-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة أدبية في نص ( قصاصات حنين ) للشاعرة : أميرة نويلاتي بقلم ورؤية.. محمد الدمشقي


النص :

قصاصات حنين

و غامرتُ بالخروجِ مني
من ذاكرةِ الجسد ِ الموصدِ
فصافحت عيناي كفوفَ الشوارعِ
ولمستُ أهدابَ الصقيعِ
فوق َ صدرِ أناي المنفيِّ عني
كلُّ شيء حولي كان يشدني إليَّ
أيادينا البتول ُ
ترسمُ خارطة َ الياسمينِ
عند رمال ِ القلوبِ وقتَ تلاشَينا....
ابتسامتنا المشطورةُ إلى دمعتينِ
تدعونا كي نفيض َ ثانية ً
عن جليدِ ضفتيها
حتى أوراقنا الخضراء...
و أحلامٌ غمسناها في كحلِ الأرجوان
حين تسللنا لبيادرِ الغيمِ نجمع ُ
سنابل قطرٍ
لطالما تخفّينا تحت مقلتيها

و ألفيتني حلقة َ سراب ٍ والظلام يحاصرني
في غيبوبة ٍ عني ... ألم ُّ كلّك إلى بعضي
وأرتدي أحلامَ تلك الصغيرة
أنتعل ُخطواتها .... مشغوفة ً
بنشيدِ السحابِ
ترنمه ُ قياثرُ العشيّة
لكنْ ..... يالخيبتي
حين لمحت ُ نصفي
قد التهمه ُ الدجى
وصوتٌ من مرايا الأمس ِيصيحُ :
حيَّ على النسيانِ
لم نعدْ بحاجة ٍ لنا
موجات ٌ سبع ٌ غسلتْنا
بزبدِ الأيامِ الشاحبة
والثامنة رمتنا ما بين
تجاعيدِ الرجاء
ننزع ُ منا أشواكها
ومازالت ْ روحي تتسعُ لك
و مازالت َ قصاصات حنينٍ
في أوردتي
تطفئ بأنداءِ فيروز
لهيبَ الوجدِ
تحت شبابيك لهفتي

أدركت ُ أنك أولُ نقطة ٍ في حبري
وآخرُ نقطة ٍ مسكوبةٍ على السطرِ
عبثا ً أقصيكَ عني
يالصلابتك َ...
يا لهشاشتي و يالضعفي
مازلت َ تنهمرُ من خاطري
و مازلتُ أرحلُ إليكَ
من دهاليزِ الصدى
ووشوشات ُ النبعِ تسعى حافية ً
قربَ أذنيّ الوادي
لتهمسَ آآآآآآآآآآآهٍ يا....بردى

نص وطني وجداني رومانسي معبر جدا و فيه اتقان يؤكد كم تطوِّرُ اميرة نويلاتي حرفها نثرا و شعرا و كم تجتهد لتكون في القمة
الرائع انها التزمت اسس قصيدة النثر ... سرد جميل دون ادوات قص ... ضبابية سلسة ناعمة و رمزية مقبولة جميلة ... عدم الدخول المباشر في الفكرة و دهشة القفلة .... سلاسة التعبير و رشاقة الربط بين السطور و الصور الغزيرة و غياب اي نوع من التقريرية او المباشرة او العبارات المستهلكة
كنا قد تكلمنا في ندوة سابقة عن الشعر الوطني بانه غالبا يجنح نحو المباشرة و التمجيد او البكاء العبثي ... لكن هنا نجحت اميرة في منح النص حالة شعورية تهز القلب اولا و تعلم الناس معنى حب الوطن حتى في أقاصي وجعه

العنوان قصاصات حنين يشي بالتناثر و الحنين ...

عنوان ملفت حقيقة فالقصاصات هي نحن الذين تبعثرنا بين المدن بعيدا عن مسقط رأسنا و حياتنا التي بنيناها لسنوات نتيجة هذه الحرب التي دمرتنا نفسيا و اقتصاديا و اجتماعيا
تلك القصاصات تتطاير في الضياع لكن يجمع بينها لون الحنين

المقطع الأول بدأ بواو عطف تشي بأن هناك فعلا سابقا خبأته الشاعرة للسياق ... و كأنها تصف الحال بعد تلك المغامرة .... و هي الخروج من الوطن ..الذي شبهته بالانسلاخ من الروح بتعبير ساحر ( الخروج مني ) .. تعبير ذكي جدا فلم تقل خرجت من بيتي او مدينتي بل مني و هذا يشي بترابط الى درجة التوحد بينها و بين الوطن من جهة و الى حجم الوجع و كانه انسلاخ الروح من الجسد ... ضربة مزدوجة
من ذاكرة الجسد ... الجسد هنا هو للانتماء و الذاكرة هي الحياة التي قضيناها في مدننا ... و الخروج من الذاكرة اشبه بالرحيل بلا اتجاه و كانها انسان جديد و هذه محنة جربها كل من نزح مكرها

لم استطع المرور على اي عبارة دون ان اقف عندها و هذا يدل على الاتقان و العمق و الروعة و هذا ما تتطلبه قصيدة النثر ان تكون كل جملة قصيدة و كل عبارة صورة

( فصافحت عيناي كفوف الشوارع )
و كأن للشوارع كفوفا تصافحها مودعة و مناط المصافحة هنا العين ... و هنا ملمح ابداعي مهم جدا اود لفت النظر اليه
الخيال الشعري ليس هلوسات و استعراض كما يفعل بعض النثريين ... بل هو صورة هادفة ذات بعد نفسي واضح و قريب من المتلقي و واصف للحالة الشعورية و ليس متناقضات لا معنى لها
في تلك الجملة اكثر من ملمح ابداعي
تراسل الحواس بين الرؤية و اللمس
انزياحان معا في جملة واحدة عين تصافح و شوارع لها كفوف

(و لمست أهداب الصقيع )
صورة تشي ببرد الاغتراب الداخلي خاصة مع مواصلة التركيز على ضمير المتكلم ( اناي .. عني ... يشدني الي ) كلها تشي بهذا الترابط العضوي الروحاني الوثيق بيننا و بين الارض و الوطن ... فنشعر بان كل شيء حتى ما كنا نمقته في مدننا يرمقنا بعين باكية و يشد عربة الرحيل الى الخلف و نرى الاشجار المعفرة برماد الحرب تحاول ان تمسك بنا و تقول لا لا لا ترحلوا
و اول اشارة وشت بان النص وطني قول الشاعرة ( ايادينا البتول ترسم خارطة الياسمين ) طبعا الياسمين رمز لدمشق مدينة اميرة و مدينتي ...

( عند رمال القلوب ) لاحظوا مفردة رمال توظيف ذكي جدا فالرمال هي الشواطئ و كاننا قلوب مرمية على الشواطئ و قد غرقت سفينتنا و تقاذفنا الموج و رمانا على الرمال و هنا نلمح كم للمفردة من ابعاد و تكثيف و لهذا لا بد من الدقة في اختيار كل مفردة

( ابتساماتنا المشطورة الى دمعتين )
صورة مدهشة جمعت بين الانزياح من جهة و المقابلة بين البسمة و الدمعة من جهة اخرى .. و قالت دمعتين كدلالة على حزنين ... حزننا على فراق الوطن و حزن الوطن على فراقنا
و هنا نجد كل شيء ينادينا .. كل ذكرياتنا ... كل احلامنا و كل لحظاتنا في هذه الارض بحلوها و مرها ... ليتنا نفيض ثانية على هذه الارض . . ما اجملها من صورة بمعنى اننا شقيا هذه الارض فما الارض دون ساكنيها و كما يقال في المثل الشعبي العامي ( الجنة بلا ناس ما بتنداس )
مقطع اول مدهش

و بعد البداية التي وصفت لحظات الرحيل و الصراع الداخلي المرير بين الرغبة في البقاء على ارض الوطن و الرغبة في البقاء على قيد الحياة
و لحظات الانسلاخ من الجذور و الانتماء و ما فيها من ارهاصات و تداعيات و مواجع
حدث سراب ما ... ضياع غريب ربما هو الرحيل بلا اتجاه كهائم في الصحراء لاهثا وراء سراب و الظلام يحاصره ... و اثناء تلك المتاهة و الغيبوبة حاولت ان تضم اليها كل وطنها و كانه طفلها و ترتدي لاجله الاحلام عائدة الى طفولتها و رغبتها بالحياة و انطلاقها نحو الاماني ...
و تاتي عبارة ( و لكن يا لخيبتي ) كصحوة وجع على الحسرة ... رات نصفها قد التهمه الوجع و نصفها هنا بمعنى وطنها لانهما جزء من واحد ... التهمه الدجى ... الدجى طبعا رمز للظلام و الظلم و القهر و الالم ... حتى بتنا نترحم على الامس القريب الذي كنا سابقا نتذمر منه فصار مجرد العودة اليه حلما بعد ان غرقنا في الوحل و الموت اليوم

( لم نعد بحاجة لنا )
ياله من تعبير موجع ... و كاننا صرنا هباء و غثاء لا معنى لوجودنا عندما طغت الحرب و تجارة الدم و النفط و الثروات و المصالح على الانسان و الحياة فاي هوان اكبر مما نعيشه اليوم

( موجات سبع غسلتنا) في اشارة لسنوات الحرب السبع و الغسيل هنا اشبه بمن وضعوه في غسالة ... لكن هل غسلتنا الحرب من ادراننا ام انها نقعتنا في الطين ؟ كيف نصحو منها و الثامنة ضياع و الم ... ربما اصعب من الحرب فترة ما بعد الحرب ... كيف نعيد اعمار القلوب ؟ كيف نعيد رسم خارطة الحب و الياسمين ... كيف نلملم كل هذه الجراح ؟
تساؤلات متصارعة بين السطور الموجعة الرائعة
كيف ننزع اشواك الحرب العالقة فينا و في قلوبنا و في ترابنا الملطخ بالدم
لكن رغم كل هذا الالم تؤكد الشاعرة على الوفاء

( و ما زالت روحي تتسع لك
و ما زالت قصاصات حنين في اوردتي
تطفئ بانداء فيروز لهيب الوجد )

هنا ظهر العنوان و ظهرت قصاصات الحنين الملونة التي تجعلنا متمسكين بهذا التراب و هذا الانتماء الذي لم تستطع سنوات الحرب و لا خذلان الانسانية و لا اجتماع كل الدول و الارهابيين و التجار على موتنا ... لم يستطع شيء ان ياخذ منا هذا الحنين و هذا الانتماء

( أدركت انك اول نقطة في حبري
و اخر نقطة مسكوبة على السطر )
تعبير رائع جدا فالوطن سر بوحنا و اول نقطة منا و اخر نقطة فينا

( عبثا أقصيك عني )
ربما نرحل و نبتعد لكنهم لم يعرفوا شيئا مهما ... لسنا من يسكن في الوطن بل الوطن هو من يسكن فينا

( و ما زلت تنهمر من خاطري
و ما زلت اسعى اليك
من دهاليز الصدى
و وشوشات النبع )

الى ان جاء التصريح ببردى كرمز لدمشق
نلاحظ هنا الرسم المترابط الذي يفتقده كثيرون من شعراء النثر
فالنهر ماء اشارت اليه بالانهمار و الماء يسري في دهاليز كما يسري بردى في دهاليز دمشق ...
و النبع ايضا اشارة مائية لبردى ... اذاً فقد رسمت شاعرتنا خارطة مائية هنا ( تنهمر ... دهاليز .. نبع ... و صب الكلام في بردى)

نوعت الشاعرة جملها في مونولوج داخلي رائع بينها و بين ذاتها حينما اعتبرت الوطن جزءا منها و من كيانها و روحها ...

استخدمت السؤال و السرد بطريقة غير متعبة و لا مستهلكة و لا مباشرة ...

نوعت بشكل احترافي بين الجمل الاسمية التوصيفية و الجمل الفعلية الحركية و اشباه الجمل ( الجار و المجرور و قد و النفي و ظروف الزمان و المكان )

نص رقراق مؤثر صادق يهز القلب و الوجدان .. مترابط سلس و يستحق وقفات

عن محرر المقال

أيمن قدره دانيال

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية