د_محمود_شعبان .. يكتب :
(تأملات ذاتية في رواية
بعض الروايات لا نكتفي بقراءتها ، بل نجد أنفسنا نقرأ ذواتنا بين سطورها ، ونصادف فيها أسئلة طالما شغلت عقولنا ، ومشاعر عبرت عن أشياء كامنة في أعماقنا ، وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ رواية "أرني أنظر إليك" للدكتورة خولة حمدي .
لقد تأثرت بالرواية تأثرا عميقا ، ليس لمجرد أنها تحكي رحلة شاب من الإلحاد إلى الإيمان (مالك) ، وإنما لما وجدته فيها من أفكار تلامس تكويني الفكري والنفسي ، وتلتقي مع اهتمامات أحبها وأمارسها .
١-أول ما استوقفني فيها هو الخيط الناظم للرواية ، والمتمثل في الدعوة إلى التفكر الوجودي والبحث عن المعنى ؛ لا البحث عن أي معنى ، ولا مجرد التفكير في شؤون الحياة اليومية ، بل التأمل في الحقائق الكبرى للوجود ، والغايات الجوهرية للحياة الإنسانية ، والمعاني التي تمنح الوجود الإنساني اتجاهه وقيمته.
وقد استحضرت الكاتبة في هذا السياق قول الله تعالى:
"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا" سبأ ٤٦ .
فالتفكر والبحث عن الحقيقة ليسا ترفا فكريا ، فهما من أكثر ما يمنح حياة الإنسان عمقا ومعنى .
وقد وجدت في رحلة (مالك بطل الرواية) صدى لهذا الميل الإنساني إلى السؤال والتأمل ، وعدم الاكتفاء بالإجابات الجاهزة ، والسعي إلى فهم الوجود وما وراء ظواهره .
٢-أما الأمر الثاني الذي أثار دهشتي فهو اكتشاف ما يجمع البشر على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم ومعتقداتهم .
لقد شعرت وأنا أتابع رحلة (مالك) بأن وراء هذا التنوع الإنساني أصلا مشتركا يجمعنا وأننا رغم اختلاف طرقنا في فهم الوجود والبحث عن الحقيقة نتشارك أسئلة كبرى وتطلعات إنسانية عميقة . واستحضرت في ذلك قول الله تعالى:
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " الحجرات ١٣ .
كما استحضرت قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وفخرها بالآباء ، مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، أنتم بنو آدم ، وآدم من تراب " رواه أبو داود .
و"عبية الجاهلية" تعني كبر الجاهلية وتعاظمها ، وما يصاحب ذلك من فخر بالأنساب والأصول واحتقار الآخرين .
وقد لفتني في الحديث تأكيده أن الأصل الإنساني المشترك ينبغي أن يحررنا من التعالي بالأنساب والأصول ، وأن اختلاف البشر لا يمنح أحدا حق التكبر على غيره أو الانتقاص من كرامته .
ويمتد هذا المعنى في تصوري إلى وحدة أصل الرسالات السماوية ، وهو ما يعبر عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد " رواه البخاري ومسلم.
فالرسالات السماوية يجمعها أصل واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء ، كما قال تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" المائدة ٤٨ .
وقد لامسني هذا المعنى بعمق ؛ فشعوري بالانتماء إلى الله خالقي لم يضق بدائرة انتمائي الإنساني ، بل وسعها وجعلني أشعر بأخوة البشر جميعا ، رغم اختلاف معتقداتهم ومساراتهم في البحث عن الحقيقة والمعنى .
فالتنوع لا يلغي ما يجمعنا، والاختلاف لا ينبغي أن يحول بيننا وبين فهم بعضنا بعضا .
-وتبلغ رحلة (مالك) الفكرية والروحية ذروتها في مكة بعد رحلة طويلة من البحث عن الحقيقة والمعنى في مشهد وجداني مؤثر تصفه الكاتبة بقولها :
"رفعت كفيك إلى السماء وهمست في خضوع: يا رب ! ... فشعرت بالكلمة تتردد في صدرك لتجد صداها بين جنبيك... تهطل الدموع من عينيك سيولا تحفر أودية على وجنتيك ، وتستشعر نور الإيمان يملأ قلبك ، ويسكبه فيغرق روحك ، ويفيض من كل مسامك .
رحت تردد في يقين:
الآن أراك ، الآن أراك ! " .
(ص ٤١٧/٤١٨، ط١ كيان للنشر والتوزيع،يناير٢٠٢٠ ) .
إنها لحظة تتجاوز الوصول إلى إجابة عقلية ، لتصبح تجربة روحية يعيش فيها الإنسان ما ظل يبحث عنه طويلا .
وقد استحضرت أمام هذا المشهد حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" متفق عليه .
ولعل هذا ما جعل الرواية تلامسني على نحو خاص ؛ فقد وجدت في رحلة مالك أصداء لأسئلة واهتمامات قريبة من تكويني النفسي والفكري ، وشعرت أن الرواية لا تدعونا إلى التأمل في رحلة شخص آخر فحسب ، بل تفتح أمامنا المجال للتأمل في رحلاتنا نحن ، وفي أسئلتنا الكبرى ، وفي علاقتنا بالخالق وبالإنسان وبالحياة .
ولهذا فإنه في تقديري تكمن قيمة الرواية - بالنسبة إلي - في هاتين الفكرتين اللتين ظلتا حاضرتين في نفسي بعد الانتهاء من قراءتها :
١- التفكر الوجودي والبحث عن المعنى . ٢-واكتشاف الأصل الإنساني المشترك الذي يجمعنا جميعا رغم اختلاف ثقافاتنا وأدياننا ومعتقداتنا .
-إنها دعوة إلى أن نفكر بعمق في الحقائق الكبرى للوجود ، وأن نبحث عن المعاني التي تمنح حياتنا اتجاها وقيمة ، وأن نظل في أثناء رحلتنا نحو الحقيقة ، قادرين على فهم الآخرين والشعور بأخوتنا الإنسانية معهم .
- هكذا خرجت من الرواية وأنا أكثر إيمانا بأن البحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يضيق قلوبنا ، بل أن يوسع آفاقنا ، وأن الإيمان الذي يعمق صلتنا بالله يمكن أن يعمق كذلك شعورنا بالرحمة والمحبة تجاه إخوتنا من بني آدم أجمعين .

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: