قالتْ: ماذا تفعلُ؟
قلتُ: أ ستدعي حضور الصباح في فنجاني
وأرتشفُ بعضَ القهوةِ
كي لا يفيضَ الليلُ من عينيّ.
قالتْ: وكيفَ كانت؟
قلتُ: سمراءَ...
كليلٍ خبّأَ نجومَهُ في شعرِكِ،
كعينيكِ حين تُغلقينَهما
فيُغلقُ العالمُ أبوابَهُ
ويجلسُ القمرُ عندَ نافذتي
ليتعلّمَ منكِ السهر.
قالتْ: عاديّةٌ إذن؟
قلتُ: بل أنتِ لا تعرفينَ القهوة...
القهوةُ امرأةٌ،
إن لم تضعْ شفتيها على حافةِ الفنجان
لا تكتملُ أنوثتُها،
وإن لم يمرَّ اسمُكِ
في بخارِها،
تظلُّ سحابةً يتيمة
لا تعرفُ أينَ تمطر.
للقهوةِ طقوسٌ...
أن تُفتحَ نافذةُ الصباحِ على وجهكِ،
أن ينامَ الضجيجُ
حين تتكلمين،
أن أضعَ الفنجانَ بين يديّ
فتجلسَ روحُكِ قبالتي
ولو كنتِ في آخرِ الأرض.
للقهوةِ طقوسٌ...
أن أحرّكُها بملعقةٍ
فتدورُ دوائرُها
كأنني أحرّكُ مدارَ قلبكِ حولَ قلبي،
وأن يصعدَ بخارُها
كوشاحِ عروسٍ
يتسلّلُ من كتفيكِ
إلى سقفِ الغرفة.
فإن غابتْ طقوسُها،
ماذا يبقى؟
يبقى الفنجانُ...
كشفتينِ بلا قبلة،
ويبقى الصباحُ...
كشرفةٍ بلا شمس،
ويبقى اللونُ...
كحكايةٍ نُزعتْ منها الكلمات،
ويبقى الطعمُ...
كحبٍّ لم يجدْ فمًا يعترفُ به،
ويبقى المذاقُ...
كقصيدةٍ ماتَ شاعرُها
قبلَ أن يكتبَ بيتَها الأخير.
وأنا يا سمراء...
لا أشربُ قهوتي.
أنا أرتشفُ حضوركِ منها،
وأتذوّقُ صوتكِ في مرارتها،
وأرى عينيكِ
في سوادِها الهادئ،
وأضعُ قلبي في قاعِ الفنجان
ثم أتركُ شفتيكِ
تقرآنِ فنجاني.
فلا تسألي بعدَ اليوم:
كيف كانتْ قهوتي؟
فالقهوةُ من دونكِ
مجردُ ماءٍ أسودَ
يحاولُ أن يتذكّرَ كيفَ يكونُ حيًّا...
وأنتِ وحدكِ
من ينفخُ في فنجاني
روحَ الصباح.
أنتِ...
الطقسُ الذي إذا حضرَ
صارَ للقهوةِ قلب،
وللصباحِ عطر،
وللشفاهِ قصيدة،
وللحبِّ...
فنجانٌ واحدٌ
نشربُهُ معًا
ولا ينتهي.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: