بدأ أحمد يفقد الشهية وينتابه قلق يؤرقه منذ زيارته الأخيرة لبيت جده المريض, فمنذ أن توفيت جدته قبل أكثر من شهر والحزن يخيم على أرجاء الدار,فقد بدا جده كما شاهده آخر مرة معزولا في غرفته وعيناه التي كانت ضاحكة لفّها السواد قليلا وابيّض سوادها, دائما ما يجده غارقا في شروده وعيناه تائهه ليس لها مستقركأنها تبحث عن شيء ما ..فلا تجده حيث تكررت زياراته له,يجلس على فراشه وقد ازداد تقوس ظهره وفي يده المرتجفة عصا يتوكّأ عليها ويمسك بالأخرى مسبحة يتلاعب بحباتها بسرعة تعلن عن غضبه,بدا له في آخر زيارة شاحب الوجه وقد فقد من وزنه الكثير.. وكثيرا ما يمتنع عن الطعام,وجد الجميع أن ذاكرته لما حوله تلاشت هكذا يرونه وكان يراه هو كأنه يطرد من ذاكرته ما حوله لتتفرد ذاكرته بزوجته الراحلة فقط,وقعت عيناه على صورة لجدته وهي من مقتنيات أمه,كانت الصورة عند بداية زواجهما وهي تتأبط ذراعه باستيحاء ورغم أن الاصفرار شاب الصورة لقدمها لكنها لم تمحُ أناقتها ونظرتها الثاقبة وهي تنظر بوجهه,زاره آخر مرة وكان طريح الفراش والجميع حوله, أخبرهم الطبيب أنه لا يشكو من مرض عضوي ولكنه يعيش حالة اكتئاب ورفض ذاكرته لكل الاشياء من حوله, كان قلبه يتسع للجميع .والكل يعلم أنْ لا منافس لزوجته الراحلة عند نبضه,لم يبق معه إلا ابنته فهي الكبيرة ولها حظوة لديه كما لدى ولدها وحفيده أحمد..فقد خرج الجميع من عنده بوجوه حزينة متألمة..
خرج مسرعا ليعود ومعه الصورة . دخل عليه..كان مسجى على ف راشه وعيناه تدور كعادتها في محجريها..تائهه..
لم يكن لديه أدنى شك..أن جده راحل ...فقد هزل بدنه وشحب وجهه وغارت عيناه, أخرج الصورة من جيبه ورفع يده المرتجفة ودسها إليه..نظر إليها وتوقفت عيناه عن الدوران وبدا الدمع يجري جرياناً هادئاً منها.
أومأ لأم أحمد أن ترفع رأسه قليلا..وأشار جده عليه بإصبعه فهم منها أن يقترب منه ....
ظن أنه يريد أن يهمس له شيئا ما في أذنيّه ,اقترب منه بتوجس غريب ..وإذا بشفاهه المرتجفة تطبع قبلة طويلة على خده اختلطت مع دموعه ,في صباح اليوم التالي وجدوه مسجى على فراشه مبتسما ممسكا بيديه صورة زوجته الراحلة بقوة وقد فارق الحياة,حاول الجميع سحب الصورة من يديه..ولكن أصابعه قد تجمد أصابع حولها..

