قراءة وجدانية في قصيدة "النَّحّات" للشاعر الليبي الكبير عمر عبد الدائم
بقلم / أ . فاديه عريج
"النَّحّات"
من أول الخلقِ ، مِن سِفري وتكويني
ألفَيتُ حبَّكِ يجري في شراييني
سمعتُ صوتك في اللا وعي يهتفُ بي:
اضرب بإزميلك المعنى ، لتُحييني
وقفتُ ، واللغةُ الصّماءُ تدفعُني
إليك، والفكرةُ الخرساء تُدنيني
ماكان إلاّكِ في دنيا مُخيلتي
ولا سِواكِ بهذا الكون يعنيني
في معبدِ الرُّوح تمثالاً نحتتُكِ كي
يبقى مدى الدّهر تذكاراً يواسيني
عشِقتُهُ عشق "بجماليون" دُرَّته
فدبَّت الروحُ في الصلصال والطينِ
دخلتُ دوحتك الغنّاء منتشياً
والطلع ينضج بِكراً في العراجينِ
طفلين كنَّا ، وللأزهار ترجمةٌ
ما بيننا .. وقِطاف الورد يُغريني
مازال طيفك في صحوي يرافقني
وفي منامي مع الأحلام ياتيني
فصرت أسقيه من شِعري وأُثمله
وظلّ بالحبِّ قبل الشِّعر يسقيني
حتى ارتوينا ، وابقينا بدفترِنا
بعضَ القصيدِ زكاةً للمساكين
فالشعر يسبي قلوب العاشقين إذا
ما ساق ذكرى ، وسلوى للمجانين
أشتاقك اليوم لا تفسيرَ ، لا أُطُراً،
لا فلسفات لهذا العشق تعنيني
فالحب فلسفة في الصّمت قيمتها
أجلى وأوضح من كل العناوين
عمر عبد الدائم
...........
"قراءتي الوجدانية"
القصيدة تنتمي إلى الغزل الوجداني التأملي، لكنها لا تكتفي باستعادة الحبيبة بوصفها امرأة، بل تجعل منها فكرةً وصورةً ووجودا نُحِت في الذاكرة.
أجمل ما فيها أن الشاعر اختار عنوان «النحّات» ليكون مفتاحاً
لقراءة التجربة كلها.
منذ المطلع:
«من أول الخلق، مِن سِفري وتكويني
ألفيتُ حبَّكِ يجري في شراييني»
يضع الشاعر الحب في مرتبة سابقة على الوعي؛ فهو ليس حادثة عاطفية طرأت على حياته، وإنما شيء يبدو كأنه كُتب في تكوينه الأول. وهذا يمنح القصيدة منذ بدايتها إحساساً بالقدرية: الحبيبة ليست عابرة في حياة الشاعر، بل جزء من تكوينه الداخلي.
ثم تأتي العبارة الجميلة:
«اضرب بإزميلك المعنى، لتُحييني»
وهنا تظهر الفكرة المركزية للقصيدة: الشاعر نحّات، والحب مادة النحت، والقصيدة هي الأداة التي تمنح المنحوتة حياةً جديدة. وهذا من أكثر مفاصل النص شاعرية؛ لأن الشاعر لا يقول إنه أحب فقط، بل يقول ضمنياً:
لقد صنعتُ من حبكِ كياناً يعيش في داخلي.
*جمال الصورة المحورية
أرى أن أجمل ما في القصيدة هو تداخل النحت والروح والشعر.
فهو يبدأ بالإزميل، ثم ينتقل إلى التمثال:
«في معبد الروح تمثالاً نحتتُكِ كي
يبقى مدى الدهر تذكاراً يواسيني»
وهنا يتحول الحب من علاقة بين شخصين إلى أثر خالد. التمثال ليس جسداً منحوتاً من حجر، وإنما صورة الحبيبة داخل «معبد الروح».
وهذه إضافة وجدانية مدهشة؛ لأن المعبد يوحي بالقداسة، والتمثال يوحي بالخلود، والروح تمنح الاثنين بعداً داخلياً.
ثم تأتي إحالة «بجماليون» لتكتمل الدائرة:
«عشقتُهُ عشق "بجماليون" دُرَّته
فدبَّت الروحُ في الصلصال والطينِ»
وهنا يحدث التحول الأساسي: النحات نفسه يقع في حب منحوتته. ومن الناحية النفسية، هذه الصورة عميقة؛ لأن الشاعر لم يعد متعلقاً فقط بالمرأة الواقعية، بل بالصورة التي صنعها عنها في داخله. وهذا يفتح باباً جميلاً للتأويل: هل أحب الشاعر المرأة، أم أحب صورتها التي نحتها الحب في وجدانه؟
وهذا السؤال، في رأيي، هو أحد أسرار القصيدة.
*الطفولة: أجمل مناطق الحنين
عندما يصل النص إلى:
«طفلين كنَّا، وللأزهار ترجمةٌ
ما بيننا .. وقطاف الورد يُغريني»
تتغير نبرة القصيدة، بعد التأمل الفلسفي والنحت والروح والتمثال، يعود الشاعر إلى البراءة الأولى.
وهذه النقلة رائعة جداً، لأن الحب هنا يتخلص من ثقله الفلسفي ويعود إلى طفولة الشعور «الأزهار» و«قطاف الورد» صور تقليدية في الغزل، لكنها داخل سياق القصيدة تؤدي وظيفة مهمة: إنها تستعيد زمناً كان الحب فيه أبسط من أن يحتاج إلى تفسير.
ومن هنا يصبح الحنين في القصيدة ليس حنيناً إلى امرأة فحسب، وإنما حنيناً إلى نسخة قديمة من الذات؛ إلى الطفل الذي كانه الشاعر معها.
*الحضور رغم الغياب
من أكثر الأبيات صدقاً وجدانياً:
«مازال طيفك في صحوي يرافقني
وفي منامي مع الأحلام يأتيني»
فالحبيبة هنا لم تعد موجودة في الواقع، لكنها أصبحت موجودة في المجالين اللذين يعيشان بينهما: اليقظة والحلم. وهذا يعني أن الغياب لم ينجح في إلغاء حضورها؛ بل ربما جعله أكثر رسوخاً.
ثم يقول:
«فصرت أسقيه من شعري وأثمله
وظلّ بالحب قبل الشعر يسقيني»
وهذا من أجمل أبيات القصيدة في نظري.
لأن العلاقة هنا تنقلب: الشاعر يسقي الحبيبة بالشعر، لكنها هي التي سبق أن سقته بالحب. وكأن الشعر ردُّ دينٍ قديم للحب.
وهذا البيت بالذات يختصر تجربة الشاعر كلها:
الحب أولًا، ثم الشعر بوصفه أثراً للحب.
نهاية القصيدة
النهاية تأتي أكثر هدوءاً..
«أشتاقك اليوم لا تفسيرَ، لا أُطُراً،
لا فلسفات لهذا العشق تعنيني»
ثم:
«فالحب فلسفة في الصمت قيمتها
أجلى وأوضح من كل العناوين»
وهنا يصل الشاعر إلى خلاصة تجربته: هناك مشاعر تفقد جزءاً من صدقها عندما نحاول تفسيرها.
والبيت الأخير جميل من الناحية الوجدانية، لأنه يعيد القصيدة كلها إلى الصمت. بدأ النص بـ«الصوت»:
«سمعت صوتك في اللاوعي يهتف بي»
وينتهي بـ«الصمت»:
«فالحب فلسفة في الصمت قيمتها...»
وهذه حركة دلالية جميلة: من النداء إلى الصمت، ومن الإزميل إلى الكلمة، ومن التشكيل إلى الذكرى.
ما يميز القصيدة وحدة الصورة المركزية: النحت، الإزميل، التمثال، الطين، الروح؛ ثم الشعر بوصفه امتداداً للنحت.
صدق الحنين؛ فالقصيدة لا تبدو مجرد تمرين لغوي على الغزل، بل تحمل ذاكرة عاطفية واضحة.
التدرج النفسي: التكوين → الاكتشاف → النحت → العشق → الطفولة → الذكرى → الشعر → الاشتياق → الصمت.
وجود مقابلات جميلة مثل: الوعي/اللاوعي، اليقظة/المنام، الحب/الشعر، الصمت/الكلام.
أن الحبيبة تتحول تدريجيا من امرأة إلى أثر روحي، وهذه من أجمل طبقات النص.
من الجماليات المدهشة، أن هناك مواضع تميل فيها القصيدة إلى التقرير والتفسير أكثر مما تحتاجه الصورة الشعرية، خصوصا في بعض العبارات الفلسفية المباشرة مثل:
«لا فلسفات لهذا العشق تعنيني»
و:
«فالحب فلسفة في الصمت قيمتها...»
فالمعنى جميل، رائع، يقترب من الحكمة المعلنة.
كذلك، بعض الصور الغزلية مثل «الورد»، و«العراجين»، و«الطلع» تنتمي إلى المعجم الشعري العربي المألوف، بينما الصور المرتبطة بالنحت والتمثال والصلصال أكثر خصوصية وتميزاً. ولذلك أرى أن القصيدة في أقوى حالاتها حين تكون وفية لمعجمها المركزي، أي حين نرى الشاعر نحّاتاً للحب.
"الخلاصة الوجدانية"
هذه ليست قصيدة عن امرأة غائبة بقدر ما هي قصيدة عن امرأة أصبحت مقيمة بعد غيابها.
الشاعر لم يستطع الاحتفاظ بالحبيبة في الواقع، فاحتفظ بها في اللغة. ولم يكتفِ بذلك، بل نحت لها تمثالا في «معبد الروح»، ثم أخذ يسكب عليه من شعره كي لا يموت.
ولذلك فإن العنوان «النحّات» ليس مجرد عنوان جميل؛ إنه مفتاح القصيدة كلها:
الشاعر ينحت محبوبته في الحجر، ثم يكتشف أنه نحتها في قلبه قبل أن ينحتها في الشعر.
وأجمل ما يمكن أن يقال عن التجربة أن الشاعر لا يكتب عن حب انتهى، بل عن حب تغيّر مكانه: خرج من الحياة اليومية، وانتقل إلى الذاكرة، ثم من الذاكرة إلى الشعر، ثم استقر أخيراً في ذلك المكان الذي لا يحتاج فيه الحب إلى تفسير: .. الصّمت.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: