من أين تأتي أوجاع الكاتب؟ ...... د. عبدالكريم الحلو

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

من أين تأتي أوجاع الكاتب؟
د. عبدالكريم الحلو
 

 
هناك لحظة غريبة في عالم الكتابة :
لا يعرفها إلا من جرّب أن يكتب من أعماقه.
تجلس أمام الورقة،
أو أمام شاشة بيضاء
لا تعرف ماذا تريد منك،
ثم تبدأ بنحت الكلمات
كما لو أنك تنتزعها من لحم روحك.
كلمة من هنا، تنهيدة من هناك،
وشيء من دم القلب
تضعه بين السطور
ثم تمضي.
وحين تفرغ من الكتابة،
تشعر أنك لم تكتب نصًا فحسب،
بل نزعت جزءًا منك
وتركته عاريًا أمام الآخرين.
حينها تكتشف شيئًا مؤلماً :
أن أوجاع الكاتب ليست دائمًا في الخسارات الكبرى، ولا في الخيبات التي تصفعه في حياته، ولا حتى في الكلمات القاسية التي تأتيه من خصم يعرفه.
أحيانًا يكون الوجع
في صوت يأتي من العدم
صوت شخص لا يعرفك،
لم يجلس معك، لم يرَ وجهك،
لم يعرف كم مرة أخفيت وجعك خلف ابتسامة، ولا كم ليلة بقيت مستيقظًا وأنت تحاول أن تمنح جملة واحدة حياة.
ومع ذلك، يقرر أن يحاكمك
ليس لأنك أخطأت بالضرورة،
وإنما لأن الضوء الذي في نصك أزعجه.
فالضوء، في بعض الأحيان،
لا يكشف الطريق فقط
إنه يكشف الأشياء التي كان الظلام يخفيها.
أنا أكتب لأنني أؤمن
أن للكلمة وظيفة تتجاوز الزينة.
أكتب لأنني أريد أن أمنح العالم
شيئًا من الحب، شيئًا من التسامح،
شيئًا من السلم الأهلي، وشيئًا من ذلك المعنى الذي يتساقط من حياتنا كل يوم وسط هذا الضجيج الهائل.
أكتب كي لا يموت صوتي.
وأكتب كي لا يتحول قلبي إلى حجر.
وأكتب لأنني أؤمن أن كلمة صادقة
قد تصل، في لحظة لا نعرفها،
إلى إنسان يجلس وحيداً في مكان بعيد، فتمنحه سببًا صغيراً كي يكمل الطريق.
ربما لا أعرف حتى اسمه.
وربما لن أعرف يومًا أن كلماتي وصلت إليه.
لكن يكفيني أن تكون الكلمة قد عبرت.
ومع ذلك،
في كل مرة يزهر فيها النص،
يظهر من يضايقه الضوء.
هناك من يعيش طويلًا في العتمة حتى تصبح العتمة جزءًا من رؤيته للعالم ؛
فإذا رأى شمعة في يدك،
لم يسأل: من أين جاء هذا النور؟
بل يسأل: كيف أطفئه؟
وهنا يظهر أولئك الهلاميون والظلاميون؛ الذين لا يملكون موقفًا واضحًا، ولا مشروعًا حقيقيًا، ولا شجاعة المواجهة الصريحة، فيأتون من أطراف المشهد، يلقون حجارتهم ثم يختبئون.
يتحدثون عن الذوق
وهم أبعد ما يكونون عن روح الذوق.
ويحاكمون النص قبل أن يقرأوه.
ويحاولون تشويه الجمال لأنهم لم يستطيعوا أن يصنعوا شيئًا يشبهه.
ثم يتجرؤون على النص، لا لأنهم امتلكوا أدوات نقده، بل لأنهم أرادوا أن يطعنوا صاحبه.
وهنا يصبح السؤال أكثر مرارة :
ماذا تفعل حين يهاجمك شخص لا يعرفك، ولا يعرف نصك، ولا يملك حتى الشجاعة ليقف في الضوء ؟
هل تدخل معه في معركة ؟
هل تشرح له قلبك ؟
هل تقنعه أنك لم تكتب لتؤذيه ؟
أم تتركه وحيدًا مع ظله ؟
لقد تعلمت أن بعض المعارك لا تستحق أن نخسر من أجلها دقيقة واحدة من أعمارنا.
فليس كل صوت يستحق جوابًا،
وليس كل حجر يستحق أن ننحني لرفعه.
أعداء الحب ، يظهرون غالبًا عندما يزهر النص ، وأعداء التسامح ، يرفعون أصواتهم عندما يشعرون أن قلبًا ما يحاول أن يفتح نافذة في جدار الكراهية.
لا .. لأن الحب ضعيف
ولا .. لأن التسامح عاجز
وإنما لأن بعض النفوس اعتادت أن تعيش على الحدود الضيقة التي رسمتها لنفسها، فتخاف من كل نافذة واسعة.
أنا أؤمن أن الكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يسمح للضجيج أن يغيّر بوصلته.
فالكاتب الذي يكتب لإرضاء الجميع، سيتحول في النهاية إلى صدى للجميع،
ولن يبقى له صوت.
أما الذي يكتب من داخله،
فسوف يختلف معه بعض الناس،
وسيحبه بعضهم،
وسيغضب منه آخرون.
وهذا طبيعي جداً
تلم سنة الحياة
فالكتابة التي لا تزعج أحدًا،
ولا تفتح سؤالًا، ولا تحرك ساكنًا،
قد تكون جميلة أحيانًا،
لكنها لا تترك أثرًا عميقًا.
لذلك، لا عليك.
لا تتوقف.
حين يهاجمك أحدهم،
لا تسارع إلى كسر قلمك.
وحين لا يصفق لك أحد،
لا تعتقد أنك فشلت.
وحين لا يفهمك أحد،
لا تغيّر نفسك كي تصبح مفهومًا للجميع.
ابقَ كما أنت.
فالضوء لا يعتذر للظلام لأنه أضاء.
والزهرة لا تشرح للعابرين
لماذا اختارت أن تتفتح.
وأنت أيضًا…
اكتب.
اكتب لأن لديك شيئًا تقوله.
اكتب لأن في داخلك سؤالًا لم يجد جوابًا.
اكتب لأن قلبك، رغم كل ما مر به،
ما زال قادرًا على الحب.
واكتب لأنك حين تكتب بصدق،
فإنك تترك شيئًا منك في هذا العالم،
حتى بعد أن تغيب عنه.
وأنا ؟
ما زلت أشحذ همتي كل صباح،
وأجلس أمام نفسي قبل أن أجلس أمام الورق، وأقول لها :
لا تتوقف عن الكتابة.
ما دام في القلب نبض،
فهناك شيء يستحق أن يُكتب.
وما دامت في الروح أسئلة،
فهناك طريق لم ينتهِ.
وما دام في العقل فكرة لم تولد بعد،
فليس من حقك أن تقول : انتهيت.
قد يطول الطريق
وقد يقل التصفيق
وقد يسيء البعض فهمك
وقد تجد نفسك أحيانًا
تكتب في صمت كامل،
كأنك تحدث جدارًا لا يجيب.
لكن لا يهم.
فالكاتب لا يكتب دائمًا لمن أمامه.
أحيانًا يكتب لمن سيأتي بعده.
وربما تكون أجمل جملة تكتبها اليوم
هي الجملة التي يحتاجها إنسان غدًا.
ولهذا، كلما حاول اليأس
أن يضع يده على قلمي،
أزيح يده بهدوء، وأبتسم.
ثم أقول لنفسي:
فوت بفالك…
Go Ahead.
امضِ ...
لا تنتظر إذنًا من أحد.
لا تقف طويلًا عند أبواب الآخرين.
فأنت لا تحتاج إلى باب يفتح لك الطريق…
اصنع بابك بنفسك.
ثم ادخل .. و اكتب
واترك للزمن مهمة اكتشاف ما فعلته الكلمات.
فربما ينسى الناس صوتك يومًا…
لكنهم لن ينسوا بالضرورة ما تركته في أرواحهم أبداً .
شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: