أَرَقٌ وَحِبْرٌ.... أ . كاملة محمود الصيداوي ـ فلسطين

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 

أَرَقٌ وَحِبْرٌ
 أ . كاملة محمود الصيداوي ـ فلسطين
 

 
في الهزيعِ الأخيرِ من الليلِ، حين يهدأُ ضجيجُ المدينةِ ويتخففُ السكونُ من ثقلِهِ، تبدو عقاربُ الساعةِ كأنّها تمارسُ طقسًا خالصًا؛ تبلغُ الروحُ أقصى أرقِها، ثم تعيدُ خلقَها نقيّةً على حافّةِ كلِّ ثانيةٍ.
​تطفو في هذه العتمةِ زاويةٌ ضوئيّةٌ عابرةٌ: رجلٌ يقفُ عندَ بائعِ أزهارٍ، يتخيّرُ بمهلٍ وإصرارٍ باقةً يانعةً لسيّدةٍ ما. كان يتفحّصُ انحناءةَ الساقِ وطراوةَ البتلاتِ، كمن يفكُّ شفرةَ عاطفةٍ معقّدةٍ؛ فالوردُ في كفِّ الأنثى ليس مجرّدَ زينةٍ، بل اعترافٌ خفيٌّ بتفاصيلَ تفلتُ من معاجمِ الرجالِ: كحمرةٍ خجولةٍ تسبقُ البكاءَ، أو ظلٍّ خفيفٍ يرتجفُ على حافّةِ الذاكرةِ، أو رعشاتٍ روحيّةٍ تحتفظُ بأسرارِ الخيبةِ والرجاءِ. لم يكن يشتري مجرّدَ ألوانٍ، بل كان يشتري مهلةً قصيرةً لوجهٍ يعرفُ كيف يخبّئُ وجعَ العمرِ خلفَ ابتسامةٍ كاملةِ النصابِ.
​تحدثُ تلكَ اللفتةُ هالةً في العزلةِ، فتستحضرُ الروحُ ملامحَها في العتمةِ؛ صورةً خاليةً من حدّةِ الأبيضِ والأسودِ، مضاءةً بألوانٍ غائمةٍ تشبهُ أطيافَ النغمِ في أغنياتِ فيروزَ، حين تحيي العروقَ الباردةَ.
​تتورّدُ اللحظةُ عن مجازاتٍ جديدةٍ؛ كأنّ البوحَ أرجوحةٌ معلّقةٌ بينَ غيمتينِ، وكأنّ اللغةَ ثوبٌ عتيقٌ يعادُ غزلُ أطرافِهِ بضوءِ قنديلٍ خافتٍ. لم يعدِ السهرُ مجرّدَ استنزافٍ للوقتِ، بل صارَ معبرًا سرّيًّا تشيّدُ فيهِ الروحُ متاهتَها الأنيقةَ: الشغفُ كأنّه‌ رسمٌ بالندى على زجاجٍ ينطفئُ بالتدريجِ، والرغبةُ في السكونِ تمتدُّ كجسرٍ قصبيٍّ يعبرُ فوقَ نهرِ الحيرةِ.
​وهناكَ، في حضرةِ الليلِ، يبدأُ الرهانُ الشفيفُ: مقايضةٌ هادئةٌ بينَ الوهمِ واليقينِ، يدركُ فيها العقلُ سرَّ ما همسَ بهِ الشعراءُ؛ أنّ العابرَ ليسَ ما تلتهمُهُ الأيامُ، بل ما يغفلُ الحبرُ عن تدوينِهِ. وحدَهُ الحبرُ ينسابُ ببطءٍ، يرمّمُ ركامَ التعبِ، ويشيّدُ سكنةً وادعةً للنومِ كي يديرَ في قفلِ الليلِ مفتاحَ الخلودِ.

شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: