النصف الآخر
قصة / ابتهال الخياط
سأروي لكم قصتي ،ستجدونها ولاشك غريبة فأغلب الناس يتجنبون الحديث عن الموت والموتى ،لا أعلم لماذا فهو الحقيقة الوحيدة رغما عنهم .
إني امرأة غريبة الأطوار كما يصفني بعضهم وذلك لسبب أهمس لكم به ( منهم الرجال الذين لا يتمكنون من اغرائي ونساء لا أشبههن في مايحبون ) .
أجل أيها السادة أنا امرأة غريبة أهوى الوحدة والصمت لكن الكلام كله مع نفسي وبمواضيع شتى قد أُوسع الدائرة فأغوص في كتاب أعجبني عنوانه و أستمر بقرائته لمرات إن أعجبني مضمونه .
قبل اسبوع فقط شعرت بالكره لكل شيء من حولي ، فتحت الباب وناديت على الجميع لكن لم يجبني أحد منهم ! نومهم عميق إنها الثانية بعد منتصف الليل ، نعم الليل الأسود رغم الأضواء التي كنت أعمد أن أتركها تعمل ليلا ونهارا.. ربما لأن الظلمة في داخلي أيضا. عدت لأغلق الباب و بالمفتاح و لن أُجيب على أحد إن طرقها.. مجنونة أنا بقوة الأفكار وقدرتي على الحياة بشكل مختلف واللعنة على كل شيء يكرهني أو يحاول أن يسلبني نفسي، لن يتمكنوا من كسري هؤلاء المثخنون بضياعهم.
لكن ألست نصف أحدهم ؟! أين هو ؟
و كيف سيجدني إن كنت في سجني هذا ؟ إن كان نصفي سيأتي ..لكن ربما هو ميت؟!
احتمال معقول ، قد يكون ميتا .. أريده وإن كان ميتا ،قالها طفل يوما حين قتلوا أباه، (أريده و إن كان ميتًا).
سأذهب إليه أنا .ليتني أعرف مكانه، آه أيتها الأقدار كم عبثت بي ،سأبحث عن كلمات ما أتوسل بها القدر كي يمنحني فرصة اللقاء به وإن كان في عمق الموت.
أيها القدر أغفر لي وقاحتي أنا أعلم أنك تحبني وأذكر لك الكثير من المواقف التي رافقتني بها راعيا ومنقذا ،وبالأخص حين كنت يافعة في الثالثة عشر من العمر وكنت أسير بمفردي وتوقفت تلك السيارة ونزل منها ثلاثة رجال رأوني واستعدوا لخطفي لكنهم ظلوا ينظرون إلى ناحيتي دون أن يروني فرحلوا مستغربين ، وأنا ايضا اندهشت ، نجوت فقط لأنك كنت معي تحميني ، أيها الطيب اغفر لي نكراني وسخفي لكنه الإنتظار و الحب .. كن معي كما كنت في تلك اللحظة لأعرف و ارتاح وأرضى، ها ..ماقولك؟ .
(بقيتُ صامتة لفترة وبلا تفكير واجتاحتني سكينة غريبة وتلاشيت لأكون بعدها في دهليز مظلم أسير فيه دون أن ألتفت ، كان أمامي ضوء خافت يقودني إلى الطريق الذي لا أعرف نهاية له، انحرافات عدة حتى أصابني الغثيان وهمسٌ من حولي و تساؤلات أثارت فيّ الخوف ، ياااااه إنهم الموتى ، إنه القدر قرر أن يمنحني حلاً لأحجيةِ النصف الآخر مني، المفقود هنا في عالم الموتى ، هيييي أيها الرفيق القدري ، تنازلت عنه أريد العودة ولأبقى نصفا فقط أرجوك لايبدو الأمر جيدا .
إن ّ ساقاي تسير بلا أمر مني ،وصلت إلى نهاية ممر و زال الضوء فجأة ، فكان أمامي .. إنه رجل غريب لا أظن أنني رأيته سابقا !!)
قلت: مرحبا ، إن كان ممكنا لك أن ترد عليّ.
قال: يبدو أنك مرموقة جدا فقد أعادوا لي جسدي مرمما بعناية وكأنني حي لأقابلك ، فمرحبا بك .قالوا أنك كنت ستكونين نصفي لو بقيت حيا ،ههههه.
قلت: هههههه ! وتضحك وأنت في هذا المكان المظلم والكريه يبدو أنك معذب ، مافعلت لتكون هنا، وهل من المعقول أن تكون نصفا لي ،الحمد لله أنك هنا ولست معي ، إنك حتى قبيح الشكل.
قال: شكرا لك ،وهل أنت جميلة ؟
قلت: ومايهمك الآن ؟
قال: أنا لا أستجوبكِ ، فعلا إنه لا يهمني .
لا تغضبي مني ،من المؤكد أن لك متاعبك الخاصة كي تفكرين بي وتجتهدين لمعرفتي . إني آسف جدا ،لكنني لم أكن هكذا .
قلت: الأسف ممن؟
قال: منكِ..!
قلت بحزن وهمس : لا داعي لذلك.
تكلمَ بصوت عال : أيها القدر يامن سمحت لأجلها أن تُفتح بابي ،هل ترضى بأن أكون رقيقا معها ؟ وأكمل: هل تظنين أنك في الطريق الصحيح من الحياة عزيزتي؟
قلت: أني لا أظن شيئا.
قال: ياله من خطأ كبير، تحققي من كل شيء قبل فوات الأوان ،كنت مثلك ،ساكن متحجر يحركون بي كدمية من مكان لأخر ينتفعون بي وبأي طريقة ممكنة وتركت لهم حرية العبث بي وبحياتي حتى أنفلت مني زمام الأمور وغرقت في الحانات هاربا منهم حتى الموت. أرجوكِ ماتزال الفرصة أمامك ، فاعشقي وكوني سعيدة ،تزوجي، كثرة الكبت هو موت مضاعف ولا أريدك هنا مستقبلا بحجة النصف الآخر ، إنه شيء سخيف وغير حقيقي ألا ترين أن الكثير من الرجال يتزوجون لأكثر من مرة ، فماهم أرباع أم أثلاث ،ههههههه.
قلت: ليست كل المتزوجات سعيدات.
قال: طبعا، ولكن حياتهن أفضل من وجودهن هنا ، الحب يكفي لأن يكون المرء سعيدا ، حتى لو كانت سعادة بحزن ، لاتطلبي مني تفسير هذه الجملة ..يجب أن تعيشيها . إن الحياة حلوة كيفما عاشها الإنسان فلاتتخلي عنها.
(أشحت بوجهي عنه في نفور ، لم أعقل مايقوله لي ،كنت أود ان أتكلم عن أفكاري التي طالما تأملتها في جُحري الخفي عن الجميع ، إني بحاجة له ،لكنه مازال يعيش في ما ترك ! تأجج شيء ما في داخلي نحوه وهدف ما تربص بي وكأنه الحب !! )
قلت: لا تترك لنفسك العنان لتنصحني ،لست قدوتي على أية حال ، بل ربما أنا أسوأ منك ومن حياة الحانات.
قال: أيتها النصف الحائر لا تتنازلي عن حريتك لتعطي الجميع ما تملكين ،كفى تنازلات انظري إليّ أرجوك ، ما أتى القدر بك إلى هنا إلا لتستيقظي قبل فوات الأوان ، لايريدك أن تلعنيه فلا دخل له في الأمر إنه اختيارك. لاتكوني مستعبدة حطمي أغلالك و اهربي.
قلت: إلى أين أهرب ، إليكَ هنا ؟!!
قال: ياللعبودية اللعينة ، إن بقيتي في القيود ستأتين إليّ هنا ، و ربما في نفس الحفرة التي تضيق بي ولن أتمكن من استقبالك.
قلت: أتعلم شيئا يانصفي؟ إنك رجل رائع قَتَلَته قيود الإرتباط الإنساني فنسيّ نفسه وحين كسرها عنه ضاقت نفسه المتعبة بالحب والخير فانتهى به الأمر إلى تأنيب الذات ومات كرها لها . إنني احببتك .لكنني مثلك إن خرجت من ذاتي هلكت بتعذيبها ، فما أفعل الآن ؟ ماأتى بي إلى هنا غير الحزن.
قال: أخبريني ،هل يطيب لك المكان هنا أنا وانتِ؟ تحدقين فيّ الآن ،هل أبدو وسيما؟
هل هكذا يلتقي البشر ؟ لماذا لم ألتقِ بك هناك ، ربما كنا الآن بخير ومعا في سعادة ، ماذا فقدتُ ، كم أنتِ جميلة ، هل ممكن أن ألمس وجهكِ؟
قلت: لن أمانع ،لكن هل سيوافق القدر أن يلتقي نصفان أحدهما ميت والآخر في الحياة؟
قال: لا ياعزيزتي ،ضيعت فرصتي ،ولن يكون لي شيئا منك حتى قبلة.
قلت:لقد عذبتني بانتظارك ، والآن عليّ أن أنسى كل حلم لي معك .
قال: لاتريني دموعك أرجوك ،تكفيني الظلمة والصمت وبلانهاية .عودي إلى حيث كنت وتذكري أنكِ كاملة ولاتحتاجين نصفا لك ، فالبعض قاتل يعيش كما الحشرات يمتص الدم وينهش الجسد.
(زاد الظلام فجأة ،و رحل عني وبقي صوته يدعوني للرحيل ، استدرت أبحث عن طريق العودة ، ماكان الضوء أمامي يسير .. لم أحتاجه .
قادتني أفكاري نحو الحياة ، شيء ما تنفس في داخلي ، فكنت في غرفتي ،كما هي ، الأثاث الأبله والكتب البالية والمرآة التي تنتظرني أن أحدق فيها لأرى نفسي ، والمفتاح المسكين يطلب الرحمة لأخرجه من الثقب ،فأما أن أرميه بعيدا إلى الأبد أو أفتح الباب إلى الأبد ، بقيت بلا قرار ، بانتظار من سيبحث عني ويطرق الباب فأفتحها له ،ربما سيكون الموت ،لكن هل سيأخذني هناك حيث نصفي ؟!!سأفتح له الباب على اية حال. )
.....
مازلتُ في غرفتي والمفتاح التصق بثقبه وبدأ يشخر بعد أن ثقل عليه الإنتظار ،أشعر بالقرف وأحتاج التقيؤ ،وألم يتسع في قلبي ، ربما من سخونة الجو ! .
تُرهبني لسعات البعوض الكثيف وكأنني أعيش في مستعمرة له، ماكل هذا السوء؟!
هل هو ليل أم نهار ، العتمة غريبة والصمت من حولي مميت .. ها ؟
ماذا قلت الان " مميت" ربما أنا ميتة !! سأحاول أن أعرف هذا حسنا الموتى لا ظل لهم كما سمعت أو قرأت..
لأنظر إلى المرآة ..هاأنا فيها الآن ، يامرآتي تحتاجين إلى بعض التلميع، أحتاج براهين أخرى سأجرح نفسي قليلا فلا بأس ببعض الألم للتوصل إلى حقيقة وجودي ، دبوس يفي بالغرض .. آآه موجع لقد دفعته كثيرا ، يبدو أنني قد جننت ،على كل حال مازلت على قيد الحياة ومعناه انني أمتلك القرار .
أيها القدر الحنون ، إنني بحاجة إلى الحديث مع أحد ما وأقترح إن لم تمانع العودة حيث نصفي الميت فهو يمنحني شعورًا لم أمتلكه من قبل بالسكون والرضا ،أرجوك أيها القدر كما ترى حاجتي إلى جواب لتساؤلات عدة قد تكون غير مهمة لكنه طبع البشر يبقى بحاجة للتواصل مع غيره ، ها..امنحني القبول أرجوك.
طال جلوسي بانتظار القبول ،شعرت بالنعاس والتعب وفوضى أصوات البعوض في أذنيّ ، تسارع النبض في قلبي وشعرت بالاختناق وتلبسني حزن شديد كعباءة ثقيلة أجهزت على جسدي فهويت على الأرض ، سائل لزج صار يسيل من فمي وحشرجة تركبت في صدري وحنجرتي تحولت إلى قطعة خشبية منعت أي نطق لي ، ياااااه أني أمووووت ، شكرا أيها القدر إني بحاجة إلى الراحة.
لحظات ألم شديد واختناق ورجفة سبقت خروج روحي من جسدي ، لكنني الآن واقفة أنظر و أنتظر الآخرين ، جميل أن جعلهم الله يضطرون إلى دفن الموتى و إلا ماكانوا تحركوا أو بذلوا جهداً في البحث عني ، ستكون رائحة الجسد قوية للسيطرة على سرعة وصولهم إليّ فالجو ساخن .
أردت فتح الباب لأُسهل الأمر فهو مقفول بالمفتاح لكن لم أقدر لأنني انتهيت إلى طاقة بلا اداة عمل.
طال انتظاري ويبدو أنهما يومان أو ثلاثة، جاء زواري يطرقون الباب وينادونني ،لن أجيبهم ..ليس بخبث مني طبعا بل بحالي الجديد.
كسروا الباب أخيرا ودفعوها وأرتطم المفتاح المسكين بالحائط لينكسر رأسه ويعلن نهاية غلق الباب إلى الأبد.ارتحت كثيرا ، رأيتهم يقلبون بجسدي ويبكون ، عجبا إنهم يحبونني !! ربما الآن سيندمون على أشياء كثيرة ، إنني أحبهم أيضا ولا أظن أن الحزن سيبقى ملازما لهم فتلك سُنة الحياة التي لاتتوقف عند موت أحد .
أيها القدر هل تسمح لي بالرحيل الآن نحو نصفي الآخر ، لاأعلم مكانه وإلا كنت ذهبت، الآن أنا حرة وسأجتاز المسافات والأرض والجدران وكل شيء ،أريد أن أُجرب الطيران حتى يتم دفني وأُسجن في حفرتي ، ها ماقلت ؟
أدهشتني نسمة هائلة من هواء عليل بعطر الياسمين الذي أحبه واخذتني بعيدا عن كل شيء ، ياااه إن القدر يحبني وأخذني في رحلة الرضا والجمال ،شكرا أيها القدر كم أحبك ،ماتركتني يوما وحيدة أعلم ذلك حقيقةً لكنه شيء مخلوق فينا نحن البشر لنحيا مع الآخرين ،شكرا لك كنت صبورا معي متفهما لحالي ،هذا ماكنت بحاجة له حريتي معك حيث جمال ما صنعت .
صرت أطير مع نسمتي وأنظر إلى ما في الأرض وماتحويه السماء ،ياللجمال .
أي سجن عشت فيه عند جسدي المتعب ، وذاك البعوض المزعج والمرايا السخيفة التي تُحصي عبث الأيام والسنين على الوجه والجسد والشعر والقلب وكل ما ينتقم من الروح بقسوته.
لم يعد للزمن وجود الآن ، الحرية ، أنا حرة الآن لا أحتاج لأحد لأشكو له ،وذاك نصفي المسكين سيبقى نصفا مكسورا ولن يكتمل بموتي ، فحفرتي ستكون لجسدي فقط أما روحي فـ مع النسمات تعيش.
