من أوراق الذاكرة
الشهد في عنب الخليل
طعمك خليلي يا عنب
منذ طفولتي وأنا أسمع هذه الكلمات، وكلما سمعتها اليوم أشعر أن بابًا قديمًا في الذاكرة ينفتح، ويخرج منه طفل حافي القدمين، يحمل في خياله عنقود عنب، ويمضي خلف حكايات الأجداد.
لم نكن نعرف يومها لماذا كان للعنب طعم الخليل، ولماذا كان الشهد يسكن عناقيدها، لكننا كنا نعرف أن وراء الكلمات أرضًا بعيدة وقريبة، تصل إلينا عبر الأغنية والحكاية ورائحة التراب.
كان عنب الخليل حكاية نسمعها قبل أن نراه. كان الكبار يحدثوننا عن الكروم والعناقيد المتدلية من الدوالي، فنرسمها في خيالنا، ونضيف إليها من شمس الطفولة ما يجعلها أكثر حلاوة.
وكانت فلسطين في ذاكرة أجدادنا أرضًا يعرفونها بالطريق والقدم والحكاية. كانوا يذهبون إلى طبريا والخليل وغيرها من المدن، ويعودون إلى حوران محملين بأخبار الناس ورائحة الأسواق وحكايات السفر.
كانت طبريا مدينة البحيرة والماء والسوق، وكانت الخليل تسكن في أحاديثهم بعنبها وكرومها. أما القدس ويافا وحيفا والناصرة وأم الفحم فكانت أسماء نسمعها فنشعر أنها قريبة منا، قبل أن نعرف معنى الخرائط والمسافات.
وكان الطريق بين حوران وفلسطين حكاية أخرى. سهول وقرى وأسواق، ومسافرون يعرف بعضهم بعضًا، وخيط قديم من التجارة والصداقة والقرابة. لذلك بدت فلسطين في طفولتنا أقرب إلى القلب من المسافة.
ولعل أجمل ما في الطفولة أننا كنا نحب الأشياء قبل أن نراها. أحببنا فلسطين من حكايات الأجداد، وأحببنا الخليل قبل أن نعرف الطريق إليها، وعرفنا عنبها قبل أن تصل حبة واحدة منه إلى أيدينا.
كبرنا، وتبدلت الأيام، لكن الكلمات بقيت كما هي
الشهد في عنب الخليل
طعمك خليلي يا عنب
كلما سمعتها عادت رائحة التراب بعد المطر، وعادت البيوت القديمة وأصوات الأمهات، وعادت حوران بأرضها وحقولها ودفء ناسها. كأن أغنية قديمة تعيد فتح نافذة أغلقتها السنوات.
ولم يكن الشهد الذي سمعناه عن عنب الخليل حلاوة تذوقناها، بل حلاوة حكاية تركها الأجداد في قلوبنا. وهكذا بقي عنب الخليل عنقودًا معلقًا في شجرة الذاكرة، كلما تحركت أغنيته عاد إليّ الطفل الذي كنتُه، وعادت معه فلسطين، قريبة كما كانت في الحكاية.
التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: