرات الغبار تموج في الفضاءات حرة وهي تهيج الأنفاس. مررت عليهم فسخروا مني. كعادتهم. لا سبيل إلى هداهم. تناتبني رعشة من شك: هل لا سبيل إليهم، أم أنني المخبول؟ أطرد عن نفسي وساوسها، وأعود مسرعا خطاي نحو المؤمنين.
ثمة دقات كذلك ها هنا. ولكن الدق أعنف وأشد. تتشابك الأيدي والأصابع وهي تحمل ألواح الخشب، تتضافر جدائل الصوف والشعر لتضمها كبنيان مرصوص. الجدائل مفتولة متينة، والعزائم صلبة لا تلين.
لم يعد أمامنا إلا ثلاثة أيام. هل نحن مخابيل؟ أنظر إلى السماء فيكاد قرص الشمس أن يخطف نور عيني. هل سنتتقم لنا الغيوم؟ هل يغطيها السحاب؟ أظل أشد خيوط الصوف بما أوتيت من عزم. ظللت منهمكا وذلك الوجه المنكفيء على لوحه لايكاد يفارقني.
في الصباح عزمت أمري. قررت أن أواجهه. أحب ذلك الرجل. لا أعرفه، ولكن بريق عينه وهو يدق على اللوح يشدني!
في الطريق سخروا مني. وجدته في مكانه. اقتربت. كان يدق نقوشا صغيرة ودقيقة. ليست رسما. بيد أنها بدت لي جميلة. ما الذي يمنع مثل ذلك الرجل أن يؤمن؟ لا أرى فيه جحودا، كما أن بريق عينه يوحي بصدق ما!
أخبرته في الأخير. سردت عليه ما أعرف من حقيقة. لم يتبق إلا يومان. وجدته ينتفض. سألني وعيناه تبرقان بوميض الوجل:
- طوفان؟
- ستغرق المخاليق كلها، إلا المؤمنون.
- المؤمنون؟
- ينجون من العذاب.
- سيخلدون؟
- نعم.
- خلود؟
- هو ذاك.
شرد ببصره في الفضاء حوله. تركني وبدأ يدق في لوحه الصغير.
انتابني منه الغضب. لم يبد عليه أي إمارة من إيمان. ربما مكتوب أن يكون مع الهالكين. ما اسمه؟ نسيت أن أسأله.
**********
لم يبق إلا يوم واحد. أصبح الصرح مهيبا هائلا، كحوت يتجهز للسباحة، وينتظر أن يأتيه المحيط. لم تفارقني الملامح. بريق العينين. يداه وهي تدق على اللوح في عناية.
في المساء أقمنا صلاة طويلة. لم يعد ثمة ملاذ للهالكين. نظرنا إلى السماء فوجدناها صافية، بيد أن صلاتنا قد أوحت إلينا بأن الجزاء صار قريبا.
وجدته يركض من بعيد.وهو يحمل في يديه ألواحا من الطين، ويجر ساقيه وسط الرمال كمجدافين يدفعان الموج . لما تلاقت عيوننا صرخ. كأنه ناج وجد جبلا يعصمه من الماء. رأيته يقدم إليّ الألواح في عناية.
نظرت إليها مستغربا. سألته:
- ستهلك إذا!
- هل ستنجو الألواح؟
- انج بنفسك وألواحك.
قال شاردا:
- إن هلكت أنا بقت الألواح، وإن هلكتم وألواحي بقيت أنا لأصنع ألواحا جديدة!
- لا تريد الإيمان؟
برقت عيناه، قال وهو ينظر إلى الالواح في وجل:
- أريد لها الخلود.
ذهب وتركها معي. نظرت إلى السماء فوجدت البدر مكتملا، وإن بدا مكتسيا ببعض الغيوم.
حملت بين يدي ألواحه التي أراد لها النجاة. نظرت إلى النقوش. بدت دقيقة. تعجبت في نفسي: ما الذي يدفع ذلك الرجل أن يحفظ تلك الالواح الإثنى عشر؟ طاف بي أحد المؤمنين وهو يلملم حاجته كي يستعد للصعود على متن الصرح العظيم. حملت إليه إحدى الألواح وأنا أسأله إن كان يفهم شيئا منها. تمعن فيها للحظات، قال كأنه يستنطق نقشا:
- جل..جا..مش!

