-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

حدث في دولة الأمر .. قصة / ابتهال خلف الخياط - العراق

حدث في دولة الأمر 

 قصة  / ابتهال خلف الخياط
 

قلعة عظيمة ببوابة حديدية مغلقة و طابور من البشر يجلسون بانتظار أن تُفتح الباب ليدخلوا بين نساء ورجال وأطفال .
كان الوقت ظهرا و الشمس في كبد السماء رفع أحدهم رأسه .. نظر للشمس وقال: 
ما زال ينتظرنا الكثير من الوقت و غير الوقت .
ثم أطرق رأسه .لم يرد عليه أحد فالجميع صامتون و كأنهم بدون أفواه تغشاهم صفرة التعب والخوف والانتظار.
مَرَّت الساعات و مالت الشمس نحو الغروب، حينها دقت الأجراس بقوة شهق لها الغافون على بوابة القلعة ثم حاولوا الوقوف بنظام .
إذن هي ساعة فتح البوابة .
فُتحت البوابة أمام الداخلين ولكنهم لم يدخلوا بل تسمّروا بأماكنهم بالطابور وتقدم الجنود بحركة آلية و وقفوا عند جانبي البوابة ، ظهر كبيرهم وكان ضابطا برتبة عالية و وقف أمام الطابور .قال لهم :
عليكم أن تعرفوا قوانين دولتنا قبل الدخول و الإنضمام لشعبنا و أن تقبلوها موثقة بدمكم حتى إن خالفها أحدكم سيكون الثمن سحب دمه منه ورميه
خارجا للكلاب .
سكت قليلا ثم أكمل :
توافقون على الشرط ؟
أجابوه : نعم .
حينها أشار لأحد الجنود ليقرأ البنود..بنود العيش في دولة تسمى دولة الأمر..
وتقدم الجندي حاملا ملفاً  وبدأ بقراءة دستور دولة الأمر ..وكانوا جميعا ينظرون إلى الأرض و قد غزاهم الحزن و بدا عليهم أنهم يعرفونها جيدا لأنهم لم يكونوا يصغون .
كان دستورا عجيبا ليس كأي دستور فقد نص بعلانية مطلقة لكل مخترقات قوانين حقوق الإنسان سراً فقد بدأ :
1- إطلاق حرية الفرار و يقابلها حرية العقاب ونوعه .
2- حق تمليك منزل و توفير العمل و المأكل و الملبس و يقابلها تمليك نفسه للدولة .
قبول الفرد يعني قبول عائلته بذلك.
3- يكفل حرية الفرد بالحركة والتنقل و لكن لا حق له بالكلام وعليه ولضمان  تحقق ذلك يقبل بوضع اللّجام على فمه كي لا ينسى أن يعيش بصمت.
4- أن تكون مسيرة الحياة و العمل من المغرب إلى الفجر و تتوقف الحركة بطلوع الشمس و سيعاقب المخالف بالصلب ليوم كامل .
5- حق التعليم للجميع يقابله تبجيل الحاكم و الركوع أمام القصر كل يوم  والهتاف له بعلوه و عظيم مكارمه و منجزاته.
6- حرية الفرد بالزواج بواحدة و انجاب طفل واحد تتولى الدولة الإشراف على انشائه فكريا و إن تعددت الزوجات يتم اعدام الرجل و إن تعدد الإنجاب فسيتم الاستيلاء على الزيادة من قبل الدولة بشكل نهائي و يكون من حق الدولة التصرف فيها.
كان الجندي يقرأ و يقرأ..حتى انتهى .. و أطلق تحيته للضابط المسؤول. أخذ الضابط نفسا طويلا وكأنه كان هو مَن يقرأ .
سأل المنتظرين :
و الآن لنبدأ بتسجيلكم واحدا واحدا . تقدموا:
الأول : يعطي اسمه بالكامل ومنطلق سيره .. و معه زوجة و طفلان .
فقال للضابط : سيدي اختر أحد طفليّ لأنكم لا تُقبلون بأكثر من واحد .
أجاب الضابط بصوت خافت : اختر أنت .
فاجابه الرجل :سآخذ البنت وخذوا الولد.
كانت الأم صامتة لقد طبقّت قانون اللّجم قبل أن تدخل إلى الدولة. دخلوا الثلاثة بعد التوقيع و تركوا ابنهم عند الجنود.
الثاني: رجل و ابنه وكان شابا قويا يسند أباه ،  سجلا دخولا و وقعا.
الثالث : رجلان و امرأتان كانا أخوين كل واحد  و زوجته . وقعوا دخولا.
الرابع : امرأة وحيدة وقفت أمام الضابط وقالت:
أتيت أريد منكم ولدي.
قال الضابط متعجباً : أنت ِ لوحدك؟!
قالت : نعم .
قال: كيف..؟
قالت: أنا الأم سرتُ وحيدة لكن الريح بإمرتي  صادفني البحر لكنني مشيتُ عليه  ولم تبلعني مياهه قادتني الريح اليكم .
أريد ولدي.
قال: سجلي دخولك و وقعي . و اعملي بما سمعتِ ولا يهمني عمن تبحثين .
دخل الجميع وبقيت البوابة مفتوحة و من حول القلعة أرضا ممتدة مترامية لا تحيطها جبال و لا أنهار والليل يدخل كاسحاً الأرض.
بدأت الحركة و أصوات العمل و الطرقات و العربات إلا صوت البشر فلا صوت لمن يدخل القلعة باستثناء الجند وحراس الصولجان.
ساروا  وكأنهم داخلون إلى سجن يستلمون من السجان حصصهم مما نصّت عليه القوانين ، حصل الكل على منزل وتوفرت له الحاجات فيه من مأكل ومشرب وملبس وسيتم تحديد عمل له والتعليم إن ألزم. تلفتت المرأة الأم وقالت كيف تكون الحياة دون شمس ؟ هي الخير و لا تنمو الأشجار والأزهار ، كذلك نحن ..."لم تكمل" ..
فقد لطمها أحدهم وقال :اصمتي ..و إلا.
لقد وَقَعْتُم جميعا أن لا يحق لكم الكلام .
"ثم قال" للجنود معه  : سلموهم اللّجام كي ينسوا الكلام .
همست الأم في قلبها وهي ترتجف :
كان ولدي يحب الشمس .. أين هو الآن ..
بل كيف سأجده؟
واستلمت اللّجام ووضعته على فمها .. و مشت لتصل إلى منزلها المُعين لها .
صادفهم حين سيرهم عمود عالٍ قد صُلبَ عليه رجل وكان يئن نظروا جميعا إليه ثم استمروا بالسير بصمت ، همسوا جميعا بقلوبهم :
"لابد أن ّ الشمس قد أشرقت عليه فعوقب بالصلب ليوم "!.
كانت بيوتهم مرتبة بتسلسل دخولهم للدولة فصاروا جيرانا دخل كل منهم إلى رقمه، كانت منازل متشابهة في كل شيء ..حيث كُتبت عبارة كلكم متساوون في الحقوق والواجبات.
دخلت الأم منزلها تدور فيه دون هدى و تهامس نفسها:
ربما يكون المصلوب ولدي إنه لا يحتمل العتمة لقد غرروا به للمجيء إلى هنا كما الجميع إنها دولة للموت ، ماذا سأفعل في هذا الليل ؟ ثم كيف يكون الصباح و الأمر قيدٌ وقعت عليه ؟
ثم قالت : سأخرج و ليساعدني الله فتحت بابها لتواجه الشاب القادم مع أبيه , خارجا من منزله المجاور لها تَلَفتت حولها و أشارت له بالدخول فدخل  همست له : هل لك أن تساعدني؟
أجابها : ربما .
قالت : أبحث عن ولدي هنا ربما يكون هو المصلوب فهو يحب الحياة في الشمس .
أجابها: ولماذا جاء إذن ؟
أجابته :ضيق الحياة جعله يصدق ما تصرح به أبواق هذه الدولةالملعونة  ,أتساعدني ؟
ضلَّ صامتاً لفترة .ثم قال :
أنا أيضا أردتُ أن أصدق  و والدي لم يتركني آتي لوحدي و ها نحن إثنان في المصيدة .
وعمَّ الصمت بينهما الشاب والأم محور الحدث.
عجباً ليس هناك أقوى من الصمت في المأسآة إذن أرادوا أن يمارس الناس الصمت  كي يعتادوا على العذاب والعار.
خرج الاثنان وقد تأبطت الأم ذراع الشاب خوف الظلمة والزحام كثيرٌ .
هم القاطنون هنا لكن بدون ملامح ، غابت عنهم ملامح الإنسان بغياب الكلام  كُل الشعوب تنتصر بالدم إلا هذا الشعب هو مهزوم بالدم.
سار الشاب و ملامحه متحجرة بغضب فقد صارت قضيته" الأم و ولدها"ربما ليُكَفِّر عن مَقْدَم أبيه معه.
وصلا حيث المصلوب وأخذت الأم تدور حول العمود تبحث عن ملامح المعاقَب مع تلك الأنوار الخافتة  المقيتة التي تملأ الطرقات ، والخوف من أن يلاحظ العسكر حركتهما واللّجام على فمها يمنعها أن تبوح منادية باسم ولدها فكانت اللوعة تعصرها و لكنها الأم ،خلعته ونادت:
أَ..أنت َ ولدي  ؟
حينها توقف الأنين وجاءها الصوت المتهالك : أمي !
توقف المارون حين سمعوا الصوت , و التفوا بحلقات حولهما كان الشاب بجانبها ينظر ..جاء طابور العسكر منتبها إلى التجمهر أجابه أحد المارة مزيلا عن فمه اللّجام : إنها الأم لهذا المصلوب و أنا معهم .
هجم الحرس يضربون الثلاثة .. الأم والشاب والكاسر الثالث لحد الصمت   فانهال الشاب على أحد الحراس ..ليقول :
لا .. أخرى هرب البعض من المارة والبعض دافع عن المتكلمين ولكن بصمت  و البعض الآخر قطع لجامه و أخذ يصرخ و ارتفعت الأصوات في كل مكان وعمّت الفوضى وسط الظلام ..ولم تعد تكفي مجموعة العسكر ،  لقد داسوهم.
في هذا الإثناء كان المصلوب عند الأرض . لقد حرروه وحمله الشاب و قال :
هيا لنبحث عن مخرج حتى و إن كان إلى الجحيم يجب أن أجيء بوالدي .
فكان والده بقربه مجيبا له:
ما جئتُ إلا لأكون بقربك .
فهربوا لكن إلى أين الطريق؟
كنتُ أركضُ معهم اني أنا المجهول لا أعرف نفسي مَن أكون إلا بعد أن يصلوا إلى النهاية !
صرخ الشاب صرخة مدوية :
لتقم قيامتكِ أيتها الدولة الكابوس.
دخلوا زقاقا مظلما ضيقا فيه درج نحو الأسفل تراكضوا نازلين ، واجههما مفترق لطريقين ,هل أحدهما طريق للنجاة أم كلاهما هلاك؟
كان أحد الطريقين أشد ظلمة فقال الشاب "سأختار هذا" ..فدخلوا وكان مؤديا إلى سرداب بارد عفن تملؤه الديدان ..
نظر الشاب إلى مرافقيه فقد كان الخوف يتقافز من وجوههم وقال :
هل ستدخلون معي ؟ هل يمكنكم أن تتذكروا الذُّل فتحتملون الألم وتبددون المخاوف ونبدأ بالسير ؟ أم أعود بكم و أحني هامتي ليُقطع رأسي ؟
قالت الأم : بل نسير بني إن كان للموت فمعاً وإن كان للخلاص فمعاً .
ودخلوا السرداب ممرا طويلا، و انقطعت الأصوات و عمّ الصمت في المكان و لكنه صمت بدون لجام .
كانت الفوضى في طرقات الدولة و طوابير العسكر تتزايد وتمت إحاطة الجميع و شيئا فشيئا سكنت الأصوات و أخذ كلٌّ بلجامه وجاء الأمر بالسير نحو القصر قصر الرئيس .
سيخطب بكم الرئيس ..
(قال أحد المتسلطين) :وسننظر من منكم لن يركع فيكون عبرة معتبرة في تأريخ هذه الدولة النموذج .
سارت جموع الملجومين و من حولهم العسكر مأمورين بقتل كل من تختلف مشيته أو نظرته عن المطلوب فلم يكن هناك مخالفون وصلوا القصر حيث البوابات محصنة و الجند بملابس غريبة و قبعات عجيبة و سلاح مأمور بقتل الجميع الآمر والمأمور من المحتشدين.. حيث أنهم من جنس غير جنس الرئيس وحرسه و الثقة في هذه الدولة ليست عمياء.
صاح البوق وخرج رئيس الدولة  و بدأ الكلام ولكن كان الأمر العجيب لم يفهم أحد شيئا مما قال لقد تكلم بلغة غير لغة الشعب بكل ألوانه، لم تكن لغته شرقية و لا غربية و لا محلية هي لغة مبهمة فغابت كلماته عن الأذهان كما غابت كلمات الشعب عن اللسان. ياللشعب المسكين تحكمك الهرِّرة من أتباع الطاغوت ، ضاعت أمانيكم بين الخوف والكذب إنه مجهولكم الذي تنتظرون.العدم.
كان الأربعة يسيرون في دهاليز السراديب وقد اعتادوا الظلمة وتناسوا الخوف و المصير المجهول، أرجو لهم مجهولا أفضل فهم يستحقون.
كان هذا الليل طويلاً ,ولكن لابد للفجر من قدوم إنه المجهول المعلوم لمبدأ الكون حتى الآن.
وبدا لهم ضوء من بعيد في نهاية السرداب العجيب لقد أشرقت الشمس  وهم وصلوا النهاية إنهم خارج البوابة الحديدية.
بمجرد خروجهم رصدهم الجند ودُّق الناقوس و كأنها الحرب وفتحت الباب وجاء الجند يركضون لينفذوا ماحكم به القانون حيث أنه كما لك الحق بالفرار لهم الحق بأن يُمسكوا بك لينفذوا ما يشاؤون من عقاب .
ولكن كان للشمس قرارٌ بمعاقبتهم إن قاطعوها في دولتهم ومنعوا الناس منها فجعلت مركبة من شعاعها تلتف لتحمل الأربعة بعيدا عن هذه الأرض التي حاكِمها يحتاج إلى الترجمان كي يفهمه شعبه .. الشعب الحيّ في كوابيس الذّل والعار.
..........................................................

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية