مقطع قصير من سيرة طويلة
صورة وذكرى..
الأديب أحمد أبو حليوة
منذ أن رأيتُ هذه الصورة لمحطة الحجاز في دمشق، ورغبة تعتريني لذلك المكان الذي كان قرطبة أندلسي، عندما غادرتُ الشام بعيد إنهائي للمرحلة الجامعية، كانت مشاعري كبني الأحمر وأنا أقف في هذه المحطة لاستقل القطار المتوجه إلى العاصمة عمّان، حيث رافقني حتى محطة درعا أبي الغالي (أبو أحمد بلال) رحمه الله، وكذلك رفيقي الحبيب مازن الكردي، في حين اكتفى صديقي العزيز أنس أبوهلال بوداعي في هذا المكان.
هذا المكان الذي حضرتْ لوداعي فيه زميلتان جامعيتان.. صديقتاي الرائعتان، وكانت إحداهما تعني لي الكثير، ولا أدري ماذا كنتُ أعني لها، ولكنّها... بكتْني، ورشح رذاذ الأرض من نبع عينيها الجميلتين كربيع نيسان، حال تحرّك القطار ببطء، مما دفعني للصعود فيه حيث كنت أحمل بتثاقل نفسي، لأبتعد عمّن حولي ممن عشقت من بشر وشجر وحجر، والدمع تكاثف الندى على زجاج عيني، وشعور حدّ الفجيعة يراودني بالحزن والألم، كروح تنتزع من جسدي، وطفل يُؤخَذ بعيداً عن والديه أمام ناظريه، وزميلتي.. صديقتي.. والكثير عندي.. لا تعلم حجم الجهد الذي بذلته كي أنتزع صقيع يدي من موقد كفّها، وهي لا تعلم أيضاً حجم الودّ والحبّ الذي تشكّل في قلبي لها، بعد سنة دراسية رابعة في جامعة دمشق لم أحفل بشيء أكثر منها، بعد أن غدتْ رؤيتها والجلوس معها في حديقة المدينة الجامعية إحدى أهم طقوس يومياتي، خاصة عام 1997، أحد الأعوام الجميلة في سيرة حياتي، والعام الذي تربعتْ هي على عرش بطولته بلا منازع، تاركة في أعماقي الدفينة كنزاً من الشوق السرمدي لها، وآثار الحنين الخالد لتلك الحقبة الأجمل في ذاك الزمن الخلاب، الذي كان درّة العمر والأعوام.
كم أحنّ إلى مسقط رأسي، حيث سوريا، ودمشق الدافئة الثلج والذكرى، وهذا المكان، وكم اشتقت لكِ ولكلّ من فيكِ أو مرّ بكِ يا شام...
