رحلة في ربوع الوطن...بقلم: علي الشافعي
فلسطين في الربيع ــ أيها السادة الكرام ــ قطعة من الجنة أنزلها الله سبحانه على الأرض , ليتذوّق الناس حلاوة بعض ما خبّأه الله سبحانه للمؤمنين من عباده في الآخرة . فهي عبارة عن مروج خضراء يانعة ممتدة على مدى البصر منمنمة بأنواع من الزهر من كل لون وشكل , ومما يضفي على المنظر روعة وبهاء أصوات الطيور وخاصة الحجل . قدر لي خلال زيارتي للضفة الغربية المحتلة في الربيع أن أتجول في محافظات الشمال الفلسطيني طولكرم نابلس وجنين , حيث تجولت في معظم سهولها وريفها , وشربت من مياهها العذبة , وأكلت مما تجود به الأرض الفلسطينية من نباتات برية واعشاب وطبية فأكلت من شومرها ولوزها الاخضر الشهي وكرزها وبقولها ؛ من بالبازيلاء البرية والعدس البري والسيسعة وكذلك زعترها البري اللذيذ , وغير ذلك مما يصعب تعداده , وكل هذه النباتات يعرفها من عاشوا في فلسطين , وعاشوا ربيعها الرائع . تمنيت أن يكون معي في هذه الزيارة الأهل والأصدقاء والأحباب .
كانت البداية من جبال بلعا العملاقة الجاثمة والمرابطة على ضفاف الساحل الفلسطيني , المطلة على البحر مباشرة وعلى أغلب قرى محافظة طولكرم , في منظر يجعلك تنطق بعفوية : تبارك الله احسن الخالقين !! تفف تتأمل بصمت جمال وروعة وهيبة المنظر , الأمر الذي تتمنى ان تبقى واقفا طوال العمر تتأمل بديع صنع الله تبارك اسمه . انطلقت بنا السيارة بعد ذلك عبر طريق جبلية وهي طريق بلعا العطارة سيلة الظهر , وهي طريق لها في نفوس أهل طولكرم وقراها ذكريات مريرة , فقد كانت الطريق الوحيدة لأكثر من عشر سنوات , إبان انتفاضة الأقصى المباركة , عندما قامت قوات الاحتلال بتقطيع أوصال المدن الفلسطينية , ومنعت المرور عبر الشوارع الرئيسة فكانت هذه الطريق المنفذ الوحيد الى مدينتي نابلس وجنين , وكذلك جسر الملك حسين على نهر الأردن . وقد تنبهت السلطة بعد ذلك الى أهميّة هذه الطريق فقامت بتعبيدها ولكنها بقيت ضيقة .
عند قرية العطارة نفق واسع يسمى الخرق , وهو عبارة عن نفق في الجبل يربط بين القرى شمال الجبل وجنوبه , يبلغ طول النفق حوالي 300مترتقريبا , يقال إنه بني في عهد الأتراك لبناء سكة الحديد المشهورة ضمن مشروع الخط الحديدي الحجازي , الذي لم يكتمل بسبب المؤامرات الخارجية والداخلية عليه وعلى الدولة العثمانية. وقد كانت قضبان السكة موجودة الى عهد قريب , ولكن للأسف اعتديَ على السكة واقتلعت قضبانها تحت سمع وبصر وتشجيع قوات الاحتلال بعد حرب عام 67.
من هذا المكان المرتفع تطل على مروج خضراء ممتعة تبهج النفس وتسر الناظرين , تطل على عدد من قرى جنين مثل كفر راعي وعرابة وغيرهما . بعد ذلك يتتابع معنا المشهد مرورا بالسيلة حيث أدينا في مسجدها الكبير صلاة الجمعة , وتابعنا بعد ذلك السير شرقا حيث يبدا الشارع بالانحدار شيئا فشيئا حتى يلتقي بشارع نابلس جنين هذا الشارع التاريخي الكبير.
خط نابلس جنين من أقدم الخطوط المعبدة في فلسطين وهو الخط الرئيس الذي يربط جنين بنابلس وطولكرم حيث كان يريط هده المدن بمدن الشمال الفلسطيني : حيفا وعكا والناصرة وطبريا ومرج ابن عامر , قبل نكبة 48 .
على جانبي الشارع (نابلس جنين ) سهل يبدا ضيقا عند السيلة , وعلى مسافة حوالي كيلومتر من مثلت السيلة جنين نابلس وعلى يسار الشارع توجد تلة صغيرة كان عليها مسجد ومركز لقوات الأمن الفلسطينية , قامت قوات الاحتلال بتدميره إبان الانتفاضة المباركة . يبدأ السهل كما أشرت ضيقا ثم يتسع شيئا فشيئا حتى يبلغ أقصى اتساع له في منطقة مثلث عرابة جنين يعبد , ويعتبر هذا السهل امتداد لسهل مرج ابن عامر المشهور , والذي يعد من أخصب سهول فلسطين , وأذكر أن هذا السهل في منطقة عرابة كان يزرع عادة البطيخ والشمام , هل تذكرون البطيخ (ابو بزرة بيضاء) كبيرة مكحلة , كان هذا النوع من البطيخ يزرع في تلك المنطقة فاشتهرت به , وكان يزرع (بعليا ) وتطيب ثماره للأكل في شهر تموز , واذكر اننا كنا نخزن منه حتى الشتاء , ولعل كبار السن يذكرون هذا النوع من البطيخ . إضافة إلى مزارع الدخان والخضار , فترى على مد البصر منظرا بديعا متعدد الألوان أما اليوم فقد اختفى هذا النوع من البطيخ ليحل محله البطيخ القزم (لا لون ولا طعم ولا رائحة) وكذلك الخضار وخاصة البطاطا والبصل . والربيع في ذلك السهل على جانبي الشارع شكل ثان , يستحق التأمل , أما قلت : ربيع فلسطين غير . طابت أوقاتكم
