-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

جبروت امرأة .... بقلم / : خالد عبد الكريم :العراق

جبروت امرأة 
قلم /بقلمي : خالد عبد الكريم :العراق 
قصة قصيرة

بلغَ الرابعةَ والعشرين من عمره ولايزالُ لم يرَ شيئاً من حياتهِ فهو يعيشُ مع أمِه المرأةُ المتسلطةُ التي لا تسمحُ لأحدٍ في المنزلِ أن يخرجَ عن سيطرتِها مهما كلّفَ الأمرِ. فهي لم يحكمْها أبٌ أو زوجٌ ؛ فأبوها الذي زوجَها مبكراً لكي ينجوَ من أفعالِها الشريرةِ في المنزلِ والمدرسةِ وحتى مع الأقاربِ! كانت تتبعُ أسلوبَ الحيلةِ والخداعِ والتمثيلِ وتفعلُ ما لا يتوقعُه الجميع؛ لكي تحصلَ على كلِّ ما تريدهُ أهوائها ورغباتها التي لا حدود لها. 
وزوجُها الرجلُ البسيط الذي شابَ مبكراً من معاشرتِها فالحياة معها كانتْ جحيماً تصبحَ وتمسي على المصائبِ والطلبات التي لا تنتهي حتى إنه لم يعدْ يحتملُ تلك الحياة الزوجية البائسة مع هذه الزوجةِ المتسلطة والمتحكمة بكلَّ شيء وكل شيء يجبُ أن يسيرَ وفقَ ما تريدهُ وتطلبُه دائماً وبلا نقاش أو جدل .
فسرعانَ ما وصلَ الحالُ بزوجِها إلى أن يهربَ من المنزلِ ويخفيَ أثرَه تماماً عن كلِّ صديقٍ أو قريبٍ !. حتى أبنائهِ الذين تحملُ المشقةَ لأجلِهم قد ضحى بحبِهم وتركَ كلَّ شيء وهربَ مختفياً تماماً عن الجميعِ . لم يؤثرْ ذلك على الأمِ المتسلطةِ فهي تعشقُ نفسَها فقط ولا تأبه لأحدٍ والزوج بالنسبةِ  لها مجرد خادم مطيع يلبي كلَ ما تطلبُ وعليه أن يقولَ دائماً سمعاً وطاعةً يا مولاتي. رحل الخادمُ المطيعُ بعد عشرين عاماً من الخدمةِ الشاقةِ ! وأصبحتْ الأمُ أكثرَ قوةٍ وجبروتٍ حتى إنها بدأتْ تمارسُ شغفَها في القسوةِ على أبنائِها وبدأتْ بالفتياتِ فزوجتهن بسرعةٍ كبيرةٍ قبل أن ينهينَ الدراسةَ الإعداديةَ ! ثلاثةُ بناتٍ كقطعِ الحلوى الشهيةِ رمتْ بهن في معتركِ الحياةِ الزوجيةِ مبكراً ! حتى أصبحتْ إحداهن تلعنُها ليلاً نهاراً لأنها سقطتْ في يدِ زوجٍ لا يرحمُ ومعقدٌ كلياً وجعلَ منها خادمةَ بل جارية تطوفُ على خدمتِه وأسرتِه الكبيرة ؛ فلم تستطيعْ حتى النومِ لخمسِ ساعاتٍ متواصلةٍ!. والأخرى تزوجتْ شيخاً كبيراً قد أهدى أمَها مهراً ضخماً يقالُ إنه خمسةُ كيلوغرامٍ من الذهبِ الخالصِ !! فلا يعلمُ أحداً كم كان المهرُ لأن الاتفاق كان سريٌا للغايةِ ولكنه لا يقدرُ بثمنٍ . حتى باتتْ هذه الطفلةِ الجميلة في أحضانِ هذا العجوز الهرم الذي لم تشبعْ رغباتَه حتى بعد زواجه الثالث ولديه خمسة وعشرين أبناً ؛ ولكنه تزوجَ الرابعةَ لكي يعيدَ أمجادَ شبابَه المنسي تماماً. أما الأخيرة فقد تزوجتْ من رجلٍ دينٍ بخيلٍ جداً فحكمَ عليها أن تموتَ وهي تتحسرُ على قشورِ الفاكهةِ التي لم تذقْ طعمَها لسنينِ طويلة !!
لم يبقَ أحد في المنزلِ يشاركُ تلك الأم المتسلطة إلا "عمار" الشاب المسكين الذي كانَ يشبهُ والدهُ تماماً فهو هاديءُ الطباعِ والمزاجِ وينفذُ كلَّ ما طلبَ منه دائماً بلا ترددُ أو نقاش .
حتى وصلَ الأمرَ إلى أن تختارَ له عروسةٌ تريدُ أن تجعلَها خادمةَ المنزلِ . فهي سيدةُ المنزلِ ولا يمكنُ أن تبقى تعدُّ الطعامَ والشرابَ وتنظفَ المكانَ بنفسِها. فقالتْ ذات ليلة لولدِها 
- يا عمار أنتَ كبرتْ وأصبحتْ شاباً وانا منذُ زمن طويل وأنتظرُ هذه اللحظةِ التي سوف أختارُ عروساً مناسبةً لكَ . 
عمار لم يستطعْ الردَ فهي تتحدثُ وقد علمتَهم منذُ الصغرِ لو تحدثتْ لهم لا أحدَ يقاطعُها بتاتاً فصمتَ والحسرةَ تسكنُ قلبَه إلى أن أكملَتْ حديثَها 
وقالتْ:
- لماذا لم أسمعْ رأيك بهذا الموضوع ؟! 
فتمتمَ بنعمٍ ،
- كيف ما تريدين يأمي؛ 
فرحتْ بسماعِها ذلك وقالت 
- سوف ابحثُ لك عن فتاةٍ مطيعةٍ قبل أن تكونَ جميلةً !.
فهز رأسَه بالقبولِ وقال : في جوفِه نعم 
- هذا ما تتمنيه أنتِ دائماً ؛ ولا يحقُ لأحدٍ أن يخالفَك مهما حدث!.  فذهبَ إلى فراشِه ونامَ والدموع تذرفُ من عينيهُ متذكراً أبيه وأخواته الذين ظلموا قبله؛ وحان الوقت لكي ينالَ ما نالوه في قادمِ الأيام. 
فذهبتْ الأمُ تبحثُ عن تلكِ الفتاة التي ستكون خادمتُها مستقبلاً وما إن باشرتْ بالحديثِ لمعارفِها حتى عرضَ عليها العديد من الفتياتِ في سنِ الزواجِ ، ولكنها فضلتْ أن تكونَ الفتاةُ من الطبقةِ الفقيرةِ ! وان لا يكون لها أسرة ضخمة ومعروفة لكي يسهلَ عليها افتراسَها.  ولم يمضِ الوقتَ إلا وعثرتْ على تلكِ الفتاةِ فذهبتْ لرؤيتِها وأعجبتْ بها . وقررتْ أن تخطبَها لولدِها الوحيد .
حان الوقتُ كي يكونَ عمارُ رجلَ المنزلِ بعد أبيه المفقود والأم تترقبُ هذه الخطوة بشغفٍ كبيرٍ وفي ليلةِ الخطوبة جلسَ عمارُ بجوارِ تلك الفتاة المسكينة التي تحملُ البراءةَ والجمالَ الأخاذ فتقربَ منها لكي يضعَ في يدِها خاتمَ الخطوبةِ وإذا به يرتجفُ ويرتبُك كثيراً ابتسمتْ الفتاةُ بوجهِه لم تصدقْ ما حصلَ له فضحكَ شعرَ عمارُ بالخجلِ وضحكَ أيضاً ثم حاولَ مرةً آخر أن يمسَك الخاتمَ جيداً كي يضعَه في إصبعِها شعرتْ هي بالراحةِ والأمانِ وقالت في جوفِها - الحمدلله مادامَ هو هكذا مرتبكا وخائفا جداً دليلٌ واضح على عدمِ تجربتِه مع أي فتاة أخرى بحياتِه وأنا الأولى والأخيرة! 
وهذا الموقف بعثَ بالاطمئنانِ في نفسِها وتشوقتْ كثيراً لمعرفةِ أدقِ التفاصيل عن حياةِ زوجِها الخجول .. عمار لم يفرحْ كثيراً ما إن عاد للمنزلِ حتى ذهبتْ ابتسامتُه وفكرَ بتلك الفتاة التي ستدخلُ منزلَ أمه المتسلطة وكيف سيكون حالها في قادمِ الأيامِ. 
مرت أيام قليلةً وتزوجَ عمارُ من تلك الفتاة البسيطة "عبير" التي كانتْ تشعُ نوراً وتنثرُ عبيرُها دائماً في كل مكان. 
فلم يكنْ عمارُ يعلمُ بكل ما تمتلكُ عبير من صفاتٍ ومميزاتٍ. وما إن دخلتْ منزلهِ حتى بدأتْ بتغييرِ كلِّ شيء فيه بدايةِ من ديكورِ المنزلِ والأم في ذلك الأسبوع كانت مسافرةً لزيارةِ أهلِها وعبيرُ وحدها تخططُ وتنفذُ كلَّ أفكارِها في تعديلِ المنزلِ ظناً منها سوف تفرحُ الأمَ في عودتِها بذلك!  لكن عمار لم يكن يفكرُ إلا بما سيحدثُ في قادمِ الأيام من مشكلاتٍ له ولزوجتِه فكان يسرحُ بفكرِه كثيراً حتى انتبهتْ له عبيرُ وقالت له :  ماذا بكَ يا عمارُ هل هناك شيئاً يشغلُ فكرَك؟ تكلمْ لا تقلق يمكنني المساعدةَ في حلِه .
ترددَ عمارُ وقالَ : 
- لا شيء لا تشغلي بالَك فالمشكلة كبيرة جداً ولا يمكن حلَها ! 
ضحكتْ عبيرُ وقالتْ:
- لا توجدُ مشكلة بلا حلٍ فقط ثق بيّ وجربْ  مرة واحدة على الأقلِ تطلبُ الحلّ مني .
ابتسم عمار وقال : 
- سوف أفعلُ ذلك لأختبرَ قدراتَك قريباً 
ردت هي بنوع من الغرورِ 
- كن واثقاً سوفَ أتغلبُ عليك فلا تتعجلُ فتخسرُ الرهانَ مبكراً  ! 
ضحكَ من كلامِها وطلبَ منها أن تعدَّ الشاي لكي يفصحَ عما بداخلِهُ . فذهبتْ مسرعةً تعدُّ الشاي ورجعتْ متلهفةً تريدُ أن تعلمَ ماهي المشكلة التي يعاني منها زوجُها عمارُ .
شربَ الشاي وقصَ عليها قصةَ حياتهِ إلى أن وصلَ إلى مرحلةِ زواجِه منها لم تتعجبْ عبيرُ من هذه القصة فهي ذكيةٌ جداً وواعيةٌ تماماً لكل ما سمعته من زوجِها فكأنها تقرأُ روايةَ جديدةً من تلك الروايات والقصص القصيرة التي كانت تقرأُها دائماً لهذا السبب عبرتْ عن ثقتِها بعمارٍ وقالتْ له : لا تقلقُ يا زوجي العزيز سوف يكون هناك حلاً يزيلُ كلَّ ذلك الهم والحزن الذي يسكنُ صدرَك. لم يفرحْ كثيراً عمارُ بذلِك الكلام ولكنه طلبَ من عبيرِ توخي الحذر من أمِه وأكدَ لها بأنها ليستْ سهلةً كما تظن. 
عادتْ الأمُ وشاهدتْ كل ما حدث في منزلِها من تغييرِ تعجبتْ واصابتِها الدهشةُ والفضولُ! من فعلِ كل هذا ؟! فدخلتْ تتفحصُ كل أرجاءِ المنزل ! وجدته متغييراً جذرياً ويبدو أجمل من ما كان عليه سابقاً حتى فاجأتها عبيرُ بقولها هل أعجبك الديكور الجديد للمنزلِ يا عمتي ؟! 
قالت الأم نعم ولكن لم أطلبْ منكم تغييرَ ديكور غرفتي وتغيير أماكن أشيائي !  قالتْ عبيرُ عمارُ طلبَ ذلك وأحبَ أن يغييرَ كلَّ شيء في غرفتِك ويأملُ أن تكونَ هذه البداية فقط لكي تتغييرَ كل تفاصيلِ حياتكِ! !! 
صُدِمتْ الأمُ بسماعِها هذه العبارة وقالت في نفسِها منذُ متى بدأَ عمارُ بفرضِ رأيه بالمنزلِ !!!
زعجَها الموقفُ فقررتْ أن تأخذَ قسطاً من الراحةِ وظلتْ تفكرُ هل تغيّرُ عمار بهذه السرعة ؟!
عبير حللتْ شخصيةَ الأمِ بسرعةٍ كبيرةٍ وتذكرَتْ كتابَ علمِ النفسِ الذي يبرهن على هكذا تصرفات وذهبتْ تُدرِبَ عمار على طريقِة تعاملِه الجديدة مع أمِه المرأة المتسلطة. 
وسرعان ما أصبحتْ الأمُ هي الحالة التي يجبُ أن تتعالجَ خاصةً بعد تدهورِ حالتِها الصحية ورقودها بالفراشِ. 
فقررتْ عبيرُ أن تستغلَ هذا الموقف وتحضرُ كتبَ القصصِ والرواياتِ وتبدأُ بقصِها على الأمِ المتسلطةِ حتى بدأتْ الكلمات تزعجُها وتارةً تفرحُها عندما يصلُ الشرَ إلى ذروتِه ولكن سرعانَ ما ينتصرُ الخيرُ فتهبطُ معنوياتُ الأمَ الشريرةَ. 
وتطلبُ من عبيرِ أن تكملَ القصةَ كونها تعتقدُ أن هناك شوطاً آخر للشرِ في إعادة السيطرة والهيمنةِ على مجرياتِ الأحداثِ. 
ولكن في كل قصةٍ تخذلُ بالنهايةِ وتتجرعُ مرارةً الهزيمة حتى لازمتْ الفراشَ وأصبحتْ تتذكرُ أبطالَ القصصِ والرواياتِ وتفكرُ فيهم كيف بدأو وكيف انتهى بهم الحال .
تتألمُ من ذلك الموقفِ تصرخُ تتصببُ عرقاً تشاهد الكوابيسَ دائماً وتظنُ نفسها هي من سيقضى عليها في ختام حياتها بدأتْ تتخيلُ زوجَها كيف سيعودُ من جديدٍ لينتقمَ منها !!!
فكل يوم تشاهده بكابوسٍ جديدٍ فمرة يحملُ فأساً ويريدُ أن يضربَها فيقطعَ رأسَها!  ومرة تشاهدهُ يحملُ منشاراً ويربطُها فيبدأُ بتقطيعِها ، وأخرى يأتيها بهيئةِ بائعٍ متجولٍ فيضعُ لها السمَ في قطعةِ الجبنةِ التي تعشقُ أكلها ؛؛ وبناتها تشاهدهن أيضاً يردن الإنتقام منها بكلِ وسيلةٌ فلم تستطيعْ النومَ وتشاهدُ الأحلامَ والكوابيسَ وتتألمُ كثيراً. 
فبدأتْ عبيرُ بتغييرِ نمطِ القراءةِ وتحاولُ أن تمنحَها الفرصةُ الثانية لكي تبدأَ بمعالجةِ أخطائِها التي دمرتْ بها حياة أسرتها. من هنا بدأتْ الأمُ بالتفكيرِ لمحاولةِ تصحيحِ الأخطاءِ التي ارتكبتها ، فبدأتْ بالبكاءِ وهي تسمعُ تلك الكلماتَ التي تقرأها عبيرُ ولكن الغرورَ والجبروتَ يمنعُها من الإعتذارِ بسرعةٍ فهي لم تعتذرْ عن أي خطأ في حياتِها .
ولكن عبيرَ لم تستسلمْ وأكملتْ ما بدأتْ به وفجأة أدخلت ْ عليها بناتَها فشعرتْ بالصّدمةِ وهن يقبلنها ويسألن عن حالتِها الصحية . شعرتْ حينُها بالضعفِ وكسرِ حاجز التعالي في نفسِها فقررتْ أن تعتذرَ لبناتِها عن كلِ ما فعلته بهن وطلبتْ أخيرا أن يسامحوها ويغفروا لها أخطاءها. 
فأبتسمَ عمارُ وفرحَ وضحكتْ عبيرُ الفتاةُ الذكية والواعية والمثقفة وأكملتْ فرحةَ الجميع بقولِها لا تذهبوا علينا أن نحتفلَ بمناسبةِ حملي للمولودِ الأول من حبيبي عمار !! ففرحَ الجميعُ بهذا الخبر وباتَ عمارُ الرجلَ الأسعدَ في الأسرةِ؛ لأنه ربحَ تلك الزوجة الرائعة التي أثبتتْ ذكائَها وانتصرتْ على جبروتِ تلك المرأةِ القاسية من خلالِ تجاربِها الوفيرة مع مؤلفي تلك الكتب والروايات التي لم تنفكْ من قرائتها وورثتها إلى أطفالها ليعيشوا أسعد اللحظات. 


عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية