وفاء .. بقلم : حسين داخل الفضلي

اخر تحديث:
حسين الفضلي
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال
بقلم : حسين داخل الفضلي
 
عشرُ سنواتٍ لم تكن كافيةً ليفكَّ الصبيُّ شفرةَ العالم، لكنّها كانت اتّساعاً كافياً ليمشيَ في ظلِّ أبيه؛ يرتشفُ منه الحكمَةَ كما يرتشفُ الخطوُ أثرَ الطريق. ​في ذلك اليوم، امتدّت يدُ الأبِ لتبتاعَ ثلاثةَ دكاكينَ بسبعمائةٍ وخمسينَ ديناراً سويسريّاً. كان الصبيُّ يرمقُ المفاتيحَ الثقيلةَ في يدِ أبيه كأنّها مملكةٌ صغيرةٌ شُيِّدت للتوّ. ​وفجأةً.. انكسرَ صمتُ الشارعِ بنداءٍ عاجلٍ من الأب: — "يا فلان.. تعال!" ​أقبلَ الرجلُ بخطواتٍ غافلة، فلم يمهله الأبُ حديثاً؛ سلّمه أحدَ المفاتيحِ الثلاثةِ وانصرف. ​تجمَّدَت الدهشةُ في عيني الصبي، وتساءلَ بذهولٍ يفيضُ بالاستنكار: — "يا أبي! للتوّ اشتريناها.. كيف تفرّطُ بها قبلَ أن نلجَ بَابَها؟" ​التفتَ الأبُ، وفي عينيه بريقُ ذكرى قديمةٍ لا تطمسُها الأيام، وقال بصوتٍ يزخرُ بالوقار: — "يا بنيّ، هذا ليس تفريطاً.. هذا ردُّ دَيْنٍ ظَلَّ يطوِّقُ عنقي زمناً!" ​ازدادَ غُموضُ السؤالِ في قلبِ الصغير: — "أيُّ دَيْنٍ يا أبي؟" ​استرجعَ الأبُ أريجَ تلك الليلةِ الشاحبةِ وقال: — "يومَ كُنتُ ملقًى على سريرِ المستشفى عقبَ جراحةٍ مضنية.. وحينَ انقاحَ البنجُ وفتحتُ عينيَّ بوهن، لم أجدْ سواه! كان يمسحُ فمي وجبهتي بالمناديل، يحرسُ وجعي، ويسهرُ على راحتي طوالَ ليلةٍ كاملة.. رجلٌ أهداني حنوَّه في أشدِّ لحظاتي ضعفاً، فكيفَ لا أردُّ له الجميلَ حينَ مكَّنني الله؟" ​سكنَ الصبيُّ، وسكنَت معه الشوارع. لم ينبهرْ حينها بعظمةِ الموقفِ فحسب، بل أدركَ أنَّ الوفاءِ ليسَ مجرّدَ كلمةٍ تُقال، بل هو طَبْعٌ كَرِيمٌ يُحيي في القلوبِ جَمِيلَ الأَثر.
شارك المقال:
حسين الفضلي
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: