من كنت أبحث عنه
أ . لينا ناصر- لبنان
كان ذلك في الرابع عشر من آذار، حين كنت في رحلة إلى ألمانيا.
كنت أتجول في شوارع بافاريا، أتنقل بين المحال على دراجتي الهوائية، وأترنم ببعض الأغنيات الفيروزية بصوت مرتفع، وغالب ظني أنني بين مجتمع أجنبي لا يفهم ما أقول، ولا يعنيه من أمر جنوني الصغير شيء.
كنت أحمل في قلبي رجلا من عشق، أتجول به أكثر مما أتجول بجسدي، أغنيه في سري، وأحدثه دون موعد، كأن المسافات كلها لم تكن سوى طريق طويل يصلني إليه.
وفجأة، ومن دون إنذار، بدأ المطر يهطل.
كان مطرا غزيرا، فاندفعت أبحث عن مكان ألتجئ إليه، لكن المشهد من حولي أوقفني.
الناس أوقفوا سياراتهم، وترجلوا منها، وبدؤوا يرقصون تحت المطر ويهتفون، وكأن المدينة بأكملها قد تحولت فجأة إلى مهرجان.
ضحكت.
قلت في نفسي: ربما المطر عندهم نادر إلى هذا الحد، حتى صار نزوله مناسبة للاحتفال.
ثم تسللت إلي رغبة طفولية في أن أجرب فرحتهم.
تركت دراجتي جانبا، وذهبت أرقص تحت المطر مثلهم.
كنت أضحك، وأدور، وأرفع وجهي إلى السماء، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.
سمعت هتافات.
هتافات بلهجة عربية.
توقفت.
أصغيت.
كان الصوت واضحا هذه المرة.
عربي!
بحثت عن مصدره كمن يبحث عن أمه في عتمة لا نهاية لها.
بدأت أتبع الصوت.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم أصبحت أهرول.
لم أعد أرى الشوارع، ولا السيارات، ولا المطر، ولا الناس.
نسيت المكان والزمان وحتى نفسي.
لم يبق في العالم كله سوى ذلك الصوت العربي.
كنت أركض نحوه كأن شيئا في داخلي يعرفه قبل أن تراه عيناي.
ثم...
لا شيء.
---
استيقظت في اليوم التالي.
كانت رائحة المستشفى أول ما وصل إلى أنفي.
فتحت عيني ببطء.
جدران بيضاء.
ضوء باهت.
أجهزة لا أعرف أسماءها.
نظرت حولي.
لم يكن هناك أحد.
حاولت أن أتحرك، فشعرت بثقل في جسدي، وبألم غامض في رأسي.
قلت بصوت متعب:
— هل من أحد هنا؟
ساد الصمت لثوان.
ثم جاءني صوت من خلف الباب.
صوت عربي.
هادئ، عميق، وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد:
— نعم...
توقفت أنفاسي.
ثم أضاف:
— هنا من كنتِ تنتحرين لتصلي إليه.
تجمدت في مكاني.
لم أفهم.
حدقت في الباب.
اقترب الصوت أكثر:
— ألم تكوني تبحثين عني؟
شهقت.
لم أعد أعرف إن كنت في مستشفى، أم في حلم، أم أن المطر الذي رقصت تحته بالأمس لم يكن مطرا أصلا...
لكنني كنت أعرف شيئا واحدا فقط:
أن الرجل الذي حملته في قلبي طوال الطريق...
ربما كان هو من يقف الآن خلف الباب
لينا ناصر

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: